هشام  الشلوي

هشام الشلوي

كاتب وباحث ليبي

يقول خبراء السياسة إن حلفا جديدا نشأ لإسقاط ما تبقى من وهج ثورات تغيير الأنظمة الفاسدة، تمثل دول خليجية رأس حربته، فيما تمثل مصر والجزائر محوريه الأساسيين.

ويعتقد هؤلاء الخبراء أن زيارة السيسي الأخيرة للجزائر كأول زيارة عربية لزعيم انقلاب الثالث من يوليو كانت ذات طابع تنسيقي أمني، رغم طابع الاستجداء العام الذي طغى على الزيارة من أجل حلحلة بعض مختنقات نقص الغاز المصري وموافقة الجزائر على هذا الاستجداء.

أيضا ظهرت أنباء على السطح تفيد بمحاولة خليجية الضغط على جنرالات الجزائر لإعلان جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وجعل الجماعة بين مطرقة شرق مصري، وسندان مغاربي جزائري يعد الأقوى عسكريا بين دول المغرب العربي.

إلا أن الرد الجزائري حسب ما سربه دبلوماسيون على اطلاع بالشأن الجزائري على الطلب المصري بضرورة العمل العسكري المسلح المشترك ضد ليبيا أو إعلان جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية كان متحفظا بشكل كبير، لأن جنرالات الجزائر يعلمون أن جماعة الإخوان الجزائرية ليست إرهابية، ولم تستطع الأجهزة الأمنية الجزائرية أو الجيش الجزائري إثبات تورطها في أعمال عنف، مما يجعل أي قرار جزائري بشأن شيطنة إخوان الجزائر له عقبات ليست بالهينة في بلد لم يزل يذكر جيدا العشرية السوداء.

التدخل الجزائري عسكريا بليبيا ليس بالمسألة السهلة كما يعتقد البعض، إذ إن ليبيا بعد ثلاث سنوات من ثورتها أصبحت رمالا متحركة تخشى دول جوارها وعلى رأسها الجزائر الغرق فيها، وستكون انعكاساته الأمنية طويلة المدى وسلبية

موقف الجزائر من الثورة التونسية والليبية لم يكن داعما لهما في العموم، باعتبار أن الإعلان عن دعمهما أو إظهار مواقف متعاطفة مع هذه الثورات قد يفجر الوضع بالجزائر، وهي بلد لا شك في طبيعة نظامه الديكتاتوري المسيطر عليه منذ تحريرها.

لكن تدخل الجزائر عسكريا بليبيا ليس بالمسألة السهلة كما يعتقد بعض المحللين السياسيين، إذ إن ليبيا بعد ثلاث سنوات من ثورتها أصبحت رمالا متحركة تخشى دول جوارها وعلى رأسها الجزائر الغرق فيها، وستكون انعكاساته الأمنية طويلة المدى وسلبية، فحدود ليبيا شرقا وغربا وجنوبا غير مسيطر عليها في ظل صراع الجماعات المسلحة المختلفة على منافذ تهريب المخدرات والسلاح والبشر، ووصول الجماعات الإسلامية المسلحة والمنتشرة بأكثر من بلد مجاور لليبيا إلى براغماتية انتهت بها إلى عقد تحالفات مع مجموعات مسلحة وعصابات لتوفير مختلف أدوات الحرب مقابل المال.

لقد أصبحت ليبيا محط أنظار جماعات المال والسلاح والمخدرات والبشر والعقيدة، لسهولة التنقل منها وإليها، أيضا باعتبارها بلدا غنيا تتوافر فيه إمكانات التنقل والعيش والتجارة.

ففي الجنوب الليبي مثلا ثمة صراع كبير مختف عن أنظار الإعلام العربي والعالمي بين مجموعات قبلية ومليشيات تدعمها دول وأطراف خارجية للسيطرة على استخراج الذهب من سلسلة جبال ممتدة مع الحدود النيجرية التشادية، وتهريبه عبر شبكات معقدة نحو بعض دول الخليج.

وهذا ما يفند إصرار الرواية الفرنسية على سيطرة مجموعات إرهابية على جنوب ليبيا، ليكون مدخلا لتدخل فرنسا إلى عمق أفريقيا عبر بوابة الجنوب الليبي، فكل الصراعات التي تنشب من حين لآخر بين مجموعات مسلحة عربية وعرقية (التبو، الطوارق) سببها هو التجارة بمختلف أنواعها غير المشروعة في منطقة تكاد تغيب عنها السلطة المركزية الليبية.

هذه الرؤية يعلمها أيضا صانع القرار السياسي والعسكري بالجزائر، باعتبار أن الحدود الجزائرية الليبية أحد منافذ التهريب بين البلدين، مع إمكانية تورط جنرالات الجيش الجزائري في رعاية هذه التجارة المربحة، دون عدم إنكار استفادة الجماعات المسلحة من تردي حفظ الحدود الليبية على كامل الجغرافيا الليبية التي تبلغ برا حوالي 5000 كلم و2000 كلم بحرا.

أيضا الدرس العراقي أصبح ماثلا لعيان كل من يريد اتخاذ قرار الحرب خاصة الجزائر، فانزياح الجماعات المسلحة وسهولة تحركها وتجمعها في حال أي تدخل عسكري سيفجر الوضع ليس بالجزائر وحدها بل وبكل دول الطوق المحيطة بليبيا الأفريقي منها والمغاربي والمشارقي.

يكمن التنبؤ بكثير من الفرضيات حول ليبيا بسبب أوضاعها الداخلية، إلا أن مسألة التدخل العسكري في الوقت الراهن تظل عصية بسبب الأوضاع الدولية والإقليمية غير المستقرة

كما أن محاولة الدفع بالجزائر لخوض حرب بليبيا وكيلا عن دول غربية وخليجية، لن ينطلي على الجزائريين الذين يشاهدون فشل اللواء المتقاعد خليفة حفتر في اقتحام بنغازي والدخول إليها منذ منصف مايو/أيار الماضي رغم انضمام عسكريين سابقين له ومليشيات قبلية من شتى مدن الشرق الليبي، وتحالفه مع كتيبتي القعقاع والصواعق الذراع العسكري لحزب تحالف القوى الوطنية برئاسة محمود جبريل والمقيم في الخليج منذ قرابة العام.

أيضا يفهم الجزائريون أن زعيم الانقلاب المصري السيسي يسعى إلى تصدير أزمات انقلابه بمصر إلى ليبيا باعتبارها الأقرب له، وباعتبارها البلد الذي يمكن أن يحقق فيه السيسي نصرا عسكريا سريعا لخلوها من قوات نظامية على الأرض أو منظومات دفاع جوية أو قوات جوية قادرة على الرد السريع والمباغت.

من اللافت أيضا أن الدبلوماسية الجزائرية تتحرك عكس الدعوات المختلفة للجزائر بوجوب التدخل العسكري في ليبيا، ففي ختام القمة الأفريقية قبل أقل من شهر بغينيا الاستوائية قررت دول جوار ليبيا الخمس الجزائر وتونس وتشاد والسودان والنيجر بالإضافة إلى ليبيا، تكوين لجنة تجتمع دوريا بشأن الوضع في ليبيا يترأسها وزير الخارجية الجزائري رمضان لعمامرة. هذا إضافة لإعلان الأخير سعي الجزائر لخلق بيئة حوار مناسبة بين الفرقاء الليبيين.

وعبر دبلوماسي مغاربي لمجلة جون أفريك الفرنسية عن خيبة أمله في المبادرات الغربية والأميركية لحلحلة الأزمة السياسية والأمنية بليبيا بسبب عدم فهم مبعوثي هذه الدول للوضع القائم في ليبيا، وهو ما يعني أن مسألة التدخل العسكري الجزائري مستبعدة على الأقل في الوقت الراهن، مع عدم قدرة السيسي على تنفيذ أي عمل عسكري دون مباركة أكبر قوة عسكرية مغاربية ودعم أممي وعربي لهذا المسعى.

في نهاية المطاف يكمن التنبؤ بكثير من الفرضيات حول ليبيا بسبب أوضاعها الأمنية والسياسية غير الشبيهة بأي أوضاع إقليمية أخرى، إلا أن مسألة التدخل العسكري في الوقت الراهن تظل عصية بسبب الأوضاع الدولية والإقليمية غير المفهومة على الأقل لكثير من الليبيين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك