عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي


منذ الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 ظلّت جامعة الدول العربية متردّدة إزاء علاقتها مع بغداد، خصوصا أن تلك العلاقات ضعفت منذ احتلال القوات العراقية الكويت عام 1990 وما بعدها.

وعلى الرغم من مبادرتها بفتح ممثلية لها، وقبلها استضافة اجتماع يمثّل التجمعات السياسية العراقية، لكن اهتمام الجامعة لم يكن ينسجم مع حجم العراق ودوره، واستمرّت الحال حتى بعد الانسحاب الأميركي من العراق، وإن طرأ تطوّر على هذا الصعيد، لا سيّما بعقد القمة العربية في بغداد عام 2012، لكن المسألة لم تخرج عن كونها تقليدا بروتوكوليا مرّ على نحو خاطف وسرعان ما خفت.

لقد انفجرت الأزمة العراقية اليوم، وعاد العراق مجددا إلى دائرة الضوء، لكن اهتمام جامعة الدول العربية به لا يزال محدودا، ناهيكم عن أن تحركها إزاء الأزمة الراهنة والموقف من داعش ودولة الخلافة الإسلامية، لم يكن بالمستوى المطلوب، فهل تدرك ماذا يعني استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" على الموصل وتكريت والأنبار وتمدّدها نحو مناطق في محافظة كركوك وديالى وتهديدها بالتوجه صوب بغداد؟

الأمر له علاقة بمستقبل الدولة العراقية كلها، خصوصا وقد ترافق هذا التصدّع مع احتدام الموقف بين بغداد وأربيل بشأن كركوك والمناطق المتنازع عليها، إضافة إلى النفط.

هيمنة داعش على مناطق واسعة من العراق وإعلانها دولة الخلافة الإسلامية، وتسمية أبو بكر البغدادي خليفة للمسلمين، وظهوره العلني لتأدية الصلاة وإلقاء خطبة الجمعة في الجامع الكبير في الموصل، والموكب الكبير الذي رافقه وهو قادم ومغادر، وإيقاف خطوط الهاتف النقال طيلة مدّة وجوده في الجامع، لفت الانتباه إليه عربيا وإقليميا ودوليا، بل أعاد الاهتمام إلى هذا البلد المحوري في الشرق الأوسط، وأحد مؤسسي جامعة الدول العربية في 22 مارس/آذار 1945.

رغم انفجار الأزمة العراقية اليوم، وعودة العراق مجددا إلى دائرة الضوء، ما زال اهتمام الجامعة العربية به محدودا، ناهيكم عن أن تحركها إزاء الأزمة وتنظيم الدولة لم يكن بالمستوى المطلوب
ومن الواضح أن العالم قد انشغل بقوة بالأزمة العراقية الراهنة، ابتداء من واشنطن التي أرسلت ثلاثمائة مستشار، وإيران التي أعلنت استعدادها للدفاع عن الأماكن المقدسة، وأبدت مرونة بشأن تفاهم أميركي-إيراني بخصوص العراق، وتركيا التي تقف داعش على حدودها وهي تقيم علاقات خاصة مع إقليم كردستان، حيث تتشابك مصالحها النفطية والاقتصادية، ودول الخليج ولا سيّما المملكة العربية السعودية التي أدرجت داعش على لائحة المنظمات الإرهابية وتابعت تطورات الأزمة الراهنة، بغض النظر عن علاقتها السلبية مع بغداد، ودعت إلى حكومة عراقية جامعة.

وحتى سوريا التي تعاني من حرب أهلية واقتتال، دخلت على الخط ونسقت مع بغداد كما يبدو لقصف بعض مواقع الإرهابيين على الحدود، إضافة إلى تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن خطر التفكك والانقسام، وإرسال وزير خارجيته سامح شكري لزيارة سريعة إلى بغداد في رسالة معبرة عن موقف القاهرة المؤيد لبغداد، ولكن أين موقف جامعة الدول العربية التي لا تزال تنتقي عبارات التنديد بحذر شديد؟

لعلّ جامعة الدول العربية لا تدرك حقيقة خطورة الموقف حتى الآن، ذلك أن الفشل في العراق وانقسامه سينعكس على جميع البلدان العربية، نظرا للدور المحوري للعراق، مثل مصر ومثل سوريا، ألم تؤثر الأزمة السورية على عموم دول المنطقة؟

وفي الوقت الذي كانت معاناة الشعوب العربية تتعاظم وتتضاعف بشأن التجاوز على حقوقها وحرياتها، كانت جامعة الدول العربية تتذرع بميثاقها الذي يحرّم التدخل بالشؤون الداخلية ويؤكد احترام السيادة، ولا يتناول من بعيد أو قريب مسألة الدفاع عن حقوق الإنسان، تلك التي وردت في ميثاق الأمم المتحدة سبع مرات، وبما أن الدول العربية جميعها أعضاء في هيئة الأمم المتحدة، وبعضها مؤسس فيها كما هو العراق، كان ينبغي تعديل ميثاق جامعة الدول العربية ليستجيب للتطور الدولي على هذا الصعيد ولينسجم مع قواعد القانون الدولي المعاصر، ولا سيّما القانون الدولي لحقوق الإنسان ولميثاق الأمم المتحدة.

لقد تقدّمت أكثر من دولة لتعديل ميثاق جامعة الدول العربية، وذلك على مدى عقود من الزمان، وانعقدت ندوات أكاديمية وبحثية، بعضها لمركز بحثي ريادي ورصين وهو مركز دراسات الوحدة العربية، الذي نظم ندوتين بخصوص جامعة الدول العربية، الأولى في اليمن عام 1989 بعنوان "جامعة الدول العربية - الواقع والطموح"، والثانية في بيروت عام 2003 والموسومة "من أجل إصلاح جامعة الدول العربية"، لكن جامعة الدول العربية ظلّت بميثاقها الحديدي ونظام التصويت قائمة وكأنها جزء من تراث الماضي، في حين يحتاج الأمر إلى إرادة سياسية لإعادة النظر في الميثاق ليستجيب للتطور الدولي.

وحتى الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الذي تقرّر إبرامه بعد طلب من الأمم المتحدة بإنشاء لجان دائمة، عشية مؤتمر طهران الأول لحقوق الإنسان عام 1968، وتم الشروع عمليا بتشكيل لجنة لغرض إعداده، فإن اللجنة ومعها جامعة الدول العربية كانت تنام وتستيقظ لمدة 23 عاما حتى أنجزت الميثاق عام 1994، وذلك بعد مؤتمر فيينا العالمي عام 1993، وهو المؤتمر الذي دعا من خلال وثيقته المهمة إلى الامتثال للمعايير الدولية لحقوق الإنسان والعمل على بلورتها من خلال برامج وفعاليات لإدماجها في النسيج الوطني عبر تشريعات ومناهج وهيئات.

لكن ما تم الاتفاق عليه لم يدخل حيّز التنفيذ بسبب تحفظات عدد من الدول العربية، وأعيد بحث موضوع الميثاق بمبادرات أسهم فيها المجتمع المدني العربي، حتى أقرّ عام 2004 ودخل حيّز التنفيذ في 15 مارس/آذار 2008، لكنه بقي بحاجة إلى تفعيل وتطوير، وإعادة النظر في ميثاق جامعة الدول العربية أساسا.

كلّما حدثت أزمة عربية سياسية جرى الحديث عن أزمة الجامعة، وكان الأمر حادا وصارخا، بشأن دورها إزاء الأزمة السورية، وبتبنّيها وانخراطها في مشروع دولي كان في جزء من حيثياته فرض حصار على سوريا، وهو دور وموقف تجاوز ميثاقها كثيرا، فكيف يمكن الموافقة على الحصار وإضعاف الدولة التي لا بدّ من مطالبتها باحترام حقوق الإنسان ووقف القمع ضد الأنشطة والفاعليات المدنية والسلمية وللسكان المدنيين الأبرياء، والموقف نفسه مطلوب ضد أي انتهاك لوحدة الدولة وضد أي خرق من جانب جماعات مسلحة لحقوق الإنسان وتحت أي عنوان، لتقسيمها أو تفكيكها.

ربما لا تدرك الجامعة خطورة الموقف في العراق، حيث إن الفشل في معالجة أزمة العراق سينعكس سلبا على جميع البلدان العربية، نظرا للدور المحوري للعراق، تماما كما هي الحال في مصر سوريا
خلال هجوم داعش اكتفت جامعة الدول العربية في العراق بموقف دبلوماسي، حين حذرت من خطورة تفاقم الأوضاع الأمنية في العراق، مؤكدة أنها تتابع بقلق بالغ هذه التطورات وتجري اتصالات مع مختلف الأطراف، وكان عليها اتخاذ موقف حازم إزاء إعلان تنظيم داعش "الدولة الإسلامية" الخلافة واختيار أبو بكر البغدادي خليفة للمسلمين، وأن تطالب جميع الدول الأعضاء باتخاذ الموقف ذاته، وأن تدعو مجلس الجامعة للاجتماع على مستوى وزراء الخارجية العرب، مع عدم الاكتفاء بالعبارات الروتينية بشأن خطورة الموقف وإصدار تحذيرات والقلق إزاء تطورات الأوضاع.

وعليها أن تعلن وقوفها إلى جانب بقاء الدولة العراقية موحّدة مثلما تطالبها بإقامة حكومة شراكة جامعة وحلّ المشكلات بالطرق السلمية وعدم اللجوء إلى القوة وبالتوافق، ومن واجبها أن تطالب الجميع بضرورة التوصل إلى اتفاقيات في إطار الوحدة الوطنية، بغض النظر عن الرئيس والمرؤوس والمركز والإقليم، آخذة بنظر الاعتبار الاستحقاقات الدستورية أيضا.

ومن الضروري بذل جهد عربي موحد تكون جامعة الدول العربية رائدة ومنسّقة فيه بخصوص التعاون للقضاء على الإرهاب لأن خطره لا يخص العراق وحده، بل إن شروره ستمتد إلى دول المنطقة جميعها، وعلى جامعة الدول العربية التنسيق مع الأمم المتحدة ودول مجلس الأمن الدولي بخصوص تهيئة مستلزمات مكافحة الإرهاب في المنطقة، بالتعاون والتنسيق على جميع الصعد.

لقد عجزت الجامعة حتى الآن عن تنظيم اجتماع عاجل لوزراء خارجية الدول العربية لمناقشة الأزمة ومخاطرها والسبل العملية لمواجهتها. وكانت القمة العربية عام 2012 المنعقدة في بغداد قد اتخذت قرارا بحظر الترويج الإعلامي للمجموعات المتطرّفة والإرهابية وهو مدخل بحاجة إلى تفعيل وتطوير.

وعلى جامعة الدول العربية أيضا وبالتعاون مع مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة العمل على توفير المساعدة للعوائل المهجّرة والنازحة بسبب استيلاء داعش على الموصل والأنبار وتكريت وقضاء طوزخورماتو في كركوك ومناطق عراقية أخرى، وتقدّر هذه بمئات الآلاف.

ولم يكن اجتماع المندوبين الذي صدر عنه موقف عمومي اتسم بالدعوة إلى حفظ الاستقرار ووحدة الصف العراقي ميدانيا وسياسيا والقضاء على الإرهاب ونبذ العنف والطائفية، سوى كلمات مواساة ومجاملة، بينما ينتظر من جامعة الدول العربية شيء آخر، وإلاّ لماذا هي جامعة الدول العربية؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك