عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي


الإضرار بالمصالح
إشعال المنطقة
ما العمل؟

من الأهمية -مع تصاعد العدوان الصهيوني على غزة- العودة من جديد للتذكير بأبجديات علاقة مصر بالقضية الفلسطينية، وذلك من نواح ثلاث: الأضرار التي تسبب فيها خروج مصر من الصراع، والأبعاد الرئيسية للإستراتيجية المعتمدة حاليا من جانب الصهاينة لضرب أمننا القومي وإشغال المنطقة بصراعات وهمية، والمعالم الأساسية للمواجهة وتصحيح المسار.

الإضرار بالمصالح
استطاعت دولة الاحتلال، وبشكل مدروس وتدريجي، الإضرار بالمصالح الإستراتيجية لمصر والدول العربية عبر اعتماد سياسات محددة.

بدأ الأمر بتحييد مصر عبر اتفاقية السلام المنفردة، وكانت حجة السادات هي التفرغ لبناء مصر وتحقيق التنمية، لكن ما حدث هو أن سيناء ظلت بموجب الاتفاقية منزوعة السلاح، كما غابت عنها التنمية تماما، بل ولم تشهد مصر كلها أي برامج تنمية حقيقية.

وفتح خروج مصر من الصراع الباب أمام اعتراف مزيد من الدول بدولة الاحتلال وتعزيز علاقتها بالكثير من الدول كالصين والهند والكثير من الدول الأفريقية واللاتينية، وفتح الباب أيضا لهدم ثوابت الأمن القومي العربي كله وتغيير موازين القوة بالمنطقة.

تفاقم وضع غزة بعد 30 يونيو/حزيران حتى سمعنا معلقا إسرائيليا يقول منذ شهور إن حصار الإسرائيليين على غزة لا يمنع المساعدات الإنسانية على عكس سياسة الحكومة المصرية الحالية

فقد تفرغ الإسرائيليون لتصفية المقاومة وضرب منظمة التحرير واحتلال لبنان وتدمير المفاعل العراقي واختراق النظام العربي. وأكمل حلفاؤهم الأميركيون والأوروبيون المهمة من خلال دعم الحكومات العربية المستبدة ووضع فيتو على ظهور حكومات منتخبة ومسؤولة، ثم باحتلال العراق وتفكيك جيشه.

وفي أعقاب حرب الخليج الثانية وخلال مرحلة أوسلو تم تحييد المنظومة القانونية الدولية بشأن الصراع برغم أنها لم تكن منصفة بالكامل. فقد سلمت اتفاقيات أوسلو القضية برمتها للولايات المتحدة ومن ورائها اللوبي الصهيوني حليف الحكومات الإسرائيلية المختلفة. وهنا اعتبر البعض أن دور مصر تحول إلى مجرد وسيط سياسي للقاءات الفلسطينية الإسرائيلية التي كان هدفها خداع الفلسطينيين بينما تتضاعف أعداد المستوطنين وتستمر خطة تهويد ما تبقى من فلسطين.

وفى ظل صمت نظام مبارك، طلب االأميركيون والإسرائيليون من الفلسطينيين التنازل عن كل شيء تقريبا (تقرير المصير والمقاومة والقدس وحقوق اللاجئين والعودة والتعويضات) مقابل لا شيء تقريبا (حكم ذاتي محدود، أو وعدٌ بكيان يسمى "دولة" منزوعة السيادة والسلاح)، لتتحول القضية من قضية احتلال وحقوق مسلوبة إلى أراضٍ متنازع عليها.

ثم اعتبر البعض أن دور مصر تحول بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 من وسيط سياسي إلى مجرد قناة اتصال أمنية، وأحكمت اتفاقية فيلادلفيا المصرية الإسرائيلية (2005) حصار غزة بحظرها دخول السلع والأشخاص بشكل طبيعي، وتفاقمت تداعيات هذا الاتفاق بعد سيطرة حماس على غزة.

وبعد ثورة 25 يناير، ظهر أن ملف فلسطين ينكمش ليكون ملف غزة فقط، ورأى البعض أن الملف ظل ملفا أمنيا ولم يُسلم أبدا للمؤسسات المدنية المنتخبة، وتفاقم الوضع بعد 30 يونيو/حزيران حتى سمعنا معلقا إسرائيليا يقول منذ شهور إن حصار الإسرائيليين على غزة لا يمنع المساعدات الإنسانية على عكس سياسة الحكومة المصرية الحالية. ربما تكون هناك مبالغة بشأن السياسة الإسرائيلية، لكن بالنسبة لمصر نعرف جيدا أن المعبر ظل مغلقا لفترات طويلة، ولا يزال مغلقا بعد العدوان الحالي.

وظلت مقولة "الوطن البديل" تتردد منذ أيام مبارك دون أن يؤكدها طرف واحد، حيث ظهرت المقولة بعدما روجت لها دراسة إسرائيلية، ثم استخدمت لاحقا لتبرير مواقف مبارك المخزية من العدوان على غزة. ثم وظفت مؤخرا بعد إضافة الإخوان الذين أرادوا -حسب الرواية- بيع جزء من سيناء إلى أهل غزة.

لكن ما نعرفه حقيقة هو أنه عندما عَبَرَ الآلاف من الشعب الفلسطيني الحدود خلال عدوان 2008 ـ 2009 لم يبق أحد منهم بمصر، فقد جاؤوا لشراء مستلزمات الحياة وعادوا لوطنهم المحتل. وفى السابق ظل أهل غزة تحت حكم مصر (1948ــ 1967) ولم يتخل أحد منهم عن وطنه، ومن جاء إلى مصر جاء إليها مضطرا، لاجئا ومطرودا بعد هزيمة 1967.

وازداد الأمر سوءا في الشهور الأخيرة وظهرت مواقف لم نشاهدها حتى أيام مبارك، فبدون أدلة قاطعة صارت حماس، في الرواية الرسمية، متورطة في عمليات العنف بسيناء، الأمر الذى تطلب غلق مئات الأنفاق (لكن دون فتح معبر رفح بشكل دائم وشرعي)، بجانب اعتبار حماس منظمة إرهابية ومحاكمة الإخوان على "تخابرهم" معها. وقد واكب هذا إطلاق يد بعض الصحفيين لتشويه المقاومة بشكل مخجل، ووصل الأمر بالبعض حد تشجيع الإسرائيليين على ضرب غزة.

إشعال المنطقة
تطورت إستراتيجية دولة الاحتلال في التعامل مع دول المنطقة من النظر إليها من منظار "المعتدلين" و"المتطرفين" إلى التركيز على تناقضين اثنين لهما نتائج كارثية هما "سنة مقابل شيعة"، و"أيديولوجيا ودين مقابل واقعية وحداثة".

فلعقود مضت قامت الإستراتيجية الصهيونية على تقسيم المنطقة إلى معسكرين، الأول أطلق عليه معسكر "المعتدلين". ويعني "الاعتدال" الاعتراف بدولة الاحتلال والتطبيع معها، وإسقاط المقاطعة، ومحاصرة المقاومة، والسيطرة على الشارع العربي. والثاني معسكر "المتطرفين" وضم المقاومة الفلسطينية واللبنانية بجميع تياراتها ودولا داعمة لها.

وهذه الإستراتيجية في جوهرها إستراتيجية صهيونية أميركية، فلأجل ضمان السيطرة على مصادر الطاقة واستجابة للوبيات الصهيونية، ظلت أميركا تحافظ على الاستبداد في المنطقة كضمانة لوجود حكام يعتمدون في وجودهم على الداعم الخارجي ومن ثم يسهل السيطرة عليهم. ومع اعتماد الأنظمة "المعتدلة" على العامل الأمني في الداخل، أصبحت مواجهة "المتطرفين" هدفا مشتركا للإسرائيليين وبعض الحكومات العربية.

تدخل الإسرائيليون في إدارة الثورات العربية للحيلولة دون انتصارها، وعملوا على تغذية صراعات عدمية، وعلى أن تكون المنطقة منطقة نزاع متعدد الأبعاد تنشغل كل دولة فيها بتناقضات داخلية تقوم على صراعات طائفية أو أيديولوجية

ولكن كان لهذه الإستراتيجية آثار جانبية، فقد وصل تهديد الجماعات الراديكالية المعارضة إلى القلب الأميركي مع أحداث سبتمبر/أيلول 2001 بدلا من احتوائه في موطنه الأساسي، كما ساهمت في تفاقم الأوضاع بالدول العربية حتى تمكنت الشعوب من دخول المعادلة والثورة على أوضاعها الداخلية، ومن ثم تهديد هذه الإستراتيجية، لأن الثورات ستؤدي -حال نجاحها- إلى ظهور حكومات مسؤولة ومنتخبة لن تعتمد في بقائها على الداعمين الأمني والخارجي وستكون سياستها الخارجية أكثر استقلالا، ما يضرب بقوة فكرة تقسيم المنطقة إلى "معتدلين" و"متطرفين".

ولهذا تدخل الإسرائيليون في إدارة ثورات الربيع العربي للحيلولة دون انتصارها، وهم يعملون على تغذية صراعات عدمية، وعلى أن تكون المنطقة منطقة نزاع متعدد الأبعاد تنشغل كل دولة فيها لسنوات، وربما لعقود، بتناقضات داخلية تقوم على صراعات طائفية أو أيديولوجية.

التناقض الأول يتصل بصراع مذهبي سني شيعي، نتائجه كلها مكاسب إستراتيجية للإسرائيليين: مجتمعات تتمزق اجتماعيا ومذهبيا، وموارد اقتصادية تستنزف، وجيوش عربية تنشغل بالهم الداخلي أو يتم تقسيمها. والقائمة هنا تضم العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج.

والتناقض الثاني يعمل على تعميق خلاف لا أساس له في الواقع وهو تحويل الحراك الداخلي حول الانتقال إلى الديمقراطية إلى صراع سياسي صفري بين تيارين (تم تصويرهما على يد بعض المثقفين والسياسيين على أنهما لا يمكن أن يتعايشا) أحدهما "علماني حداثي" والآخر "ديني تقليدي". وفي مصر تحديدا تم تصوير الوضع بعد 30 يونيو/حزيران على هذا الشكل مما أدخلنا إلى نفق مظلم. وفي ليبيا يحدث الشيء نفسه تقريبا، وفي تونس وتركيا أيضا محاولات قوية في هذا الاتجاه.

لهذه التناقضات نتائج كارثية متعددة، فهي تدمر الجيوش النظامية (سوريا وليبيا ومن قبلهما العراق) أو تشغلها بالشأن السياسي الداخلي ومحاربة "الإرهاب" (مصر)، ولهذا سمعنا تصريحات لجنرالات إسرائيليين تفيد بأن انشغال الجيش المصري بمحاربة الإرهاب إضعافٌ له ومكسبٌ إستراتيجي للإسرائيليين.

كما أن هذه التناقضات تضرب بقوة مطالب الثورات العربية وتعيد استنساخ أنظمة حكم غير ديمقراطية في جوهرها باسم الحرب على الإرهاب، ففي ظل الصراعات الصفرية وانتشار العنف لا يمكن بناء نظم حكم ديمقراطية.

وهناك نتيجة ثالثة كارثية وهي أن انزلاقنا إلى هذه الصراعات المصطنعة يبعدنا عن الأولويات الحقيقية لمجتمعاتنا وهي حماية الحريات والحقوق، وبناء دولة القانون والمواطنة، ومعالجة قضايا العدالة الاجتماعية، ومواجهة أزمة الهُوية والهجوم التغريبي الشرس، ووضع سياسات خارجية مؤثرة، وبناء جيوش محترفة وقوية، ومواجهة المخاطر الحقيقية على الأمن القومي والتي مصدرها دولة الاحتلال في الأساس.

ما العمل؟
أولا: إدراك أن مصر تتعرض منذ عقود لعمليات تضليل وغسيل مخ منظمة تستهدف زرع أوهام تضر بالأمن القومي المصري. وقد حققت هذه العمليات بعض النجاح للأسف، وانتهى الأمر إلى أنه لا يوجد في مصر الآن مركز بحثى واحد معني بالقضية الفلسطينية تحديدا، ولا صفحات متخصصة عنها في جرائدنا اليومية، ولا برنامج واحد بشأنها بالفضائيات المصرية، ولا توجد مقررات عن القضية الفلسطينية بالمراحل التعليمية المختلفة ولا حتى بأقسام العلوم السياسية بمعظم الجامعات. أما الأفلام والمسلسلات المصرية التي تتناول القضية فقد اختفت، فيما عدا لقطات تضامن سطحية.

ثانيا: لا يمكن لدولة أن تفقد بوصلتها التي تحدد لها أعداءها الحقيقيين، ولا يمكن لها الارتكان إلى تقديرات طارئة أو تحالفات متغيرة في هذا الشأن. لا بد من عقول واعية مدبرة لسياستنا تجاه دولة الاحتلال في مؤسساتنا الرسمية والبحثية والإعلامية، وذلك حتى نعرف من هو عدونا الحقيقي وما هي أبجديات الأمن القومي.

ثالثا: إن دعم كل مقاومة فلسطينية تقاوم الاحتلال واجب وطني مصري لا تحتمه فقط روابط الدم والنسب والعروبة والإسلام وإنما تفرضه أبجديات الأمن القومي المصري.

ودور مصر في الصراع هو الاصطفاف مع الشعب الفلسطيني للحصول على حقوقه كاملة غير منقوصة وقيادة الدول العربية في هذا الاتجاه. وسياسة مصر الخارجية الصحيحة تجاه ما يحدث في غزة اليوم التي تحقق مصالح شعب مصر هي ذات السياسة التي تحقق مصالح شعب فلسطين في الأراضي المحتلة وفي أراضي 1948. فالمخاطر واحدة والمصير مشترك.

إن مقاومة المحتلين لا تكون فقط بالقوة العسكرية وإنما بكل صور المقاومة. والهزيمة الحضارية والنفسية لمثل هذا النوع من الاستعمار قد تكون المقدمة الطبيعية والضرورية لهزيمته عسكريا لاحقا
رابعا: يجب أن تنطلق سياسة مصر الخارجية من توحيد أبعاد القضية والنظر إليها على أنها صراع وجود وقضية أرض وحقوق مغتصبة وحريات مسلوبة، وقضية أمن قومي مصري وعربي.

ولا بد أن ترفع هذه السياسة سقف الأهداف المصرية والفلسطينية والعربية إلى وقف العنصرية الصهيونية بكافة أشكالها داخل أراضي 1948 و1967، وتفكيك الاستيطان، والإفراج عن الأسرى والمعتقلين، ورفع الحصار عن غزة وإعادة بنائها، وتقديم تعويضات لآلاف الضحايا، ورفع جرائم الحرب الإسرائيلية إلى المحكمة الجنائية الدولية، ودعم المصالحة الفلسطينية وتشكيل جبهة مقاومة وطنية بظهير مصري وعربي.

خامسا: إن مقاومة المحتلين لا تكون فقط بالقوة العسكرية وإنما بكل صور المقاومة، والهزيمة الحضارية والنفسية لمثل هذا النوع من الاستعمار قد تكون المقدمة الطبيعية والضرورية لهزيمته عسكريا لاحقا.

وهناك وسائل كثيرة في هذا الاتجاه، منها إعادة تعريف المشكلة الفلسطينية وتسمية المسميات بأسمائها الحقيقية والعمل على نشرها وإذاعتها بكل لغات الأرض. فالمشكلة مشكلة احتلال عسكري وانتهاك لحقوق الإنسان والقانون الدولي، ومقاومة هذا الاحتلال واجب قانوني وأخلاقي ومارسته كل شعوب الأرض التي خضعت للاحتلال.

بجانب الاهتمام بدحض الأساطير التي تأسست عليها دولة الاحتلال، كأسطورة الشعب اليهودي وبيع الأرض والفرص الضائعة وغيرها. والكشف، إعلاميا ودبلوماسيا وشعبيا، عن مخططات الإسرائيليين في التطهير العرقي والعزل العنصري وشرعنة الاستيطان، وكشف معاناة الأسرى والمعتقلين وتهويد القدس والاعتداء على المساجد والكنائس، وكشف حقيقة "الديمقراطية" المزعومة داخل الكيان الصهيوني العنصري، وفتح ملف اختراق دولة الاحتلال للقوانين الأميركية باستخدامها السلاح، ليس في الدفاع عن نفسها كما تنص هذه القوانين، وإنما في حروب هجومية وفى هدم البيوت واستهداف المدنيين وسيارات الإسعاف.

هذه ليست دعوة لتحريك الجيوش فورا، فهذا قدر كتائب المقاومة في هذا الزمن، وإنما هي دعوة لتشغيل العقول لدعم المقاومة ومواجهة الاحتلال بكافة الطرق الممكنة واستغلال كل المساحات السياسية والحقوقية والإعلامية والفنية والتعليمية وكل المحافل الوطنية والإقليمية والدولية لتعرية ممارساته وحصاره ورفع ثمن بقائه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك