صلاح بديوي

صلاح بديوي

عضو نقابة الصحفيين المصريين


سألت مسؤولا فلسطينيا بارزا من أبناء قطاع غزة: ألا تتفقون معنا في أن أعداد القتلى الذين سقطوا بنيران قوات الأمن المصرية أثناء فض اعتصامي رابعة والنهضة، تجاوزت -خلال ساعات فقط- مجمل من قتلتهم إسرائيل من أبناء قطاع غزة في عدوانها الأخير، بمعدلات قد تصل إلى عشرة أضعاف أو أكثر، وأنها كانت ربما أكثر قسوة وبشاعة؟

وذلك إذا ما وضعنا في الاعتبار أن عمليات القتل شملت الأطفال والنساء إلى جانب حرق الجثث ومسجد رابعة ذاته، وما مارسته العناصر الأمنية التي شاركت في عملية الفض من اعتقالات وترويع بحق المتظاهرين والمدنيين السلميين.

المسؤول الفلسطيني فوجئ بما سألناه عنه، لكنه تماسك ورد على سؤالنا بالقول إن "المرء يُبتلى على قدر دينه، ومصر بلد العلم والعلماء والأزهر".

وهي إجابة نعتبرها منسجمة مع واقعنا وتراثنا العقائدي، إلا أنها تعبر أيضا عن المآسي التي يتعرض لها الشعب العربي في العديد من الأقطار الآن، ولا سيما في مصر الجريحة وفلسطين السليبة، وتشير إلى أن الأزهر كمؤسسة رسمية لم يكن في مواقفه على مستوى تلك المآسي.

قبيل بدء العدوان على غزة, كشفت الإذاعة الإسرائيلية أن مدير المخابرات المصرية زار تل أبيب، وقال الإعلام الصهيوني إن المذكور بحث مع الصهاينة التعاون الإستراتيجي بين الجانبين المصري والإسرائيلي

ومن هنا لم يكن مدهشا أو غير طبيعي أن نستمع إلى المحلل وأستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية دانى روبنشتاين وهو يقول في تصريحات إعلامية "إن ثمة تفاهمات سرية بين إسرائيل وقادة الانقلاب في مصر بشأن ضرب حركة حماس الفلسطينية وإنهاء سيطرتها على قطاع غزة، لأن ذلك من مصلحة مصر وإسرائيل".

وقبيل بدء العدوان على غزة, كشفت الإذاعة الإسرائيلية أن مدير المخابرات المصرية محمد فريد التهامي زار تل أبيب، وقال الإعلام الصهيوني إن المذكور بحث مع الصهاينة التعاون الإستراتيجي بين الجانبين المصري والإسرائيلي.

وكشفت مصادر إعلامية إسرائيلية "أن قائد الانقلاب العسكري في مصر عبد الفتاح السيسي أبلغ إسرائيل عبر رسالة شفوية حملها التهامي إلى تل أبيب، موافقته الكاملة على شن عملية عسكرية تستهدف قطاع غزة لتدمير البنية العسكرية لحركات المقاومة، وعلى رأسها حركة حماس".

وفى السياق ذاته, قالت مصادر إسرائيلية "ليست السلطات العسكرية الحاكمة في القاهرة وحدها التي وافقت على شن عملية عسكرية لتدمير البنية التحتية لحركة حماس في غزة، بل قيادات في عواصم عربية أخرى".

وبناء على ما سبق، خرجت علينا فور انطلاق العدوان الصهيوني ضد غزة الصحف الورقية الصادرة في القاهرة بعناوين مفعمة بالشماتة، تقول "إسرائيل تدك غزة" كما في صحيفة الأهرام.

ومن جهته لم يتردد المتحدث العسكري باسم الجيش المصري العميد محمد سمير عبد العزيز غنيم هو أيضا في الكشف عن حملات أمنية قام بها جيشه على الحدود مع غزة الشقيقة، وأسفرت عن هدم المزيد من الأنفاق وضبط أسلحة مهربة إلى غزة، متجاهلا أن القطاع يتعرض لعدوان صهيوني بشع، وأن هذا ليس وقت الحملات على الأنفاق، أو حتى منع السلاح عن المقاومة بأي وسيلة كانت.

وتشير تسريبات تل أبيب التي تشير بوضوح إلى أن شركاء الانقلاب في القاهرة والمنطقة وتل أبيب باتوا الآن يدا واحدة في مواجهة فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، خصوصا عقب قرار محكمة مصرية اعتبار حماس حركة إرهابية، حيث حظرت المحكمة التعامل معها.

وقد وصل التواطؤ الرسمي المصري في مواجهة العدوان الأخير على غزة، إلى حد أن يطلب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وبإلحاح من الرئيس السيسي بعد أربعة أيام من وقوع العدوان، فتح معبر رفح والسماح بمرور المساعدات الطبية والغذائية إلى الأهل في غزة.

ومن الملفت للانتباه أن جبهة سيناء ظلت هادئة طوال فترة العدوان على غزة ولم يطلق منها أي صاروخ تجاه المغتصبات "الإسرائيلية"، بل لم يقتل أي جندي أو ضابط أو رجل أمن مصري واحد في سيناء خلال الفترة ذاتها.

وهو أمر يثير الريبة، ويرى مراقبون أنه يقدم قرائن على أن ما يحدث في سيناء من عمليات دموية وصواريخ تطلق نحو إسرائيل، ليس إلا عمليات مدبرة ومتفقا عليها بين الجانبين المصري والإسرائيلي في إطار التنسيق الأمني بينهما، والهدف من ذلك النيل من أنصار الشرعية بمصر والمقاومة بغزة.

لا نعتقد أن حماس ستجعل السيسي يجني ثمار محاولاته من أجل السمسرة بتلك القضية العادلة، وذلك على النسق الذي كان يفعله نظام مبارك من قبل، لأن تنسيق قائد الانقلاب العسكري في مصر ورفاقه مع تل أبيب معلوم لدى حماس وبقية الفصائل الفلسطينية

فالسيسي يسعى لإنتاج سياسات نظام حسني مبارك ويستعين بعناصر من أجهزة هذا الرئيس الأمنية في هذا السياق، وفي الوقت ذاته يجاهد في السر لإيجاد شعرة معاوية مع قيادات حركة حماس من أجل مواصلة السمسرة بالقضية الفلسطينية، كما كان يفعل نظام مبارك لخدمة مصالح واشنطن وتل أبيب، وحماس تعلم ذلك جيدا.

ولا نعتقد أن حماس ستجعل السيسي يجني ثمار محاولاته من أجل السمسرة بتلك القضية العادلة، وذلك على النسق الذي كان يفعله نظام مبارك من قبل، لأن تنسيق قائد الانقلاب العسكري في مصر ورفاقه مع تل أبيب معلوم لدى حماس وبقية الفصائل الفلسطينية.

ولعلنا نذكر جيدا كيف حرصت حماس على أن تتم عملية المصالحة مع فتح، وذلك بعيدا تماما عن أي دور للسيسي أو أجهزته الانقلابية، وهو أمر وضع الأخير في حرج شديد أمام واشنطن وتل أبيب، ورغم ذلك لم يجد أمامه إلا اجترار ذكريات دور لعبته أجهزته في هذا السياق أيام مبارك.

لم تجن تل أبيب من عدوانها على أهلنا في غزة سوى قتل الأبرياء وتعميق الشعور بعدم الثقة في عملية التسوية السلمية برمتها، والمزيد من الكراهية تجاه تل أبيب والنظم العربية التي تقف داعمة لها في المنطقة.

وقد تمكن أبطال القسام من شن عمليات عسكرية موجعة ضد إسرائيل رغم إمكانياتهم المحدودة، وعبر تكتيكات إبداعية رغم الحصار المفروض على غزة منذ أكثر من ثمانية أعوام، وفي ظل الطبيعة المستوية لأرض غزة حيث لا جبال ولا كهوف ولا غابات.

ولكن المقاومة بما فعلته تمكنت من قهر الطبيعة هناك وحماية مقاتليها، وقتل وجرح العشرات إن لم نقل المئات من جنوده، وأسر أحد عناصره وإصابة الصهاينة بالرعب. كما جعلت الاحتلال يخشى ويفكر ألف مرة قبل أن يخوض أي مواجهات برية مع عناصر المقاومة في غزة هاشم الباسلة.

ويبدو أن حماس تتمسك بقوة بشروطها في وقف القتال وإنهاء الحرب، وكلما أمعنت في التشدد ومطالبة من بدأ الحرب بأن ينهيها، تمكّن الرعب من الإسرائيليين وقدموا المزيد من التنازلات.

ومقابل التخاذل والتواطؤ من قبل قيادات بعض الأقطار العربية والإسلامية تجاه العدوان، كانت مواقف بعض الدول والقيادات العربية والإسلامية الأخرى عظيمة ومشرفة في تقديم الدعم الدبلوماسي للمقاتلين على الأرض من أبناء المقاومة في غزة وتقديم الدعم الاقتصادي بعد ذلك.

وفي ذات السياق لا بد أن نتوقف ونخص بالذكر دولة قطر الشقيقة وقياداتها الحرة المجاهدة, والقيادة التركية، لأن الجانبين القطري والتركي كانا وما زالا يتناغمان تماما مع ما تريده حماس ويدعمانها، ويرفضان ممارسة أية ضغوطات على قيادة الحركة لا تنسجم مع المصالح العليا للشعب الفلسطيني.

وعلى كل فإن الحكام العسكريين في مصر الذين داسوا نظام حكم ديمقراطي تحت عجلات الدبابات، وانقلبوا على إرادة الشعب وشقوا مصر نصفين، هم ومن معهم خرجت من بينهم أصوات تعلن أن حماس أخطر على مصر من تل أبيب.

عندما قال السيسي إن أي دولة عربية تتعرض للعدوان ستجدني مسافة السكة إلى جوارها، كان يقصد الدول التي يتسول منها القروض والمعونات، وإلا لو كان صادقا في ما قاله لاستجاب لغزة التي تناديه وتنادي كل عربي حر.. والأقربون أولى بالمعروف والحماية

هؤلاء العسكريون والساسة اتهموا معظم فصائل التيار الإسلامي التي رفضت انقلابهم بالإرهاب، وقالوا بوضوح إن مؤيدي شرعية ثورة 25 يناير المجيدة لا حقوق قانونية أو إنسانية لهم.

وبالتالي اعتبروا حركة حماس التي تقود غزة امتدادا لجماعة الإخوان التي تعتبر المعارضة الرئيسية للانقلاب العسكري في مصر الآن، متجاهلين أن حماس حركة مقاومة فلسطينية وطنية، وأنها أعلنت مرارا أن الأمن القومي المصري والفلسطيني في رباط واحد، وأنها لا تفرق بينهما ولا تتدخل في الشأن المصري من قريب أو بعيد.

وما قالته حماس ينسجم مع الواقع الإستراتيجي الذي يقول إن غزة بوابة مصر الشرقية وجزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، كما أن القاهرة ملزمة أخلاقيا بحماية أهل غزة بحكم الجغرافيا والتاريخ والعقيدة والمصير العربي المشترك.

ومن الواضح أن الانقلابيين الذين يهددون بسياساتهم الخاطئة الأمن القومي المصري الآن لن تعنيهم المخاطر التي تواجهها غزة أو فلسطين أو أي دولة عربية أو إسلامية أخرى في المنطقة، بقدر ما يعنيهم الحفاظ على أجندتهم الذاتية في اغتصاب السلطة والثروة بمصر مقابل خدمة مصالح واشنطن وتل أبيب.

وعندما قال السيسي إن أي دولة عربية تتعرض للعدوان ستجدني مسافة السكة إلى جوارها، كان يقصد الدول التي يتسول منها القروض والمعونات، وإلا لو كان صادقا في ما قاله لاستجاب لغزة التي تناديه وتنادي كل عربي حر.. والأقربون أولى بالمعروف والحماية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك