عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي


يعيش أغلب سكان المعمورة هذه الأيام على وقع منافسات كأس العالم لكرة القدم في البرازيل، التي هي أكبر حدث رياضي في العالم على الإطلاق يجمع حوله جموع المتفرجين من كل الأعمار والمستويات بما فيهم السياسيون.

غير أن نكهة الرياضة لم تكن الحاضر الأبرز في هذه النهائيات، ذلك أن موجة الاحتجاج الاجتماعي في الشارع البرازيلي تحيلنا إلى تناقضات مخفية وراء الأبهة الإعلامية، ليس أقلها ذلك التعارض بين عالم المال من خلال تكاليف البث والمحافظة على شعبية كرة القدم، ثم التناقض الثاني بين الخسائر الفادحة للقطاع العمومي مقابل الأرباح الكبيرة للفيفا والشركات الخاصة. هو واقع يتعارض مع حال رياضة تعرف في علم الاجتماع الرياضي بأنها رياضة الفقراء.

لقد أصبح السؤال مألوفا اليوم لدى عشاق كرة القدم في العالم كلما اقترب موعد تنظيم حدث كبير بحجم نهائيات كأس العالم أو حتى البطولات القارية: كيف سنتمكن من مشاهدة المباريات؟

سؤال لم يكن مطروحا في السابق لأن مشاهدة المباريات كانت متاحة على أغلب القنوات العمومية، لكن الأمر بدأ يتغير في العقدين الأخيرين بسبب الارتفاع المشط لأسعار حقوق البث التلفزيوني.

تحول ثمن حق البث التلفزيوني لكأس العالم من 24 مليون يورو سنة 1982 إلى 86 مليون يورو سنة 1998، ثم إلى 757 مليون يورو سنة 2002، ليصل إلى 2.1 مليار يورو سنة 2010

فقد تحول ثمن حق البث التلفزيوني لكأس العالم من 24 مليون يورو سنة 1982 إلى 86 مليون يورو سنة 1998 ثم إلى 757 مليون يورو سنة 2002 ليصل إلى 2.1 مليار يورو سنة 2010.

والغريب في أمر هذا الارتفاع الجنوني أنه أصبح متعارضا مع منطق الربح ذاته ليكون الاحتكار هو الهدف الأساسي. ففي فرنسا اشترت قناة "تي أف 1" حقوق بث لنسخة 2014 بـ 130 مليون يورو، والحال أن عائدات الإشهار لا تكفي لتغطية هذا المبلغ، خاصة أن بعض المقابلات لا تشد إليها الجمهور. لذلك فرضت هذه القناة أسعارا مشطة للإشهار لتبلغ 285 ألف يورو لومضة إشهارية مدتها ثلاثون ثانية، غير أن ذلك يبقى غير كاف، فلجأت القناة إلى التنازل عن حقوق بث 34 مقابلة من جملة 64 إلى قناة "بي إن سبورت" (الجزيرة الرياضية سابقا) بمبلغ قدره خمسون مليون يورو. هكذا ابتعد الأمر عن منطق الربحية في النقل التلفزيوني وأصبحت المضاربة والاحتكار عنوانه الأساسي.

لقد تسبب هذا الارتفاع المشط لتكاليف الحصول على حق البث في عجز بعض الدول عن ضمان مشاهدة المباريات لمواطنيها عبر القنوات العمومية.

ولئن كان الأمر أقل وطأة في حال البلدان القوية اقتصاديا بحكم وجود قطاع تلفزي خاص قوي وقادر على الشراء وعلى المضاربة، فإن الأمر معقد في أغلب الدول الفقيرة، خاصة في أفريقيا حيث كرة القدم هي الرياضة الشعبية الأولى. ففي حالة هذه البلدان التي تعاني من الفقر وقلة المرافق الصحية والتعليمية، تجد الدولة نفسها عاجزة عن شراء حق بث المباريات، في نفس الوقت هي لا تمتلك قطاعا خاصا قويا قادرا على منافسة إمبراطوريات مالية عالمية.

قد نضيف إلى ذلك النقص على مستوى التجهيزات التقنية بشكل يسمح بالبث المراقب مما يدفع أصحاب حق البث إلى اشتراط البث الأرضي، والحال أن أغلب البيوت مجهزة بأجهزة التقاط البث عبر الأقمار الاصطناعية. هكذا يجد الفقراء أنفسهم محرومين من مناسبة رياضية نسبت إليهم.

إنه لمن باب المفارقة أن نتحدث اليوم عن كرة القدم كرياضة للفقراء لنجد أن هؤلاء هم أول من يُحرم من مشاهدة المناسبات العالمية. فالصيت العالمي لكرة القدم باعتبارها رياضة شعبية تعود بالأساس إلى انشغال الشباب في الأحياء الفقيرة وفي المناطق المهمشة بممارستها في ظل انسداد الأفق الاجتماعي وفي ظل غياب سياسات عمومية لمعالجة التهميش.

وعادة ما تكون المناسبات الرياضية الكبرى -مثل كأس العالم وكأس القارات- فرصة لانخراط الأطفال في عشق هذه الرياضة وممارستها، وبالتالي تغذية الفرق المحلية والكبرى والفرق الوطنية. فهذه الفرق هي في النهاية وليدة تلك الحواضن الشعبية التي تنتعش في كل مناسبة رياضية، وهنا تكمن المفارقة مع الوضع الحالي.

ففي ظل احتكار حقوق البث والمضاربة المرتبطة بها، لم يعد بإمكان شرائح عديدة من الأطفال والشباب مشاهدة المباريات والتعلق ببعض النجوم الذين كان لصورتهم فضل كبير في انتعاش كرة القدم، حيث كانت مشاهدة هذه النجوم تحمس الشبان على تقليد فنياتهم ومهاراتهم بشكل يساعد على التمكن من هذه الرياضة.

كانت جنوب أفريقيا تنتظر أن تزيد فيها نسبة النمو الاقتصادي بمناسبة تنظيم كأس العالم سنة 2010 بحوالي 0.5% لكن الزيادة لم تتجاوز 0.1%، كما كانت تنتظر قرابة 480 ألف سائح مع استهلاك يتجاوز مليار دولار، لكن ذلك لم يتحقق

هكذا ستنقطع حتما سبل تغذية كرة القدم بطاقات شبابية جديدة، وسيصبح من الصعب إيجاد نفس تلك المواهب التي تربت في أحياء مهمشة وبرزت بمهارات من صنع الفضاءات الصغيرة.

وتؤكد الجذور الاجتماعية لنجوم مثل بيلي وميسي وزيدان دور هذا المناخ الاجتماعي في تغذية وتنمية كرة القدم. لقد صار التطور اليوم عكسيا من خلال انتشار المدارس والأكاديميات لتكوين الشباب في كرة القدم، وهي عادة ما تكون مفتوحة لشبان من عائلات متوسطة الدخل.

المفارقة الثانية تهم العلاقة بين شروط تنظيم كأس العالم من طرف الفيفا من ناحية والمال العمومي لكل دولة مشاركة من ناحية ثانية. فإن كان تنظيم البطولات المحلية في البلدان المتقدمة اقتصاديا يعتمد على عائدات الإشهار والرعاية، وذلك لوجود قطاع خاص قادر على التمويل، فإن كرة القدم في البلدان الفقيرة تعاني من قلة المال الخاص بالرغم من الإعانات التي تقدمها الفيفا.

ولذلك تتحمل المجموعة الوطنية عبئا كبيرا من خلال تخصيص جزء من المال العمومي لتمويل تربصات (معسكرات تدريبية) الفرق الوطنية ولضمان تنقلاتها الدولية وتكاليف إقامتها. فكيف بعد مثل هذا الاستثمار يطلب من المواطن العادي في البلدان الفقيرة أن يدفع المال لقناة خاصة ليشاهد فريقه الذي أوصله إلى كأس العالم من خلال إسهاماته الضريبية؟

لا يقف استغلال المال العمومي لصالح العقلية التجارية للفيفا عند هذا الحد، فمن المعلوم أن أغلب التجهيزات الرياضية -خاصة الملاعب الحديثة- لا تقام بتمويل القطاع الخاص، بل بالمال العمومي، وهي منشآت مكلفة وعادة ما تتحمل الدول أو السلطات المحلية تكاليفها الباهظة. فهذه المنشآت هي التي تمثل فضاء رعاية الموهوبين الذين سينشطون كأس العالم كما كل المناسبات الشبيهة.

ينتهي كل هذا الاستثمار العمومي إلى خزائن الفيفا والشركات الخاصة مثل مؤسسات التلفزة، ويطلب المزيد من المال العمومي لتأمين حق المواطن في مشاهدة فريقه الوطني.

لقد ثارت ثائرة جزء من الشارع البرازيلي قبيل انطلاق مباريات كأس العالم لهذه السنة، ولم يكن هؤلاء يحتجون ضد فكرة تنظيم المسابقة العالمية، ولكن فقط ضد التكاليف المشطة التي بلغت قرابة ثلاثين مليار دولار، ودون ضمان أي مردودية ودون أي تصور لاستغلال المنشآت لاحقا.

فقد عارض سكان مدينة مناوس وسط الأمازون بناء ملعب ضخم وحديث حسب معايير الفيفا، والحال أنه لا توجد في المنطقة تقاليد كرة القدم ولا يوجد فيها فريق من الدرجة الأولى، يضاف إلى ذلك أن إمكانيات استغلاله في مجالات ثقافية وفنية أخرى ستكون صعبة بحكم قسوة المناخ الاستوائي.

كانت جنوب أفريقيا تنتظر أن تزيد فيها نسبة النمو الاقتصادي بمناسبة تنظيم كأس العالم سنة 2010 بحوالي 0.5% لكن الزيادة لم تتجاوز 0.1%. كما كانت تنتظر قرابة 480 ألف سائح مع استهلاك يتجاوز المليار دولار، لكن العدد لم يتجاوز ثلاثمائة ألف إلا بقليل، واستهلاكهم كان أقل بكثير مما كان منتظرا، ثم رحلت الفيفا وتركت لدولة جنوب أفريقيا فاتورة باهظة.

لا بد من تحديد سقف لحقوق النقل التلفزيوني يراعي حق المواطنين في مشاهدة المباريات كما يراعي القيم التي قامت عليها الرياضة في العالم، وهي التقريب بين الشعوب

لا يقتصر الأمر على هذا التعارض المالي والرياضي، بل يشمل كذلك البعد القيمي والوجداني للشعوب ولأممها، فالمعاني الأخلاقية والقيم التي تنبني عليها المنافسة الرياضية مثل اللعب النظيف واحترام الخصم والتضحية ومقاومة العنف والتقريب بين الشعوب تتعارض كلية مع الغايات الربحية التي أصبحت تهيمن على كأس العالم، كما تتعارض مع إقصاء المشاهد في الدول الفقيرة.

أصبح التناقض بين مصلحة الأمم والمال العمومي والتوجه التجاري للفيفا حاضرا بقوة في بعض دوائر القرار السياسي، ففي فرنسا ندد النائب بالجمعية العمومية عن جبهة اليسار بيار لوران بمنحى المضاربة والاحتكار في نقل المقابلات الذي انتهى إليه تنظيم كأس العالم، وطلب من وزير النقل والاتصال التدخل لضمان نقل المباريات للفرنسيين لأنه شأن وطني.

من الواضح أن الأمم أصبحت رهينة الشركات الخاصة من ناحية، وكذلك رهينة لهف الفيفا الذي تحول إلى ما يشبه الشركة متعددة الجنسيات من ناحية ثانية.

لا يجب فهم مما ورد هنا أنه يجب إقصاء القطاع الخاص أو أنه يجب إلغاء حقوق بث المباريات، لكن المطلوب مراجعة المنطق الحالي لتنظيم هذه المناسبات الرياضية، والذي يبقى محكوما بهاجس الربح والاحتكار والمضاربة.

لا بد من البحث عن توازن في الشراكة بين القطاعين العام والخاص يخفف من وطأة تكاليف المنشآت على المالية العمومية، كما لا بد من تحديد سقف لحقوق النقل التلفزيوني يراعي حق المواطنين في مشاهدة المباريات كما يراعي القيم التي قامت عليها الرياضة في العالم، وهي التقريب بين الشعوب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك