مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


رغم الدوائر السياسية الصعبة والقاهرة التي تمر بالوطن العربي والعالم الإسلامي، وخاصة بعد رحلة الربيع العربي ثم مشروع نقضه الدامي، فإنّها تؤكد من جديد حجم الفراغ الهائل في التجربة الإنسانية للعرب ككل والإسلاميين على الخصوص.

كما أنّ حركة الجدل والصراع الفكري والسياسي داخل الصف الإسلامي أو الديني العام أو مع التيارات العلمانية المتعددة، تعود لتأكيد الحاجة الماسّة والضرورة القصوى لإعادة رسم أضلع الفكر الإسلامي المعاصر في هذه المرحلة التاريخية، وإعادة ربطه بأولويات الوعي والمقاصد الشرعية التي تؤسس لحياة المجتمع المسلم الفاضل.

فلقد عانى هذا الخطاب من استدعاء بعض التراث السلبي، وتنظير أيديولوجي عنيف في صراعات فقهية وجدل عقائدي عبثي داخل منظومة الفكر السني، وكُتَل من التصورات المتشددة التي استبدلت صراعاتها بحيوية الفقه الإسلامي وتراتبيته لكل عصر وزمان.

وهَجَر هذا الخطاب أهم مفاصل التثقيف الرئيسية لحياة المجتمع وسعادته، وهو خطاب الأخلاق الإسلامي الشامل بين الأفراد والجماعات وبين المتفقين والمختلفين، وتشريعات الحقوق الأخلاقية الملهمة التي وُضعت خلف ظهر الخطاب الإسلامي في زمن الصحوة.

وبالتالي، تعرضت هذه المجتمعات إلى مواجهات قاسية ومعارك سوء ظن وتصنيف قبل أن ينطق صاحب الرأي بفكرته أو يشرح رأيه في اجتهاده الإسلامي أو الاجتماعي، ومع هذا التترّس والاحتقان أضحت مناقشة الكثير من المفاهيم والأدوات السياسية والإدارية الحديثة لتطوير المجتمعات تحت هذا الضغط والصراع الشرس، فاتخذت أحكام أو مواقف أو حملات تحريض ضد هذه المصطلحات الحديثة، ورُبطت بالضرورة بنموذج ولادة شكلها الغربي دون التفكّر أو التفصيل في أن هذا الوعاء السياسي الإداري قادر على التغيّر والتعديل لمفاهيم الشرق الإسلامي ما دامت لا تنقض المقصد الأصلي وهو العدالة الاجتماعية والعدل السياسي.

مساحة كبيرة جدا من التشريعات الإدارية والدستورية ليست محل نص قطعي من الشارع، بل مساحة اجتهاد لتحقيق العدل والإنصاف والمساواة بين الناس وتأمين الدخل والعيش الكريم والحرية للمواطن

ومع هذه التجارب العاصفة التي تعيشها أوضاع الوطن العربي، يحتاج هذا المشهد إلى إعادة قراءته من كل التيارات الإسلامية -وخاصة التيار المحافظ- حيث نراقب اليوم مآلات النّاس في الصراع الخطير في المشرق العربي، وكيف تتحوّل أوضاعهم السياسية إلى صراع دام وتشظ مجتمعي بعد رفض الإيمان بمنظومة العقد الاجتماعي بين النّاس، والتي تُرفض في بعض الخطاب الديني باعتبارها مصطلحات خارج الشريعة بل ومحادّة لها.

ومع دخول منطقة الربيع العربي دائرة الجدل السياسي الدستوري ومباشرته كواقع بعد سقوط الأنظمة، فقد تطورت الفكرة السياسية لدى التيار المحافظ كثيرا، وبدأ بالفعل يتعاطى مع تفصيلات المفاهيم والمشاريع الدستورية، ويتحسّس بذاته مسألة مهمة جدا في الفقه الدستوري.

هذه المسألة هي أن مساحة كبيرة جدا من التشريعات الإدارية والدستورية ليست محل نص قطعي من الشارع، بل مساحة اجتهاد لتحقيق العدل والإنصاف والمساواة بين الناس وتأمين مصادر الدخل وحقوق المعيشة والضمان الصحي والتنموي لكل مواطن، مع تشريع الحريات السياسية والنقابية له.

هذا المدخل الذي باشره الإسلاميون أنفسهم -وخاصة المحافظين منهم- أثّر كثيرا في تحريك كُتلة الثلج والمواقف الجامدة من مصطلحات الحياة المعاصرة التي تطرحها الشعوب كوسيط لتحقيق العدالة، وأن الحياة الإسلامية الفاضلة لا تتعارض معها بل قد تكون شرطا ماديا لتحقيقها، كما أن المصطلحات الحديثة للحياة السياسية المعاصرة -وخاصة الديمقراطية- أضحت أداة مشهودة لتنظيم الجدل والحوار والأقرب لطريقة المصطفى صلى الله عليه وسلم وجيل الرشاد في تحقيق الوعي المنهجي وتنظيم الخلاف.

وعزّز هذا الانفتاح الإعجاب والتضامن والتعاطف مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وكامل تجربته السياسية الديمقراطية، واتحاد شرائح واسعة من الإسلاميين -ومنهم محافظون- معه ومع مشاريع التضامن الإسلامي ورفع ودعم قضايا الأخلاق والمضامين الإسلامية في حياة الأتراك.

وهذا ما جعل حديث النفس ومراجعات الصوت الخافت لدى الإسلاميين المتحفظين على الديمقراطية تتساءل: أليس ذلك من خلال إيمان الرجل وفريقه من الحركة الإسلامية التركية بالمفهوم الديمقراطي للحياة المعاصرة، والتي دفعت تركيا لأول مرة منذ سقوط الدولة العثمانية إلى الحضور مجددا لدعم قضايا المظلومين المسلمين؟

هذه المساحة وُلدَت في صفوف حركة الوعي الإسلامي الجديد، لكنها تُعاني من آثار نقض الربيع العربي وعودة فكرة الأيديولوجية المتشددة المسلحة وآثار الصراع معها على الحياة المدنية، لكن الأسئلة لا تزال تدور وهي بحاجة لتحويلها إلى مادة فكرية واسعة الطرح بجانبيها الأخلاقي والسياسي لتوعية وترشيد الخطاب الديني نحو مقاصد الإسلام العدلية ومساواته الإنسانية، مع بقاء مسار مستقل يطرحه الفكر الإسلامي ليشكّل إضافة ضمير وتشريع للديمقراطية حين تُحوّل لميلاد جديد لحياة الإنسان الفاضلة.

ولكنّ دورات الجدل الحديثة والقديمة تثبت أن جزءا كبيرا من الصراع الإسلامي-الإسلامي أو الإسلامي-العلماني يدور حول المصطلح، وأن المشكلة في أن المصطلح بات محور مشاحة خلاف للقاعدة الأصولية لا مُشاحّة في الاصطلاح.

وهكذا تُستنزف الحياة الثقافية العربية في حروب جدل وصراعات، وقد تؤسّس عليها نظريات تضليل وتكفير، ثم احتراب مجتمعي كما جرى في ليبيا من تهيئة لمشروع وحركة الجنرال حفتر، أو كما يجري في كثير من حوارات وصراعات المشرق العربي، ويكون هذا الخطأ في فهم المصطلح أداة تحريك للصراع بين الإسلاميين وغيرهم لتمكين الاستبداد من أدوات تفريق وتمزيق للحالة الوطنية وبقاء سلب حقوقها السياسية.

كما أنّ تحوّل هذا الفهم الخاطئ إلى مشاحنات جدل شخصية لرموز أو تيارات يفتح الباب نحو تشريع خطاب تحريضي بينهم، وأسوء من ذلك أن تتشكّل منظومة فقهية للشباب الذي يستمع لجزء من هذه المعارك ولا يَعرف تفاصيل التقعيد الفكري والتأصيل الشرعي فيبني عليها قائمة أحكام تكفير أو استباحة لهذا الطرف أو ذاك سواء كانت استباحة مدنية أو عسكرية، وهكذا يُعمم التكفير أو التضليل على كل من يتعاطى مصطلح الديمقراطية دون أن يفهم تخريجات الفكر الإسلامي لها.

من الواضح أن المشاحنات الشخصية والخلافات بين التيارات وبعض المصالح التي تُقتسم مع الاستبداد، تلعب دورا كبيرا في توجيه الحوار للقهر والنصر الإعلامي وليس للفهم الفكري والتأصيل الشرعي الموضوعي

إن أوّل قاعدة وأهم مسار يحتاجه الخطاب العربي المعاصر في كتلة الإسلاميين هو طرح هذا المسار الذي أعجبوا به في تركيا وغيرها كخيار وكمنظومة تُتبنى إنسانيا وسياسيا لمستقبل الأوطان، وليس كموسم عبور مرحلي، وأن تتم مصارحة الكتلة الشبابية مبكرا بأن تعاطي هذه المصطلحات والمشاريع السياسية هي ضمن دائرة الاجتهاد الإسلامي ومصلحة الحياة المدنية لكل النّاس، وهي ليست مصطلحا معاديا للإسلام، بل هي قالب قابل للتعديل والتشريع الدستوري لكل وطن.

هذه المحطة الأولى من الضروري أن يُفرد لها اليوم حوار داخلي حر لدى طلبة العلم والتربويين الإسلاميين، ومع أن مناقشة هذا المصطلح ابتدأ منذ زمن طويل لدى الإسلاميين وخاضوا التجربة، وفقا لما تعكسه كتابات الأستاذ مصطفى السباعي في سوريا، وتجربة الحركة الإسلامية السورية مع الهامش الديمقراطي القصير، فإن هناك عواصف فوضى لا تزال تهب على الخطاب الثقافي الإسلامي التجديدي ويستدعي ذات الإشكاليات خطاب الصحوة الخليجي.

من الواضح أن المشاحنات الشخصية والخلافات بين التيارات وبعض المصالح التي تُقتسم مع الاستبداد، تلعب دورا كبيرا في توجيه الحوار للقهر والنصر الإعلامي وليس للفهم الفكري والتأصيل الشرعي الموضوعي، ولذلك لن تُفلح هذه الحوارات ما دامت تطرح تحت ميادين هذا الصراع الشرس، وهي مسؤولية دينية وأخلاقية على كل أحد ألا يَكتم أو يَرُدّ الحق لأجل جولة جدل أو نزاع توجهات أو مراعاة الجمهور العاطفي هنا أو هناك.

وفي الوقت نفسه، فإن جيل التفكير الإسلامي الجديد وكذلك أجيال الوعي العربي المعاصر، لن تقف طويلا أمام تحويل الحوار الفكري إلى أجندة صراع، ولكنّها تتقدم إما إلى قراءاتها الشخصية والقناعة الذاتية بالمعرفة الإسلامية وطريق النهضة إليها دون أولئك المشايخ، أو تأخذ موقفا مؤسفا يهجر الرسالة الإسلامية كلها من خلال الصدمة من الواقع السياسي وعدم مصداقية ما يراه من خطاب ديني، في حين قد ينقلب تيارٌ آخر إلى دائرة عنف أو تأييده في ظل اضطراب الحديث الديني والقهر السياسي والاضطهاد للشعوب العربية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك