محمد علوش

محمد علوش

إعلامي وكاتب سياسي لبناني


الحراك الدولي والمحلي
مواصفات الرئيس المطلوب
السيناريو الأرجح
أين تكمن المشكلة؟

منذ الخامس والعشرين من مايو/أيار الماضي وكرسي الرئاسة في لبنان شاغر، فقد انتهت ولاية الرئيس ميشال سليمان دون وجود بديل منتخب ضمن المهل الدستورية.

ثماني جلسات برلمانية عقدت دون انتخاب رئيس، فغالبا ما يتعطل النصاب بانسحاب بعض الكتل أثناء التصويت، أو بسبب عدم حضورها من الأساس للجلسات المقررة سلفا. فما الذي يحول دون انتخاب رئيس جديد للبلاد؟

محليا لا يملك أي من الأطراف السياسية تأمين النصاب القانوني لانتخاب رئيس، والانقسام السياسي الحاد بين قوى 8 و14 آذار منذ العام 2005 وتزايد حدته بعد الأزمة السورية عام 2011 على أثر التدخل اللبناني في الوضع السوري حال دون قدرة اللبنانيين داخليا على إنتاج تفاهمات بالحد الأدنى لانتخاب رئيس أو تسمية مرشح تسووي.

كما أن البلاد تعيش أزمة مستمرة تتركز حول هوية لبنان وخياراته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مع وجود قناعة عند أغلب اللبنانيين بأن اختيار رئيس للبلاد بات مرهونا بمجمل التطورات الإقليمية والدولية.

الحراك الدولي والمحلي
حصلت لقاءات بين جهات دولية وإقليمية بمسؤولين لبنانيين لبحث الملف الرئاسي، وثمة لقاءات أخرى ومحاولات لتأسيس تفاهمات داخلية بين أقطاب سياسية لبنانية، بعضهم أعاد تموضعه تماشيا مع ما يراه متغيرات إقليمية تتطلب ذلك، وبعضهم يدرس تقاربا مع جهات سياسية ناصبها العداء والخصومة لعقد من الزمن، كما هو حال الجنرال ميشال عون مع زعيم تيار المستقبل سعد الحريري.

لا يملك أي من الأطراف السياسية تأمين النصاب القانوني لانتخاب رئيس. والانقسام السياسي الحاد بين قوى 8 و14 آذار، وتزايد حدته بعد الأزمة السورية يحول دون قدرة اللبنانيين داخليا على التفاهم على رئيس جديد

لكن المراقب للمشهد السياسي يدرك تماما أن ما نشهده من تحركات على خط الدول النافذة ومن مرجعيات دينية معنية بمنصب الرئاسة الأولى لا يعدو كونه ضجيجا يملأ أوقات السياسيين دون أن يملأ الفراغ الرئاسي القائم.

وقد لا يقدم أو يؤخر لأن عواصم القرار الفعلي وصاحبة الكلمة الفصل مشغولة في مكان آخر، وهي تنظر إلى لبنان ضمن لوحة كاملة ترتسم على طول المشهدين الدولي والإقليمي، وتحكمه سياسات المحاور في إطار صراع أكبر وأوسع وأعمق مما قد يبلغه لبنان يوما.

وما يُسرب من تلك اللقاءات يشي بأن الأولوية الآن للملفين العراقي والسوري، طالما أن الحكومة اللبنانية نجحت في تثبيت الأمن في البلاد وتمكنت من النأي به عن الحرائق المشتعلة في المنطقة.

مواصفات الرئيس المطلوب
الكتل المسيحية المنقسمة بين قوى 8 و14 آذار، هي بشكل عام تريد رئيسا قويا يعيد لمؤسسة الرئاسة دورها التاريخي، رئيسا يكون مُعبّرا عن نبض المسيحيين ومراعيا لهواجسهم، يريدونه أن يُصنع بينهم، لا أن يُصنع لهم. فلقد تكرس عندهم شعور بأن منصب الرئاسة لم يعد لهم دور في اختياره بخلاف منصبي رئيس الحكومة (للطائفة السنية) ورئيس مجلس النواب (للطائفة الشيعية).

يأمل المسيحيون برئيس يعيد التوازن بين مؤسسات الحكم في لبنان، ويكون حاكما فعليا لا شرفيا، يزيل التوتر السني الشيعي المتسلل إلى لبنان على طول قوس الأزمات في المنطقة، رئيسا يكون لبنان واهتمامات أبنائه همه الأول والأخير. وهم حول ذلك منقسمون.

فبعضهم متمسك بالطائف لحفظ ما تبقى من حقوق المسيحيين، وبعضهم يريد إصلاح عيوب يقول إن الطائف أنتجها دون المساس بجوهره. وبعضهم يرى أن الحل في مؤتمر تأسيسي يعيد رسم العلاقة بين الطوائف الحاكمة في لبنان، ومن هؤلاء ميشال عون الذي طرح مبادرة تقوم على انتخاب رئيس من الشعب مباشرة وعلى مرحلتين، في الأولى يختار المسيحيون أكثر من مرشح مسيحي على أن تختار بقية الطوائف واحدا من المرشحين الفائزين في الجولة الأولى.

أما القوى السياسية التي تمثل اليوم دون منازع الطائفة الشيعية فهي لن تقبل برئيس يخرج عن خط حزب الله، أو لسوريا وإيران عليه اعترض، تريد رئيسا يكون جزءا من "محور المقاومة"، ينص برنامجه الرئاسي على تكريس شرعية سلاح حزب الله، ويسير على هدى معادلة الحزب "جيش، شعب، مقاومة" ويؤمن أن قدر لبنان وخلاصه ليس في تحييده عن الصراعات الإقليمية كما كان شعار رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي "النأي بالنفس"، ولا أن يكون في محور معاد للنظام الحاكم في سوريا، وأن يعترف بأن قتال حزب الله في سوريا أو في منطقة أخرى هو أمر تفرضه الأوضاع لحماية لبنان من الأخطار المحدقة به، وفي سبيل حفظ هويته الحقيقية، وصونه من مخططات الإمبريالية والصهيونية ومشاريعهما في المنطقة.

تيار المستقبل الممثل الأكبر للطائفة السنية وصاحب الكتلة الوازنة جدا في تكتل 14 آذار لا يجد ومعه حلفاؤه ضررا وخطرا على لبنان وهويته وعروبته أكثر من النظام السوري و"محور المقاومة والممانعة".

في نظر قوى 14 آذار، لبنان أضحى أسيرا لمشروع حزب الله الذي لا يعدو كونه لواء عسكريا إيرانيا على سواحل البحر المتوسط، تسيّره إيران أينما ومتى تريد دون مراعاة للحكومة والشعب اللبناني وما تقتضيه مصلحة لبنان. والرئيس المطلوب والمقبول هو ذاك الذي تنطبق رؤيته مع رؤية هذا الفريق، وهذا هو مفهومهم للرئيس القوي والمستقل.

ستبقى الساحة اللبنانية في حالة من الانتظار السياسي والترقب الأمني، وسيقتصر عمل الحكومة في ظل الفراغ في مؤسسة الرئاسة على الملف الأمني كأولوية لمنع انزلاق البلاد إلى اضطرابات أمنية على شاكلة تلك التي مر بها لبنان خلال السنتين الماضيتين

أما المستقلون في السياسة اللبنانية وهم قلة، وأصواتهم منخفضة، فيريدون رئيسا صنع في لبنان، ينأى به عن محيطه دون استعداء أو تبعية. وهم لا يفرقون بين قوى 8 و14 آذار. ويرون أن تيار المستقبل لا يقل تبعية للسياسة السعودية عن تبعية حزب الله لإيران، فكلاهما يبارك تدخل حلفائه الإقليميين، ويريد الزج بلبنان في أتون أجندات حلفائه الإقليميين.

السيناريو الأرجح
مع تنافر مواصفات الرئيس المطلوب بين الكتل القادرة على انتخاب رئيس للجمهورية يصبح الشغور الرئاسي فراغا، وقد يطول، وتتعذر الأطروحات وتنعدم مفاعيل المبادرات ريثما يتكشف اتجاه الريح في المنطقة.

وبما أن الأمور الأمنية وتحييد لبنان عن ألسنة اللهب في العراق وسوريا قد نجح فلا داعي للضغط الآن باتجاه أزمة جديدة قد تزلزل الواقع السياسي الذي ارتضته القوى السياسية برعاية دولية.

وعلى هذا الأساس ستبقى الساحة اللبنانية في حالة من الانتظار السياسي والترقب الأمني، وسيقتصر عمل الحكومة في ظل الفراغ في مؤسسة الرئاسة على الملف الأمني كأولوية تامة مدعومة من جميع القوى في الداخل وبغطاء خارجي لمنع انزلاق البلاد إلى اضطرابات أمنية على شاكلة تلك التي مر بها لبنان خلال السنتين الماضيتين.

يضاف أيضا لعملها تسيير شؤون البلاد دون المسّ بالملفات الكبرى التي قد تفجر الحكومة من الداخل أو تقضي على التضامن الوزاري المطلوب، والأرجح في هذه الحالة التمديد لمجلس النواب مرة أخرى بعد أن تم التمديد له سنة وذلك حتى إشعار آخر لأنه لا تفاهم على قانون للانتخابات، وأي نقاش حول قانون الانتخاب قد يسقط الحكومة نفسها، وبالتالي يصبح لبنان خاليا تماما من أي مؤسسة دستورية باستثناء مؤسسة القضاء، وهذا الأمر يمثل خطرا كبيرا لأنه بمثابة سقوط للبنان كدولة بشكل تام.

وإطالة أمد الفراغ في مؤسسة الرئاسة يشكل قلقا للمسيحيين الذين يرون في غياب الرئيس قضاء تاما على حقوقهم، ويعتقدون أن اختيار رئيس، وإن بسلطات محدودة، أمر مطلوب كونه قادرا على أن يكون رمزا للاعتدال والتعايش يحمي لبنان من الحروب الطائفية المستعرة بين السنّة والشيعة في المنطقة.

أين تكمن المشكلة؟
بقاء منصب رئاسة الجمهورية شاغرا هو اعتراف من اللبنانيين بأنهم عاجزون عن إدارة شؤونهم بأنفسهم، وأنهم بحاجة دائما إلى تدخل خارجي لتحريك عجلة الحياة السياسية وضبط مؤسسات الدولة.
وهي رسالة سلبية للشعب اللبناني الذي فقد الثقة في الطبقة السياسية الموجودة أولا، وتاليا إغراء أكثر للأطراف الخارجية بمزيد من التدخل في الشؤون اللبنانية في ظل أجندات أبعد مما تبصره العين اللبنانية.

ويخطئ من يظن أن المعضلة اللبنانية تكمن اليوم في ملء شغور منصب الرئاسة أو إجراء انتخابات برلمانية سريعا، فهذه الأمور على أهميتها الدستورية إلا أنها مجرد عوارض لمشكلات متجذرة وأزمات مزمنة.

غالبا ما اعتادت المؤسسات الدستورية على العمل في ظروف مشابهة لما نحن فيه اليوم، فالشواغر الدستورية مؤشرات على واقع سياسي مترد ومترهل أنتجته طبقة سياسية هي في مجملها عاجزة عن اتخاذ أي قرار دون توجيه خارجي

وغالبا ما اعتادت المؤسسات الدستورية على العمل في ظروف مشابهة لما نحن فيه اليوم، فالشواغر الدستورية مؤشرات على واقع سياسي مترد ومترهل أنتجته طبقة سياسية هي في مجملها عاجزة عن اتخاذ أي قرار دون توجيه خارجي. وهامش حرية التحرك بين الطبقة السياسية المنقسمة في قالب تكتل هنا وتيار هناك ضيقٌ لدرجة يمكن القول معها إن الطبقة السياسية بجميع تلاوينها مسلوبة الإرادة تماما.

كما أن العمل وفق مقتضيات الوحدة الوطنية البحتة أمر شبه غائب من قاموس السياسيين الذين دائما ما يبررون سياساتهم بذريعة حماية لبنان وهويته ومقدراته من الاستلاب لمشاريع دولية وإقليمية مشبوهة.

التدخلات الخارجية لم تسمح بوجود مؤسسات دولة قوية، ومستقلة، وحساباتها تتعدى الملف اللبناني إلى ملفات عديدة.

نستطيع القول إن لبنان مختطف من يد شعبه منذ زمن، وكل المساعي المخلصة والجادة التي قامت بها قيادات سياسية وطنية (نادرا ما ظهرت في الحياة السياسية) في حقب تاريخية مختلفة لخلق ديمقراطية حقيقية وحماية لبنان من لعبة المحاور باءت جميعها بالفشل مع رحيل هذه الزعامات التاريخية التي قضى أغلبها باغتيال جسدي أو معنوي. والحلول المقدمة لتفكيك الأزمات كانت تكرس عن عمد وفي غالب الأحيان النمط الطائفي، وتعزز الفرز بين الشعب اللبناني على أسس دينية ومذهبية ومناطقية.

وهناك قناعة بدأت تتشكل عند أطياف سياسية أن أزمات لبنان المتكررة والمستمرة، واستقراره الهش الذي ينهار عند كل هزة داخلية وإقليمية يعكس خللا في بنية النظام السياسي وعقده الاجتماعي.

ويتطلب الأمر إحداث تغيرات جوهرية في بنية النظام السياسي على غرار أزمة سنة 1958 التي كانت سببا مباشرا لما تعرف بالاصطلاحات التي قدمها الرئيس فؤاد شهاب، أو خلق مؤتمر تأسيسي بين الطوائف اللبنانية على غرار ما حصل بعد الحرب الأهلية التي نشبت سنة 1975 وانتهت باتفاق الطائف الذي أدخل إصلاحات في بنية النظام، في حين ترى الأغلبية السياسية أن الحل هو في تطبيق أمين لما جاء به الطائف خلافا للتطبيق الانتقائي الذي كان يتناسب والوجود السوري في لبنان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك