حسام شاكر

حسام شاكر

باحث ومؤلف واستشاري إعلامي، متخصِّص في الشؤون الأوروبية


مناورات
المفردات المضللة
الفاشية تطلّ برأسها
مجازفة الارتباط
التشبيه بالنازية ومشتقاتها

تُلقي طائرات الاحتلال أطنان المتفجرات فوق رؤوس الفلسطينيين، لتخرج صحف أوروبية مطبوعة بأطنان الحبر مع عناوين التحذير من "ارتفاع العداء للسامية".

خلف العناوين مخاوف تُفصِح عنها مؤسسات ومراكز حسنة التمويل، معزّزة بتصريحات متفرقة تمنح الانطباع بأنّ الحرب الضارية إنما تجري في عواصم أوروبا، وليس في خاصرة المتوسط الشرقية المكتظة باللاجئين.

مناورات
يطيب لبعضهم رفع هراوة التحذير من "العداء للساميّة" في وجه ناقدي العدوان، لتجريم انتقاد الاحتلال الإسرائيلي وجولاته العدوانية، ولإعادة ترتيب أولويات الجمهور، وصرفه عن فظائع موّلها دافعو الضرائب الغربيون، مع الاستدراج إلى جدل أجوف في مربّع آخر. وقد تضطرّ هذه المناورة كلّ من يتحدّث عن الحقوق الفلسطينية أن يُخلي ذمّته أولا من الولوغ في الخطيئة، فينشغل بالدفاع بدل المرافعة عن الفواجع المتسارعة.

إنّ نثر اتهامات "العداء للسامية" جزافا في أفق مناهضة للعدوان على غزة، هو المسعى المفضّل للحدّ من التفاعل المتزايد مع القضية العادلة، ولاحتواء آثار العدوان السياسية والإعلامية في الخارج.

إنّ الخطيئة الكبرى التي وقعت فيها جمهرة المنحازين للاحتلال -في انشغالهم بالتحذير من "العداء للسامية" خلال دويّ القصف- أنهم لم يتخذوا موقفا أخلاقيا من كلّ ما يجري من فظائع.

إنّ نثر اتهامات "العداء للسامية" جزافا في أفق مناهضة للعدوان على غزة، هو المسعى المفضّل للحدّ من التفاعل المتزايد مع القضية العادلة، ولاحتواء آثار العدوان السياسية والإعلامية في الخارج

لم يعبِّر هؤلاء في معظمهم عن وخز الضمائر، بل بادروا ابتداء إلى تسويق ذرائع العدوان، وتلقّفوا القصص التي أرادت حكومة نتنياهو بيعها للعالم. ثمّ لم تتردّد الجمهرة ذاتها في لوْم الضحية، فمقاومة الفلسطينيين مسؤولة حصرا عن كلّ ما يلحق بهم، وسنجد التفاصيل التي تنشرها السفارات الإسرائيلية تجري على ألسنتهم وتتنزّل بأقلامهم بإخلاص، ومن ضمنها اتهامات "العداء للساميّة" أيضا.

ومع تجارب العقد الماضي باتت الصفوة اليقظة في أوروبا مستعدّة لمناجزة الحجّة بالحجّة، وتفكيك المزاعم بالبراهين، حتى وإن بدا المشهد في بعض بلدان شرق أوروبا ووسطها قاتما.

فقد تحوّلت وصمة "العداء للسامية" إلى اتهام يستفزّ الصفوة المثقفة التي يُطلَب منها التخلي عن حسِّها النقدي إزاء ما يجري، فعليها تكميم أفواهها ونزع مشاعرها إذا ما صدرت التجاوزات من رقعة ضيقة شرقي المتوسط تتصرّف كمن يحوز "رخصة من الربّ" بالمروق من المواثيق الدولية.

ولذا، فإنّ السجال مع حاملي الهراوات هو بشأن القيم والمبادئ التي لا يصحّ اجتزاؤها وخرقها لإسباغ الحصانة على مشروع الاحتلال العنصري من المساءلة والمحاسبة.

المفردات المضللة
قد لا يملك المرء من حيلة أمام سيل البيانات والتصريحات التي تقرع أجراس الخطر من تفشي "كراهية اليهود"، لكنّ النظرة المدققة تحيلنا إلى أزمة لدى تلك الأوساط في تعريف الحالة الجماهيرية الغاضبة من العدوان الإسرائيلي.

فإن اعتبر بعضهم إحراق العلم الذي تتوسّطه النجمة السداسية عملا "معاديا للسامية"، فهل من "الرفق بالساميّة" أن تحلِّق طائرات القتل الجماعي فوق منازل غزة المكتظة بساكنيها وهي تحمل النجمة ذاتها؟

إننا شهود على تلاعبات مضلِّلة تحاول تفسير الصراع الفلسطيني مع الاحتلال من خلال عقدة التاريخ الأوروبي مع اليهود، وسيلتقط حاملو الهراوات كلّ كلمة تحلو لهم لوضعها في سياقات مغايرة تخدم برنامجهم الدعائي، وقد لا يتورّع بعضهم عن إثارة الفزع مع كلّ صيحة غضب على سفك دماء الأبرياء في غزة.

ما يجدر تأكيده، أنّ العنصرية البغيضة، أو كراهية الناس على تصنيفات الألوان والأديان والألسن، ممّا لا يصحّ التهاون معه. وليس من المنطق تحميل مناصري الحقّ الفلسطيني المسؤولية عن أي تصرّف يبدو مشبّعا بالأحقاد، ففلسطين تكسب الجماهير العريضة المتنوِّعة في مشاربها، بقوّة القيم والمبادئ وهي في غنى عما دون ذلك، وقد ظلّ المشهد التضامني مع فلسطين في أوروبا محصّنا من تسلّل اليمين المتطرّف إليه الذي ينحاز بشراسة لرواية الاحتلال.

إنّ السيول البشرية لا تلوِّثها قطرات لا تخلو من أمثالها أيّ حشود، فما يعبِّر عن الجماهير هي الأهداف والشعارات والمطالب المرفوعة في نداءات التظاهر، وهي ببساطة: وقف العدوان وردع الاحتلال والانصياع للقيم والمبادئ والمواثيق الدولية.

لم تنادِ الملايين التي تظاهرت على جانبي الأطلسي -على تنوّع مكوِّناتها الإنسانية- "بإرسال اليهود إلى المحارق"، بل ندّدت بإرسال جنود إسرائيليين إلى مهمات إحراق التجمّعات السكنية بأطنان المتفجرات على مدار الساعة. لم تمجِّد ميادين التضامن هتلر، ولا تحسّرت من "عدم إكماله المهمّة"، بل تعلّقت أنظارهم بمأساة يواكبها جميعهم بالبثّ المباشر، ورأى بعضهم فيها ذكرى أجداده الذين فتك بهم النازي.

الفاشية تطلّ برأسها
أثارت جوقة التحذيرات من "كراهية اليهود"، الشكوك بتهاونها مع اعتداءات وأعمال شغب محفوفة بخطاب فاشي على أيدي جماعات مثل "بيتار" و"عصبة الدفاع اليهودية" في فرنسا مثلا. ألم يكن تشويه مساجد بعبارات تأييد العدوان مع النجمة السداسية، جديرا بتحذيرات مقابلة لا تقلّ صرامة؟

ولم تلتفت الجمهرة ذاتها إلى الحمّى الفاشية في مجتمع الاحتلال، فغضّت الطّرف عن السّعار العنصري في مظاهرات الميادين ومنصّات الجامعات ووسائل الإعلام وتصريحات الشخصيات العامّة والدينية الإسرائيلية.

فما رأي المحذِّرين من "العنصرية ضد اليهود" بجماعات "الموت للعرب" وعصابات "جباية الثمن" التي تتدفّق صورها ومقاطعها ومقتطفاتها إلى الفضاء الإعلامي والشبكات؟

إن اعتبر بعضهم إحراق العلم الذي تتوسّطه النجمة السداسية عملا "معاديا للسامية"، فهل من "الرفق بالساميّة" أن تحلِّق طائرات القتل الجماعي فوق منازل غزة المكتظة بساكنيها وهي تحمل النجمة ذاتها؟

لا يبدو مستغربا وفق هذا أن تلتقط أطياف من اليمين السياسي المتطرِّف في أوروبا ذرائع الاحتلال وتعلن انجرافها في تأييده، بعد زيارات أسرف فيها قادة أقصى اليمين في إظهار ولائهم "للقاعدة المتقدمة ضد الخطر الإسلامي"، حتى تباهى بعضهم في ديسمبر/كانون الأول 2010 بارتداء زي الجيش الإسرائيلي على تخوم غزة.

إنّ استعمال وصمة "العداء للسامية" في الترهيب من نقد جرائم الحرب، هو إستراتيجية المخاطرة بمصالح التجمّعات اليهودية في العالم. إنّها نقطة افتراق واضحة في النظرة إلى ملف "العداء للسامية"، بين المنظور الإسرائيلي ومنظور التجمّعات اليهودية.

فالخطاب الرسمي الإسرائيلي لا يتوانى عن اغتنام أي واقعة عنف لجذب اليهود لاستيطان فلسطين بعيدا عن أوطانهم. أمّا مصالح التجمّعات اليهودية في الاستقرار ومواصلة العيش ومواجهة أي صعوبات يمكن افتراضها، فلا تلقَى اكتراثا من إستراتيجية الترحيل هذه. وفي نهاية الشوط تتضح رسالة الخطاب العنصري التقليدي في أوروبا، بأنّ: عليكم أن ترحلوا. أمّا الاستجابات الحكومية الإسرائيلية لعمليات التخويف تلك فرسالتها مماثلة.

لقد صدرت "نيوزويك" في الثامن من أغسطس/آب 2014 بغلاف "الخروج: لماذا يضطر يهود أوروبا إلى الفرار مرّة أخرى؟"، مجسِّدة الأسلوب الذي تُزاحم فيه "كراهية اليهود" أحداثا ملحّة مثل فظائع غزة، فلم يستحقّ كلّ من قتلهم نتنياهو غلافا واحدا منذ اندلاع العدوان.

والمجلة التي وقعت في قبضة المحافظين الجدد، لم تقل لفتاة غلافها التي ظهرت في هيئة يهودية تعتزم الرحيل من أوروبا، إنّ فلسطين ليست آمنة، وإنّ السفر إليها متعثر بعد إغلاق الأجواء. تتناسى دعاية الاحتلال في مواقف كهذه بكائيّاتها من "خطر الصواريخ"، في انشغالها بتشجيع الهجرة إلى "وطن الآباء والأجداد، لأنه لن يكون أمانٌ لليهود إلاّ في دولتهم، وليس بوسعنا الاعتماد على أحد".

وتكنس "مخاوف العداء للسامية" تحت بساطها دعاية ضارية تُذكي حمّى "الإسلاموفوبيا"، فعندما تروِّج سفارات الاحتلال تغريدة مثل: "إسرائيل هي الحصن ضد الأسلمة"، تكون محاطة بالمراكز والمؤسسات والأبواق الإعلامية والشخصيات المتجندة لمعركة تستحثّ كراهية المسلمين تحذيرا من "كراهية اليهود".

وبلغ الأمر مبلغه مع تورّط دبلوماسيي السفارة الإسرائيلية في دبلن في ترويج ملصقات تشبه مواد اليمين المتطرف وتحمل شعار "إسرائيل هي البوابة الأخيرة للعالم الحرّ". وتظهر في أحدها "الموناليزا" بغطاء رأس المسلمات مع صاروخ وتحذير: "إسرائيل اليوم، باريس التالية". ويبرز في ملصق آخر تمثال داود للفنان الإيطالي ميشيل أنجلو، وقد ارتدى غترة عربية مع حزام ناسف على وسطه العاري.

مجازفة الارتباط
إنّ حقائق الميدان الجماهيري تعرقل حملة التشويه بوصمة "العداء للسامية". فمزيد من اليهود يختارون التظاهر من أجل فلسطين، ويتقدّم بعضهم الصفوف، وتعلو أصواتهم أحيانا بمطالب أكثر جذرية تبلغ حدّ المناداة بتفكيك المشروع الإسرائيلي.

من المرجّح أنّ فلسطين تكسب حاليا من متظاهري اليهود في أوروبا أكثر ممّن يخرجون تأييدا للعدوان عليها. يشترك هؤلاء في تأييد الحقوق الفلسطينية، بمنطلقات قيمية ومبدئية، أو تحت ضغط تجاربهم الذاتية، أو استنادا إلى رؤية دينية، ويرفعون أصواتهم دون أن يخشوا هراوات الترهيب بوصمة "كراهية اليهود".

يدرك العقلاء خطورة إطلاق العنان لنظام الاحتلال في عدوانه وانتهاكاته، واحتفاظه بامتياز الحديث باسم يهود العالم، ورفع لافتة "الدولة اليهودية".

إنّ خطاب المصير المشترك ليهود العالم مع هذه القاعدة الحربية، ينطوي على مجازفة فائقة بحسابات التاريخ والمنطق في رهن الموقف الأخلاقي لليهود أينما كانوا بالسلوك الذي تقرره قيادة طائشة في حكومة احتلال. إنها حقيقة تُفصح عنها أصوات يهودية، وإن لم يعترف بها التيّار المركزي للتجمّعات اليهودية حول العالم بعد.

حتى إن ظلّت القيادات الرسمية للمنظمات والطوائف اليهودية خاضعة آليّا لتأييد الاحتلال، فإنّ مزيدا من القيادة والمنظمات الفرعية تصعد بخطابات بديلة، ومنهم رولف فيرليغر القيادي السابق في المجلس المركزي ليهود ألمانيا الذي يعلو صوته ضد العدوان على غزة.

يُدرك هؤلاء المتحوِّلون تحديدا، الضريبة الأخلاقية الباهظة لما تقوم به القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية. فعدوانٌ بشع "يحوّل غزّة إلى مقبرة"، بتعبير جان أسلبورن، وزير خارجية لوكسمبورغ، لا يمكن حظر النقاش بشأنه برهبة العبء التاريخي الأوروبي.

التشبيه بالنازية ومشتقاتها
ينبذ الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي السائد تقريبا في أوروبا أي استدعاء لأوصاف النازية ومشتقات مرحلتها، في وصف جولات العدوان المتكرِّرة على التجمّعات السكانية الفلسطينية، يتأسّس هذا الرفض على القول بالتفرّد الكوني التاريخي لجرائم العهد النازي وانتهاكاته.

ينبذ الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي السائد تقريبا في أوروبا أي استدعاء لأوصاف النازية ومشتقات مرحلتها، في وصف جولات العدوان المتكرِّرة على التجمّعات السكانية الفلسطينية

والمستغرب أنّ النقد يتعطّل إذا ما صدرت المشتقات اللفظية إيّاها من مسؤولين إسرائيليين في وصف أمانيهم أو سلوك جيشهم، كما هدّد نائب وزير الدفاع الإسرائيلي ماتاي فلناي بإحداث "محرقة" في غزة في 29 فبراير/شباط 2008، أو عندما أفصح رابين عن أمنيّته بأن يصحو ذات يوم ليجد غزة "وقد غرقت في البحر".

تطول التصريحات والتشبيهات اللفظية التي لا تستحقّ من جمهرة الهراوات الأخلاقية تعليقا أو وقفة، لكنّ بعضهم لا يتردّد في استحضار المشتقّات النازية في وصف وقائع متفرِّقة، مثل استدعاء وصف "ليلة الكريستال" مع كلِّ واقعة كسر زجاج في أوروبا، حتى قبل التحقيق فيها. فهل يجوز استعمال كهذا لغزة التي أطيح بزجاجها من شدّة القصف؟

المؤكد أنّ ما يجري في فلسطين يتجسّد أمام الوعي الإنساني الجمعي نموذجا بحياله، وينتصب شاهدا على غطرسة القوّة واستباحة القيم وخرق المبادئ وتسويغ الفظائع. فهل يُريح هذا الاستقلال بالوصف وهذا التفرّد بالنموذج، أنصارَ الاحتلال وحاملي الهراوات الأخلاقية في وجه كلِّ من يعبِّر عن يقظة الضمير؟

وستبقى النتيجة المحتومة أنّ الوصف البديل المقترح للنعت النازي، سيغدو سُبّة في جبين كلّ من يلتصق به، ووصمة عار لا تشرِّف أحدا. فمَن بات يفخر بوصمة "هجمة إسرائيلية"، أو "سلوك إسرائيلي في الميدان"، أو "عقيدة الضاحية"، أو "تصفية خزاعة"؟!

على المعجبين بالنموذج الإسرائيلي حقا أن يرفعوا لافتات "الموت للعرب" في أقرب حملة انتخابية في أوروبا، وليجرؤوا على الإفصاح عن نواياهم بممارسة الديمقراطية بموجبه، وعندها ستنتصب المعازل السكانية، وستُرفع القواعد من جدار برلين، وسيحدِّثهم أفيغدور ليبرمان عن فنون الدبلوماسية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك