توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


الأردن ليس بعيدا عما يجري في العراق, بل أقرب لأن يصبح في بؤرته. وفي مقالتنا هذه سنحاول إجراء تقييم موضوعي للوضع ضمن الحيثيات المتوافرة، فالحرص على سلامة الأردن تلزم بأقصى درجات الصراحة والموضوعية, وأي تمويه متعمد للحقيقة هو إضرار بالأردن يتساوى فيه سوء القصد مع الجهل أو السذاجة.

أهم عامل يحدد قدرة "داعش" (تنظيم الدولة الإسلامية) على الاستيلاء على مناطق في الدول التي تقول إنها ستشكل أراضي دولتها الإسلامية, هو الوضع الداخلي في تلك المناطق والدول. وما نتحدث عنه لحينه هو "استيلاء على أراض" وليس إقامة "دولة"، ولكن استقرار داعش ولو مرحليا في منطقة مأهولة يعطي صورة عن طبيعة "الدولة" التي تفكر بها, وهو ما رأيناه في حكمهم "للرقة".

ورغم كون الرقة مدينة صغيرة نائية يجعل الاستيلاء عليها لا يخضع لاعتبارات "الوضع الداخلي" الذي ذكرنا, فإن الاستيلاء على مدينة بحجم الموصل ومحافظتها أمر آخر يعيدنا إلى الأثر الأعظم للوضع الداخلي في فرص دخول "داعش" إلى أي منطقة.

الإعلان أن "داعش" احتلت الموصل ببضعة آلاف من مقاتليها, وأن جيشا يقارب المائة ألف ويملك وسائل قتال متطورة فرّ منها مخليا محافظة بأكملها وأجزاء من محافظات أخرى، لم يكن مقنعا. ولم نمكث وقتا طويلا حتى ثبت أن ليس فقط العشائر السنية، بل وأيضا رجال "الجيش العراقي" الذي قام بريمر بحلّه, هم من أخرج تلك المليشيات من نينوى والأنبار, وقدموا البديل الوطني للوضع في العراق في عرض دولي لا يمكن لأحد التعامي عنه, تحديدا لأنهم قدموه مع عصا تحالفهم مع داعش.

أهم عامل يحدد قدرة داعش على الاستيلاء على مناطق في الدول التي تقول إنها ستشكل أراضي دولتها الإسلامية, هو الوضع الداخلي في تلك المناطق والدول

وتصاعدت الحرب النفسية بالحديث عن زحف التحالف على بغداد, مما زعزع أركان حكم المالكي القائم على الرعب وشرع في تفكيك تحالفاته بحيث أصبحت مغادرته لمنصبه مطلبا لمؤيديه قبل معارضيه.

ولكون شركاء داعش يتعمدون الإقلال من التصريح حاليا, نعرج على مقابلة مع أبو بكر الجنابي يقول فيها إن داعش خاضت المعركة ضد "عدو مشترك" مع "بعض الفرقاء" في مقدمتهم جيش أو جماعة النقشبندية. والنقشبندية طريقة صوفية دفعها ما جرى للرئيس صدام إلى حمل السلاح لمحاربة المحتل الأميركي وأعوانه، فأصبح مسمى الجماعة النقشبندية في العراق يعني جيشا مقاتلا (يضم عربا وأكرادا وتركمانا) تشكل ليلة إعدام الرئيس صدام نهاية العام 2006 بقيادة عزة الدوري.

وفي العام 2009 أصبحت أخباره تتداول باعتباره قوة تهدد حكم المالكي والأميركيين في كركوك وتكريت، واعترف حينها الرائد تشاك أسادوريان رئيس مخابرات اللواء الثاني في الجيش الأميركي المنتشر في كركوك بأن الجماعة "تتمتع بدعم شعبي وترفض الدعم الخارجي، وتمثل تهديدا ممكنا للسلطات على المدى الطويل".

وحين سُئل عن الحلول الممكنة أجاب بأنها "انتخابات وطنية تعطي تمثيلا أكبر للسنة, ومنح فرصة لتكنوقراط نظام البعث السابق الذين لا يحملون أفكارا متطرفة".

وما يطرحه عزة الدوري أيضا ليس حكم البعث أو عقد محاصصة, بل إتاحة الفرص لكل مكونات الشعب العراقي للمشاركة في قيادته حسب ما تفرزه "انتخابات وطنية". وكون قيادات عسكرية ميدانية من جيش الاحتلال الأميركي كانت توصلت إلى حتمية ذلك الحل قبل خمس سنوات، يؤشر على الموقف الأميركي الذي سيغلب الآن.

الجنابي يؤكد أن "اليد الطولى" في المناطق التي أخليت من قوات المالكي هي "للدولة" (تسمية لداعش وتحمل معاني استباقية)، مؤيدا قوله بكون "علم الدولة هو الذي يرفرف فوق مدينة بيجي وتكريت ومدن أخرى"، في حين أن ما يطبّق على أرض تلك المدن هو سياسة جماعة الدوري التي ترفض الهجمات "الانتحارية" وتعارض استهداف المدنيين.

ويبرر الجنابي هذا التحالف بالقول إن بعث العراق ليس كالبعث السوري, "فبعث العراق يؤمنون بالعروبة والفتوحات الإسلامية, والنقشبندية يشاركوننا في صلاتنا وصومنا وعاداتنا الإسلامية". وهي مقولات تستوجب توقفا ليس هنا مكانه, والجنابي هو من يكمل "وكذلك تقتضي مصلحة الطرفين أن لا تنشب خلافات فيما بينهما في الوقت الراهن". والأهم أنه يضمّن حديثه تعويلا على تحول الكثير من هؤلاء الفرقاء للانصهار في داعش.

ومن يعرف البعث والنقشبندية يستبعد انصهارهم في "داعش", ولكن هذا لا يعني أن آخرين من ذات التوجه "السلفي الجهادي" لن ينصهروا فيها, خاصة أنها باتت تمتلك المال والسلاح، فهي وجدت لتقاتل, وإن حكمت تحكم بالسيف، ولذا تجد نظيرها وخصمها العقائدي في قوات المالكي، وحلفاؤها لا يمانعون في ترك بعض الجبهات لداعش الآن, من مثل مداخل بغداد الشمالية حيث معاقل المالكي.

ولكن حين تستقر الأمور للبعث والنقشبنديين وزعماء العشائر السنية التي عانت من الاقتتال وتريد وضع حد له, فإن داعش ستبحث عن حيز جغرافي لا تتصادم فيه مع هؤلاء, ضمن ما أعلنته خارطة "للدولة" التي ستقيمها.

والعودة لمحاولة الوصول إلى دمشق شبه مستحيلة، والفرص في لبنان بالنظر إلى تركيبته الطائفية ووجود حزب الله فيه وثقافة اللبنانيين العصرية, يجعل التفجيرات والاقتتال في بؤر تسخّن لحظيا هو أقصى المتاح، وخوض حرب مع إسرائيل مؤجل ولن يزيد على تمويل وتجهيز بعض العمليات "الانتحارية" أو تبنيها بعد حدوثها (كما كانت تفعل "القاعدة" التي فرّخت داعش).

حين تستقر الأمور للبعث والنقشبنديين وزعماء العشائر السنية التي عانت من الاقتتال وتريد وضع حد له, فإن داعش ستبحث عن حيز جغرافي لا تتصادم فيه مع هؤلاء, ضمن ما أعلنته خارطة للدولة التي ستقيمها

ولن تسمح الكويت لداعش بدخول أرضها عبر العراق, وقد تغريها الظروف بالتمدد نحو الأردن، ولكنه حتما ليس الإغراء الرئيسي, بل هناك مغريات أخرى لداعش منها مشاريع "الداعشيين" أو السذج الذين يظنون أن داعش ستحررهم من حالهم المتردي, ولا يعلمون أنهم كالمستجير من الرمضاء بالنار!

إن هؤلاء يظهرون بصور رصدتها نخب محذّرة, منها ما كتبه النائب المسيحي اليساري جميل النمري عن "رجل أطل من شباك سيارته الواقفة بموازاتي وشرح مشكلته لي, ثم صرخ: هل يحلّها النسور (رئيس الوزراء) أم ننتظر داعش؟!".

وفي مقالة لكاتب غير محترف ممن باتوا يكتبون بضغط الواقع, يقول "يجد المواطن نفسه مستعدا للتحالف مع الشيطان لا سمح الله للتخلص من الواقع المرير الذي يعيشه". ويتكرر هذا في مختلف التحذيرات من كوننا مستهدفين من "داعش" شرقا و"النصرة" شمالا, ومن الداخل!

وأبرز ما ظهر من "الداخل" مسيرة "معان" يوم الجمعة 21 يونيو/حزيران الماضي المؤيدة لداعش والتي رفعت أعلامها وطالبت بإزالة حدود سايكس بيكو، وتقول المواقع إن المشاركين فيها بالمئات بينما تقول الدولة إنهم عشرون أو ثلاثون. وجرى هذا رغم التواجد الأمني الكثيف حول معان والغارات الأمنية على أحيائها وبيوتها والتي تنتهي بقتل من تسميهم الدولة "مطلوبين أمنيين" وغيرهم, ومؤخرا نشرت صور لمعتقلين بحالة تعذيب.

المسيرة حملت لافتات تقول "معان.. فلوجة الأردن", وهو ما يؤكد وصفي السابق لمعان بكونها "دارفور الأردن" عنوانا لمقالة نشرتها على موقع الجزيرة هذا نهاية العام 2008، وهو مقال وثائقي هام لفهم حقيقة ما جرى ويجري في "معان" مما هو وثيق الصلة بما جرى للعراق عام 2003 وما يجري فيه الآن.

وأعيد هنا اقتباسا من مقالة للواشنطن بوست عن حصار معان عام 2003, والمتجدد الآن "القصة الحكومية الرسمية أن الجيش استدعي لوقف عصابة من الخارجين على القانون كانت ترهب سكان المدينة. ولكن تقارير صحفية دولية وتصريحات لمسؤولين أمنيين -لم يريدوا ذكر أسمائهم- قالوا إن العملية هدفت إلى أن تضع في السجون الذين يمكن أن يتسببوا باضطرابات أو يقوموا بأعمال تخريبية إذا شنت الحرب على العراق".

واستكمالا "للظرف الداخلي" لا يمكن للمرء إلا أن يلحظ الضعف "الرسمي" الآن، فبعد أقل من شهر على إصدار قانون جديد "لمكافحة الإرهاب" فضفاض بدرجة استعْدت الجميع, ويمكن أن يجرّم أي فعل أو رأي بوسمه بالإرهاب، حل العجب محل الغضب!

فردّ فعل الدولة الأردنية على مسيرة معان التي ينطبق عليها أكثر من تعريف للإرهاب في ذلك القانون, جاءت تخفف من التهمة بدل تضخيمها أو اختلاقها الذي مهد له ذلك القانون, بدءا بزعم أن المشاركين فيها عشرون أو ثلاثون فقط, وأن الدولة "تتريث في التعليق رسميا على الحادثة", وأن الاتصالات الأمنية والاستخباراتية جارية بكثافة (حول مسيرة علنية لعشرين شخصا؟!) للخروج بموقف نهائي حول الارتدادات المتوقعة للمسيرة, وأن ما يهمها هو معرفة مدى تعبير هذا التحرك عن منهج سائد أو تعبيره عن موقف عشرين أو ثلاثين شخصا, متوقعة أن تكون المسيرة معبرة عن بروز انقسام حاد داخل التيار الجهادي!

وهذا التحول نحو دور الباحث والدارس المتأمل للتيارات السلفية مستغرب ممن غلّبوا القوة الأمنية المفرطة في مواجهة حتى اعتصامات لعمال ومزارعين وعاطلين عن العمل, وممن وضعوا قانونا يتيح وسم التعاطف مع اعتصامات "كهذه" بالإرهاب! يأتي هذا مرفقا بتبرئة "محكمة أمن الدولة" لأبي قتادة الذي كانت بريطانيا تخشى عليه تسليمه للمحاكمة في الأردن!

في المقابل جاءت تصريحات قادة السلفية لتظهر ثقة أكبر بالنفس وبدورها في الآتي. "أبو قتادة" الذي كان يهاجم داعش من سجنه, أعلن الآن "تريثه" في إصدار موقف من "داعش في العراق"، بينما القيادي في التيار الجهادي أبو سياف استنكر المسيرة قائلا إن "من شارك فيها من التيار خمسة فقط, وهي لا تخدم التيار لكونه منقسما بين مؤيدين للنصرة ومؤيدين لداعش". ولكنه أضاف "لو يأتي الشيطان لاحتضنته البيئة الأردنية من طبيعة ما يعانيه المواطن"!

الخطر الأكبر أمام الأردن هو أن الدخول إليه قد لا يعود خيارا وفائض قوة حتى لداعش والنصرة, بل قد يصبح اضطرارا حين يضيق عليهما استقرار الأوضاع في كل من سوريا والعراق

ويزيد من قلقنا أن الأردن بلا حلفاء، فمن يُسمّون حلفاءه من الأميركيين والخليجيين وظفوه لحماية حدود وأنظمة حكم خليجية، وللتدخل عبر أراضيه في سوريا, ووضعوه في واجهة كل تقلباتهم.

والآن مع تبلور تحالفات خليجية مع من هم أكبر وأهم منه, لا يبدو أن أحدا يكترث بالأردن بأكثر من سعادتهم لكونه منطقة عازلة لهم عن سوريا وداعش والنصرة. ولدى الإعلان أن الأردن دفع بجيشه وبقوات الدرك لتحصين حدوده مع العراق، لم نملك إلا أن نتساءل عن قدرته على استرداد الدركيين الذين وظفهم لدى حكومة البحرين!

والخطر الأكبر هو أن الدخول إلينا قد لا يعود خيارا وفائض قوة حتى لداعش والنصرة, بل قد يصبح اضطرارا حين يضيّق عليهما استقرار الأوضاع في كل من سوريا والعراق.

ولا يكفي التعزي بالإشادة بجيشنا المجمع عليها (أثبتت دراسة للأزمة الأمنية في معان أن أهلها لا يثقون بالحكومة ولكن ثقتهم بالجيش عالية), فالحرب التي قد يضطر الجيش لخوضها في الجبهتين الشرقية والشمالية ليست نظامية, بل هي حرب عصابات، أما غرب المملكة فمهدد بأقوى جيش نظامي في المنطقة!

وإسرائيل تدرك هذا، وسارعت إلى محاولة استثماره بتقديم نفسها كحليف "عسكري" أوحد للأردن، وهي تروج لنشر جيشها على نهر الأردن بأنه حماية لنا, مع أنه حقيقة إعادة احتلال لغورنا. وحتى ما دون الاحتلال, فإن مجرد الحديث عن تنسيق مع الجيش الإسرائيلي كفيل بجعل الأردنيين كافة يصطفون مع السلفية الجهادية، أو أي مسمى جهادي آخر يعلن أن حربه مع إسرائيل!

طوق النجاة الوحيد هو تمتين الجبهة الداخلية. ولكن لتجنيد كافة الأردنيين -كل على الثغر المؤهل لحمايته- تلزم إقامة حكومة إنقاذ وطني.

المشكلة ليست فقط في غياب أهلية "الإنقاذ الوطني" في وصف الفريق المحتكر للعبة الكراسي منذ عقود، وإنما في الاعتراف بهذا ابتداء. وعدم الاعتراف لن يحل المشكلة, فالكل لجأ إلى الأردن، بينما الأردنيون لا ملجأ لهم, ناهيك عن كونهم اطّلعوا جيّدا على ذل اللجوء، مما سيحتم على ملايين الشعب أن يجندوا أنفسهم بأنفسهم!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك