معتز الخطيب

معتز الخطيب

أستاذ في مركز التشريع الإسلامي والأخلاق- جامعة حمد بن خليفة


مر الصراع على الدين والدولة في مصر بمحطاتٍ وأشكال متعددة، ولكن ثمة شكلين بارزين له، أخذ الأول منهما صيغة الصراع على "مَدَنية" الدولة بين التيارات الإسلامية من جهة وما سُمي "القوى المدنية" من جهة أخرى، وأخذ الثاني شكلا ممتدا ومتراكما من لحظة الانقلاب العسكري إلى لحظة تنصيب السيسي رئيسا وما تبع ذلك من إجراءات رئاسية.


ومن المفيد اليوم تَأَمل المشهد المصري من مدخل شعار "الدولة المدنية" الذي عبر -بحسب الخطابات المصطرعة- عن مطلب الدولة الحديثة التي طمحت إليها النخبة المصرية السياسية والفكرية بعد أن تم تغييب الطرف الإسلامي أو الديني، كما يحب هؤلاء أن يسموه.

ينتمي مصطلح "الدولة المدنية" إلى الفكر السياسي الحديث، ويقوم على معايير منها: مبدأ المواطنة وسلطة القانون وعدم استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية، ولكن الناظر في مجريات الأمور -بعد قرار عزل الرئيس مرسي- سيجد أنها تسير باضطراد في مسار معاكس لمفهوم الدولة المدنية بكل معانيها وبرعاية "القوى المدنية"، سواء لجهة التصورات عن الدولة ومنطق عملها، أم لجهة وظيفة الدين فيها.

فمن جهة التصورات عن الدولة، نجد أنه تم تغييب فكرة المواطنة والحقوق المتساوية عبر سَن قانون منع التظاهر ووَصْم كل الآراء المخالفة بالإرهاب، و"تسييس" القضاء وأحكامه، والتهرب من القصاص لشهداء الثورة في مقابل محاكمة الإخوان وبعض رموز الثورة.

كما إنه تمت إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والشعب ليحضر الشعب فقط بوصفه شاهدا يُستَدعى عند الطلب أو مفوضا أو صامتا تتحدث باسمه السلطة الجديدة ورموزها السياسية والإعلامية والثقافية، بل ويتم تبكيته وشتمه إن استنكف عن التصفيق أو التفويض كما حصل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فقد تم تعطيل كل آليات الدولة الحديثة التي تقنن وسائل التعبير عن الإرادة الشعبية وتجعلها حرة وقابلة للقياس.

تم تغييب فكرة المواطنة والحقوق المتساوية عبر سَن قانون منع التظاهر ووَصْم كل الآراء المخالفة بالإرهاب، و"تسييس" القضاء والتهرب من القصاص لشهداء الثورة ومحاكمة الإخوان وبعض رموز الثورة

لم تعد العلاقة بين الرئيس والشعب علاقة تعاقدية كما هي في الدولة الحديثة، بل علاقة قائمة -في أحد جوانبها- على "الحب" المفتَرَض من الشعب لشخص وزير الدفاع/الرئيس، وعلى "القداسة" للمؤسسة العسكرية، وعلى "الطاعة" الواجبة التي تفرضها "وطنية" مصرية لا يتم تعريفها أو تحديدها، ولكنها محصورة في الموافق الذي هو "معنا" وضد "الآخرين".

ثم هي من جانب آخر مبنية على "فردية" القائد الذي قدم خدمة ("جِميل" باللهجة المصرية) بمعزل عن كونه "موظفا" في جهاز دولة ويتبع مؤسسة من مؤسساتها، ولا عجب أن هذه الفردية تنحط إلى مستوى اختزال الوطن بانفعال إنساني فردي حين يعرف السيسي الوطن بأنه "حضن"، وكفى.

أما دواعي الترشح لرئاسة الدولة فهي ليست نتاج عمل حزبي أو سياسي، بل نتيجة طموحات شخصية هي مزيج من مناماتٍ ومطالبةٍ شعبية غامضة لتكميل "الجِميل"، وهي الدوافع نفسها التي تجعل من وضع "برنامج سياسي" أمرا نافلة ليس ضمن الأولويات أو حتى من المُهمات.

يأتي كل هذا بعد ثورة أيقظت الإرادة الشعبية والاختيار الحر عبر مظاهر وأدوات تنتمي بالفعل إلى الدولة الحديثة، سواء لجهة الآليات الدمقراطية كالانتخاب والاستفتاء والحريات الفائضة التي سادت أثناء الثورة وبُعيدها، أم لجهة فعل التظاهر المنظم والمؤطر بمطالبات سياسية واضحة، فضلا عن انفتاح المجال العام أمام مختلف الفاعلين السياسيين والآراء.

أما جهة وظيفة الدين في دولة ما بعد الانقلاب، فهي شديدة المناقَضَة لفكرة الدولة المدنية، فالسلطة الجديدة افتتحت المشهد بشرعية دينية مثلها الأزهر والكنيسة وأحد رموز التيار السلفي في مصر، وكان "استخدام" الدين منهجا ثابتا لدى سلطة الانقلاب جعل من تدين السيسي نفسه مسألة جوهرية.

أما على مستوى اللغة والمفاهيم ومنطق التفكير، فقد بنى شيخ الأزهر شرعية الانقلاب على نظرية فقهية هي "ارتكاب أخف الضررين"، وهي نظرية من نظريات الضرورة سيتردد صداها لاحقا عند محمد حسنين هيكل الذي اعتبر السيسي "مرشح الضرورة".

وسبق لرئيس قسم الفقه المقارن بجامعة الأزهر سعد الدين الهلالي أن اعتبر وزيري الدفاع والداخلية "رسولين" من رسل الله جاءا بمهمة دينية، وهو المعنى الذي كرره السيسي لاحقا في لقائه مع مشايخ الطرق الصوفية حين تحدث عن أنه قام بانقلابه "لخدمة الإسلام" وأنه يطلب "الأجر" من الله ويسأله أن يتقبل منه عمله الذي أسفر عن آلاف الضحايا.

غير أن "الرؤية الدينية" الخالصة تتضح من خلال خطاب "تنصيب الرئاسة" الذي أفرد فيه السيسي محورا لما أسماه "تجديد الخطاب الديني"، شرح فيه -كما في غيره- وظيفة الدين في المجال العام، وأن الدولة التي ينادي بها هي التي تعرف "صحيح الدين" و"تصون منظومتنا القيمية والأخلاقية"، و"تحافظ على الصورة الحقيقية لديننا الإسلامي وتشكل عقول ووجدان المسلمين".

هذه الرؤية الدينية "التجديدية" للسيسي والتي تتطابق مع فكرة "الدولة السلطانية" الحارسة للدين، تنعكس على مفهوم الحرية التي يشتمل إطارها المنظم على "قوانين وقواعد دينية وأخلاقية"، كما تنعكس أيضا في إجراءات وزارة الأوقاف المصرية التي اتخذت بعد توليه الرئاسة، من خلال إعادة تنظيم الشأن الديني بدءا من الخطبة والمساجد وانتهاء بالخطاب الديني نفسه ومضمونه.

الأشد خطورة برأينا هو استخدام السلطة -سواء سلطة مبارك أو الانقلاب- للمؤسسة الدينية كأداة من أدوات "شَرْعنة" خياراتها السياسية المتقلبة، وهو ما أوقعَ رموز المؤسسة الدينية في ثلاث خطايا: الأولى التناقضات الفجة، والثانية أنهم تحولوا إلى مفتين عند حاجة السلطة لفتواهم، والثالثة أنهم غادروا لغة الفقه إلى لغة السياسة.

فمن التناقضات أن الفتوى "الرسمية" تتلون على إيقاع السلطة القائمة أو الغالبة رغم أن المسألة واحدة والسياق واحد، لكن المتغير الوحيد هو موقف المفتي.

فحكم المظاهرات تغير عند "جمعة" من الحُرمة زمن مبارك إلى الإباحة بعد تنحي مبارك إلى الحرمة مجددا بعد عزل مرسي، وعلل معارضته ثورة يناير بالخوف من الفتنة وسفك الدماء، ثم عاد بعد الانقلاب فحض على سفك الدماء وقتل المتظاهرين الذين استعار لهم مصطلحا تاريخيا هو "الخوارج"، وقال "من قَتَلهم فهو أولى بالله منهم".

الخلاف الفقهي علمٌ له تقاليده التاريخية أهمها أنه يعترف بشرعية كل الاجتهادات من الناحية المبدئية، ولكننا لا نجد أثرا من ذلك في تلك "الفتاوى الرسمية" لأنها تحضر هنا لتؤدي وظيفة سياسية
الأمر نفسه تكرر مع أحمد الطيب شيخ الأزهر، فالتظاهر محرم زمن مبارك، وبعد تنحي مبارك هو "حركة تحرر وطني"، ثم أصدر بيانا قال فيه إن "مواجهة أي احتجاج وطني سلمي بالقوة والعنف المسلح وإراقة دماء المسالمين يُعتبر نقضا لميثاق الحكم بين الأمة وحكامها ويُسقط شرعية السلطة"، وبما أنه دعم الانقلاب فكل الدماء التي نتجت عن تمرير الانقلاب العسكري هي من باب "أخف الضررين".

لا يمكن تفسير هذا التلون الشديد في "الفتوى" التي هي "بيان حكم الله في الواقعة" بالعودة إلى الفقه، لأنها لا تنتمي إلى الفقه أصلا، فقد وُلدت من رحم السياسة والسلطة بوصف هؤلاء المفتين جزءا من جهاز الدولة ويأتمرون بأمرها، وكان يمكن فهم هذه الفتاوى على أنها "فتاوى فقهية" لو لم تتناغم مع إيقاع السلطة وحاجتها أولا، ولو اتخذت مسافة تفصلها عن الموقف السياسي للسلطة ثانيا، ولو لم تدخل في سجال "سياسي" مع الفتاوى المناقضة لها ثالثا.

الخلاف الفقهي علمٌ له تقاليده التاريخية، أهمها أنه يعترف بشرعية كل الاجتهادات من الناحية المبدئية، ولكننا لا نجد أثرا من ذلك في تلك "الفتاوى الرسمية"، لأنها تحضر هنا لتؤدي وظيفة سياسية، ومن مفتين معادين لسلطة الإخوان المسلمين تحديدا، ويحتلون مناصب دينية مهددة في حال استتبت السلطة للإخوان.

الخطيئة الثانية التي وقع فيها هؤلاء المفتون، أنهم تحولوا إلى مفتين بحسب حاجة السلطة، فلا نراهم يتحدثون إلا في المناسبات السياسية الملائمة للسلطة، في حين يتغيبون عن السياقات الملائمة للمجتمع، كالموقف من سفك الدماء واعتداء السلطة على المساجد والحريات وحقوق الناس.

ثم إن "فتاواهم" الدينية تتطابق باستمرار مع موقف السلطة دون أي مسافة بين السلطة والفتوى، أو بين إرادة الرئيس وحكم الشرع، وخطابهم لا يتوجه إلا إلى عموم الناس/المكلفين، ففتاواهم لا تخاطب سلوك وسياسات السلطة أو الدولة.

بالعودة إلى ما بدأنا به المقال، نرى أن محطة الانتخابات الرئاسية الأخيرة أظهرت مَبلغ الخطيئتين الثانية والثالثة (تَحَولهم لمفتين بحسب حاجة السلطة، وتفضيلهم لغة السياسة)، فقد شهدنا حضورا كثيفا ومتكررا لكل رموز المؤسسة الدينية ليؤكدوا معنى واحدا هو وجوب المشاركة في الانتخابات على خلفية خشية سلطة الانقلاب من مقاطعة الشعب للانتخابات.

لا يمكن قراءة دوافع تلك الفتاوى والبيانات بمعزل عن السياق الإعلامي والسياسي المحرض على المشاركة لإنجاح ترتيبات السلطة الجديدة، ولمواجهة الفتوى المقابلة بوجوب مقاطعة الانتخابات، ولا مفر هنا من التساؤل: لماذا حضرت المؤسسة هنا وغابت عن انتخابات سابقة زمن مرسي مثلا؟ فالمفترض بالواجب ألا يتغير من زمن لآخر.

تَواطَأَ كل من شيخ الأزهر ومفتي الجمهورية ووزير الأوقاف على معنى واحد متكرر، مرة باسم المؤسسة ومرة بمقابلة شخصية مع رأس كل مؤسسة على حدة، وهو وجوب المشاركة في الانتخابات وهجاء فتوى المقاطعة والنيل من شخص مُصدِرها.

وقد تكرر هذا الوجوب بصيغ مختلفة، فهو عند شيخ الأزهر "مسؤولية وواجب وطني مقدس، ولن تبرأ ذمتهم ولن يُخلوا مسؤوليتهم إلا بالانتخاب"، وكرر المعنى نفسه في بيان باسم الأزهر، وهو عند شوقي علام مفتي الجمهورية "مطلب وطني ملح"، وعند وزير الأوقاف "واجب شرعي وشهادة سيحاسب عليها العبد يوم القيامة"، والمقاطعون "سيتحملون إثم كَتْم الشهادة".

يتردد الواجب هنا على ألسنة تدعي تمثيل "حكم الشرع" بين الواجب الديني والواجب الوطني ليتم اختزال الشرع والوطن في خيار السلطة الأوحد، في حين أننا أمام عملية سياسية في "دولة" تقوم على حرية الاختيار والإرادة الشعبية، والمفترض بها ألا تسمح بالتأثير على إرادة الناخبين بأي سلطة قهرية سواء دينية أم حكومية.

لا يَعرف الفقه هذه اللغة (واجب وطني، مقدس) التي يخترعها هؤلاء وينسبونها إلى الشرع، خاصة أن شيخ الأزهر -وهو ليس فقيها بل متخصصا في علم الكلام- يخلط بين الوجوب الوطني والديني، ثم يرتب على ذلك "شَغْل الذمة" وهي لا تنشغل -عند الفقهاء- إلا بواجب ديني أو بحق لله أو للعبد.

والمفارقة أن القائلين بوجوب المشاركة والقائلين بوجوب المقاطعة يبنون على قياسٍ فقهي خاطئ حين يعتبرون أن الانتخاب شهادة، فالشهادة في الشرع هي "إخبارٌ عن ثبوت الحق للغير على الغير في مجلس القضاء"، أما الانتخاب فهو اختيار شعبي وتوكيل بإدارة الشأن العام.
إن الخروج من بوابة الفقه إلى السياسة البحتة دفع المفتين الرسميين إلى رمي خصومهم بالضلال وتخوينهم وتكفيرهم في مسألة "اجتهادية" بحتة مبنية على الاختيار الشخصي والهوى السياسي

فالشهادة بابٌ في الفقه لو خضنا فيه مع هؤلاء المفتين لخرجنا من منطق الدولة الحديثة، لأن للشهادة شروطا حتى تُقبل وهي تَوَفر العدالة في الشهود، وأساس العدالة الإسلامُ فيخرج منها غيرُ المسلم كما يخرج منها كل من لم يكن سلوكه قويما بمعايير الفقه وهو ما يُخرج قطاعا واسعا من حق الانتخاب لو مشينا على مفهوم "الشهادة" الفقهي.

إن الخروج من بوابة الفقه إلى السياسة البحتة دفع المفتين الرسميين إلى رمي خصومهم بالضلال وتخوينهم وتكفيرهم لأجل مسألة "اجتهادية" بحتة مبنية على الاختيار الشخصي والهوى السياسي، سواء في منطق الفقه أم في منطق الدولة الحديثة.

فشيخ الأزهر اعتبر فتوى المقاطعة "شاذة، مُغرضة، مضَللة"، وأن مصدريها "خانوا أوطانهم وباعوا دينهم للشيطان"، وهي "ليست فتاوى وإنما تهريج"، وكرر شوقي علام المعنى نفسه وزاد أنها "تفتقر إلى المعايير المعتبرة في إصدار الفتوى".

ولو تأملنا هؤلاء الضالين المُضلين الخائنين الشاذين عند شيخ الأزهر والمفتي ووزير الأوقاف سنجد من بينهم: الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ محمد الحسن ولد الددو (موريتانيا) وأحمد الريسوني (المغرب) وعبد المجيد الزنداني (اليمن) وآخرون ممن شقوا طريق الفقه وبنوا فقه المقاصد والمصالح وأسس الإفتاء منذ عقود.

إنه من المثير للسخرية أن الإسلاميين الذين ترددوا طويلا في التسليم بشرعية آلية الانتخابات، ثم اعتبروها "إجرائية" لأن المرجعية العليا لله، يتصارعون الآن على وجوب الفعل السياسي انتخابا أو مقاطعة، ولكن عبر المزج المتنافر بين منطق الدولة الحديثة ومنطق الفقه التاريخي.

عرضنا هذا الجدل كله للقول: إن الصراع حول "الدولة المدنية" لم يكن حقيقيا ولا مبدئيا، بل كان استثمارا في الكراهية للإخوان التي أزاحت كل المبادئ والأفكار، فالنخبة المصرية تحالفت مع العسكر وأقرت بهذا النكوص الشديد عن منجزات الثورة والدولة الحديثة، وقَبلت بما اعتبرته كفرا من قبلُ.

فهذا عبد المعطي حجازي وصلاح فضل -مثلا- يخرجان على الفضائية المصرية ليمتدحا "الانتخابات الديمقراطية" الوحيدة التي عرفتها مصر منذ ستة عقود، وأنها حمتهم من "السلطنة الإسلامية" التي حملها الإخوان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك