عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.


إرهاصات الفوز
أسباب الفوز
السياسة الخارجية

يطرح فوز رجب طيب أردوغان بأول انتخابات رئاسية بالاقتراع المباشر أسئلة حول طبيعة الفترة القادمة في تركيا، وماهية التغييرات التي سيجريها على المستوى السياسي، الداخلي والخارجي، بالنظر إلى أن الفوز يشكل محطة مفصلية في تاريخ الجمهورية التركية، بوصفها بداية حاسمة، ستؤثر في اتجاه صيغة ومعادلة الحكم الجديدة في تركيا، وفي طبيعة المرحلة المقبلة، التي تطمح فيها تركيا إلى استمرار لعب أدوار محورية في محيطها الجغرافي وفي منطقة الشرق الأوسط.

إضافة إلى أن أردوغان بدأ منذ مدّة بالإعداد لمرحلة جديدة، من خلال تقوية منصب رئاسة الجمهورية، ومنح الرئيس صلاحيات أوسع، بما يمكنه من قيادة البلاد وتنفيذ مشروعه السياسي، لذلك تخشى المعارضة التركية من أن يغيّر الرئيس أردوغان هوية تركيا، ويبدد إرثها العلماني، من خلال جدول أعمال إسلامي، خصوصا أنه يأمل بالبقاء في منصبه الجديد لولايتين كل منهما من خمس سنوات، ما يتيح له قيادة تركيا خلال إحيائها الذكرى المئوية الأولى لتأسيس جمهورية أتاتورك.

إرهاصات الفوز
تتمتع هذه الانتخابات الرئاسية بأهمية كبرى بالنسبة للتاريخ السياسي التركي، كونها الأولى من نوعها، التي ينتخب فيها الشعب مباشرة رئيس الجمهورية، ما يعني أنه سيستمد شرعيته من الشعب مباشرة، بعدما كان البرلمان يحتكر هذه العملية، لذلك، فإن أردوغان لن يحتاج إلى تغيير القانون التركي، بشكل عاجل، كي يبدأ في استخدام بعض الصلاحيات التنفيذية، ذلك أن القانون التركي يتيح للرئيس صلاحيات واسعة، لم يستخدمها أي من الرؤساء السابقين، كونهم لم يكونوا منتخبين مباشرة من قبل الشعب.

تخشى المعارضة من أن يغيّر أردوغان هوية البلاد، ويبدد إرثها العلماني، خصوصا أنه يأمل بالبقاء في منصبه الجديد لولايتين ستمنحانه قيادة تركيا خلال إحيائها الذكرى المئوية الأولى لتأسيس جمهورية أتاتورك

غير أن أردوغان يسعى لما هو أوسع من ذلك، من خلال تعديل القانون الأساسي التركي، ليصبح نظام الجمهورية "رئاسيا"، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ويصبح رئيس الوزراء مساعدا للرئيس، إضافة إلى أن هذه الانتخابات أتاحت الفرصة للشعب التركي، من أجل تقييم السياسات والقضايا المعني بها، ومكنته من قول كلمته حيال مستقبل البلاد خلال الخمس سنوات المقبلة.

وقد جاء فوز أردوغان بانتخابات الرئاسة، ومن جولتها الأولى، كي يؤكد أن هذا الرجل هو زعيم تركيا الأول في الألفية الثالثة، ويمثل ظاهرة تستحق الدراسة، بوصفه أهم زعيم سياسي شهدته تركيا، منذ مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، وأول رئيس لها، حيث أظهرت الانتخابات العديدة التي خاضها وفاز بها منذ 2002، مدى الشعبية التي يحظى بها، وذلك بالرغم من محاولات أحزاب المعارضة مجتمعة، وما يسمى "الكيان الموازي"، تشويه سمعته، وأثبت أن شخصيته تحظى بكاريزما قوية، لا تحظى بها أية شخصية سياسية أخرى، في هذه المرحلة، وربما خلال السنوات القليلة القادمة.

وبالاستناد إلى دعمه الشعبي، ذهب أردوغان إلى تصوير فوزه بالانتصار التاريخي، ولم يكتف بذلك، بل اعتبره انتصارا للأمة التركية بأكملها، ثم تجاوز ذلك إلى اعتبار فوزه بالرئاسة فوزا للمظلومين في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين، وانتصارا للشعوب من أفغانستان وحتى البوسنة والهرسك.

واعتبر في خطاب النصر، أن تركيا اختتمت بفوزه بالانتخابات مرحلة قديمة، وبدأت الدخول في مرحلة جديدة، لذلك دعا إلى تخطي "خلافات الماضي"، والسعي إلى "عملية مصالحة اجتماعية جديدة" بين الأتراك، بوصفه الرئيس الجديد لما يقارب الـ77 مليون تركي، مع التأكيد على الهوية التركية التعددية الجديدة التي يسعى إليها، وعلى سعيه لإنهاء عملية التسوية مع "حزب العمال الكردستاني"، والوصول إلى السلام المنشود.

غير أن هناك تخوفا لدى بعض المعارضين من شخصنة الحكم، وشخصنة السياسة في المرحلة المقبلة، حيث يرون أن أردوغان سيسعى نحو تركيز السلطات، وحصرها بيده، من خلال إجراء تعديلات دستورية، قد لا تبدو في متناول يده، في هذه المرحلة، لأن حزبه الحاكم لا يمتلك أغلبية برلمانية كافية، يمكن بواسطتها تمرير تعديلات دستورية، تعمل على تحويل طبيعة الحكم من برلماني إلى رئاسي أو شبه رئاسي.

وقد سعى أردوغان للحصول على أغلبية برلمانية كافية لإحداث التعديلات الدستورية، خلال الجولات الانتخابية البرلمانية الثلاث السابقة، لكنه لم يتمكن من ذلك، وبقيت نسبة نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم في البرلمان تقارب الخمسين في المائة فقط.

وبالنظر إلى أي تعديل للقانون الأساسي في تركيا، يتطلب الحصول على أصوات ثلثي أعضاء البرلمان، وهي مهمة صعبة جدا، لذلك سيلجأ أردوغان إلى إجراء تعديلات قانونية عديدة، تصب في بوتقة منح الأقليات الكردية والعلوية مزيدا من الحريات الاجتماعية والسياسية والدينية، بغية نيل أصواتهم في الانتخابات البرلمانية المقبلة، التي ستجري في بداية العام المقبل.

 انعكس فوز أردوغان فورا على عالم المال والأعمال الوطني، وعلى ارتفاع أسعار صرف الليرة التركية، وسيفضي إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية، وتحقيق المزيد من الاستقرار السياسي، خلال الفترة القادمة
إضافة إلى أن تعديلات عديدة طرأت على قوانين الانتخابات البرلمانية، حيث ستجري، ولأول مرة، على أساس الدوائر الانتخابية الضيقة والفردية، الأمر الذي قد يمكن حزب العدالة والتنمية من زيادة عدد أعضائه في البرلمان، لكن السؤال هو: هل سيصل عدد أعضائه إلى ثلثي عدد أعضاء البرلمان أم لا؟ هذا هو رهان أردوغان، الذي يبدو شبه مستحيل في هذه الآونة، لكن كل الاحتمالات تبقى مفتوحة إلى حين إجراء الانتخابات المنتظرة.

أسباب الفوز
تكمن حيثيات الفوز في الإنجازات الاقتصادية التي حققها حزب العدالة والتنمية، الحاكم لتركيا من 2002، وفي ارتباط تلك الإنجازات والنجاحات باسم أردوغان، كان بسبب قصة نجاح كتبها على مدار 12 عاما، من إدارة الحزب للبلاد، وتجلت بتضاعف دخل الفرد التركي، وانخفاض نسبة البطالة، وارتفاع مستويات المعيشة، والاستقرار الاقتصادي، والسياسة المشجعة للاستثمار الأجنبي.

ولذلك انعكس فوز أردوغان فورا على عالم المال والأعمال في تركيا، وعلى ارتفاع أسعار صرف الليرة التركية، وسيفضي إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية، وتحقيق المزيد من الاستقرار السياسي، خلال الفترة القادمة.

وتشير الأرقام الصادرة عن هيئة الإحصاء التركية إلى أنَّ الاقتصاد التركي شهد نموا بنسبة 4% عام 2013، مقارنة بعام 2012، وأنَّ حجم الصادرات التركية الصادرة بين شهري فبراير/شباط 2013 وفبراير/شباط 2014، حقق زيادة بلغت نسبتها 6.2%، مقارنة بنفس الفترة من العام الذي قبله.

إضافة إلى العديد من الإنجازات والمشاريع الاقتصادية الكبرى، ليس آخرها مشاريع عملاقة، تتجاوز ميزانية 21 مشروعا اقتصاديا منها مجموع ميزانيات 130 دولة في العالم، وهي مشاريع تتنوع بين مجالات المواصلات، والطاقة، والبنية التحتية، والدفاع، وأهمها مفاعل "سنوب" النووي، الذي تبلغ ميزانيته 22 مليار دولار، ومفاعل "أق كويو" النووي الذي تبلغ ميزانيته عشرين مليار دولار، وقناة إسطنبول التي تبلغ ميزانيتها 15 مليار دولار، ومطار إسطنبول الثالث الذي تبلغ ميزانيته عشرة مليارات دولار، ومشروع "مارماراي" الذي بلغت ميزانيته خمسة مليارات دولار، ومشروع جسر إسطنبول المعلق الثالث الذي تبلغ ميزانيته 3.5 مليارات دولار، ومشروع إنتاج طائرات هليكوبتر "أتاك" الحربية الذي تبلغ ميزانيته 3.3 مليارات دولار.

ولعل الأهم هو أن حزب العدالة والتنمية عمل على تحقيق المبدأ الأساس في الاقتصاد، القاضي بتحقيق المعادلة الاقتصادية ما بين الواردات والمصروفات، بشكل يؤمن وفرة مالية للمواطن وللدولة والخزينة العامة، ولا يلحق الضرر بها، ولا يضطرها إلى اللجوء إلى الديون الداخلية ولا الخارجية، ويجعلها دولة قوية في ذاتها، وقوية في اقتصادها، وقوية في معاملاتها مع السوق العالمي.
لا شك أن المتغيرات في مرحلة رئاسة أردوغان قد تطال السياسة الخارجية، بعد التحولات التاريخية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد ثورات الربيع العربي، حيث وجدت تركيا نفسها في مواجهة تحديات وتبعات جديدة تأخذ بالحسبان مختلف التطورات
 
إضافة إلى توفير مناخ سليم للإنتاج والاستثمار، باعتبار أن القدرات الإنتاجية، التي يمكنها الدخول في المنافسة الدولية لها أهمية كبيرة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وتطبيق السياسات الاقتصادية الناجحة، وبشكل يفضي إلى زيادة الإنتاج والتوظيف والتصدير، بوصفها أساس السياسات الاقتصاديات الناجحة، وهو أمر يتطلب من الدولة أن تقوم بتوفير البنية التحتية اللازمة، من أجل الإنتاج والحث عليه.

السياسة الخارجية
يتحدث بعض الساسة الأتراك عن ما يسمونه "تصحيح مسار" السياسة الخارجية التركية، بعد المتغيرات والتطورات العديدة التي حدثت في المنطقة، خاصة بعد صعود "داعش" (تنظيم الدولة الإسلامية) الكبير.

ولا شك أن المتغيرات في مرحلة رئاسة أردوغان قد تطال السياسة الخارجية، بعد التحولات التاريخية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد ثورات الربيع العربي، حيث وجدت تركيا نفسها في وضع جديد لا تحسد عليه، كونه يفرض على مهندسي سياستها الخارجية، تحديات وتبعات جديدة، تأخذ بالحسبان مختلف التطورات، ومختلف اللاعبين الجدد، وخاصة بعد سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، وتحجيم دورهم في معظم الدول العربية، إلى جانب إرهاصات الأزمة السورية المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، والعلاقة مع إيران بوصفها منافسا قويا في المنطقة.

يضاف إلى ذلك، أن مستجدات الأوضاع في العراق، وفي سوريا، وسواهما، تتطلب من الساسة الأتراك اتخاذ مواقف جديدة، والقيام بمبادرات لم يعهدها الموقف التركي مما يجري في هذا البلدان، وهي مواقف تتعلق بالعلاقات الإقليمية، ومصالح تركيا الاقتصادية والحيوية، فضلا عن الجيوسياسية، إلى جانب كون كل من العراق وسوريا جزءا من الفضاء الحيوي لمصالحها.

لكن الأهم هو معرفة مدى تأثير ما يجري في العراق وسوريا على تركيا، واحتمال تأثرها بما يجري فيهما من صراعات، والأمر في عهدة المتغيرات التي ستطال سياسة تركيا في المرحلة المقبلة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك