مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


دعوى الإسرائيليين أن حربهم على غزة جاءت كرد فعل على أسر وقتل المستوطنين الثلاثة غير صحيحة حسب كل القراءات والمعطيات التي سبقت العدوان، والتي كانت تتصاعد منذ إتمام الفريق السيسي انقلابه في الثالث من يوليو/تموز 2013، حيث كانت قضية الثأر لحرب غزّة الفاشلة في 2009 قد انخفضت فرص تنفيذها بعد الربيع العربي ثم عادت بقوة، بعد إعلان الفريق السيسي وشركائه غزة وحماس كيانا معاديا.

منذ ذلك التاريخ وحسابات الحرب تتصاعد لدى تل أبيب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن سياق أسر المجندين ينسجم مع نفي حماس مسؤوليتها عن العملية، حيث تزامنت مع عملية المصالحة وهي محل قناعة من لدن حماس لأبعاد ذاتية ووطنية ولتفويت فرص الحرب على غزة وباقي الشعب الفلسطيني، وأثبت السياق السياسي جديتها الكاملة في هذا الموضوع باعتراف فريق الرئيس عباس نفسه.

لكن التهور الإسرائيلي كان يشتعل إثر إنجاز هذه المصالحة التي نجحت وحتّى تاريخ كتابة هذا المقال في تحييد الجيش المصري عن هذه الحرب المخطط أن تكون مشتركة بين تل أبيب والجيش المصري ضد غزة، وكان واضحا الاحتقان والحنق الشديد لدى نتنياهو وفريقه الأمني من هذه المصالحة، وهذا لا يعني تأمين الحدود مع مصر فللعسكر حساباتهم السلبية مع غزّة لكن على الأقل حماية مصر وحماية غزة من تورط الجيش في عمل عسكري مع تل أبيب، وهو ما يظهر فائدته اليوم لسلطات الرئيس السيسي وهو يواجه تحديات حكمه التي لن يُنقذها زج مصر في حرب غزة.

الانتفاضة التي اندلعت بعد مقتل الطفل أبو خضير فاجأت وأخافت تل أبيب ودفعتها نحو حرب غزة للاستفادة من الوضع العربي عموما والمصري خصوصا لتنفيذ العمل العسكري المؤجل

ومع التصعيد الذي باشرته تل أبيب على الضفة الغربية والقدس فقد فاجأها حضور الضفة الغربية والمقاومة المدنية التي أظهرتها خاصة في انتفاضة الطفل محمد أبو خضير الذي قتل وأحرق من عصابات يهودية، فإن تلك الانتفاضة كانت مخيفة لتل أبيب ودفعتها للتقدم الى حرب غزة للاستفادة من الوضع العربي عموما والمصري خصوصا لتنفيذ العمل العسكري المؤجل.

وقد كانت حماس قد باشرت كليا مراجعة كامل الملف السياسي والعبور بالمرحلة إلى منطقة أمان زمني في ظل هذه الحسابات وشراسة الخصوم عربا وإسرائيليين، ونجحت في إعلان قبولها بالحكومة المشتركة لكن دون أن تتخلى عن مبادئها وإستراتيجيتها الكبرى لحرية فلسطين.

هذا المدار الذي أنجزه المكتب السياسي لحماس جاء بعد أن نظمت الحركة بناءها الداخلي ورتبت قواعد التعاطي والتشاور السياسي، الذي انتهى إلى تحقيق مستوى إداري وديمقراطي مقبول حيث أُعيدت بشفافية قواعد الانتخابات وانتخب خالد مشعل من جديد بعد إصرار واضح منه على عدم الترشح كموقف رُصد بوضوح لا مجاملة ديكورية، وما يعنينا هنا أن رزمة التواصل وإعادة التنظيم السياسي كانت مرحلة مهمة جدا لحركة حماس قبل عدوان يوليو/تموز 2014 الذي نعيش فصوله اليوم.

ولقد قدّمت حماس مجددا قدرة هائلة على إدارة مشروعها كحركة مقاومة تمارس سلطة اضطرارية استثنائية، كما أنها نجحت في تنظيم الميدان المقاوم عبر كتائب القسّام وجسوره مع الفصائل، دون أن يطغى الميدان على الملف السياسي ولا أن يُلغي الملف السياسي الميدان العسكري الدقيق أو يُضعف قوته واستعداداته، فخرجت حماس من المرحلة الماضية برصيدٍ قوي رغم كل الظروف الصعبة والخانقة المحيطة بفلسطين وبالحركة وشعبيتها الواسعة.

وهذا لا يعني أن حماس مكتملة أو فوق حسابات النقد للحركات التربوية في الأصل، والتي مارست السياسة بعد ذلك، لكن المقصود أنها تتطور فكرا وفهما في أدائها السياسي وتنجح في اختبارات صعبة لا ينجح فيها بعض الدول أو الحركات التي ورثت حكما قصيرا فيها.

وستبقى حاجة حماس قائمة لتطوير الأداء السياسي، وبناء الفكر الإستراتيجي في مساراته منفصلا عن الجهد التربوي والتثقيفي وخطاب التحشيد العام لمواجهة دوائر العدوان المتجددة.

وهذه الحقيبة من الخلاصات تجعل حماس وغزة والعمق الفلسطيني المؤمن بالتحرير في باقي فلسطين والمهجر، في حاجة إلى قياس نسبي ومتوازن وواقعي لحجم الصمود وبالتالي النجاح والصعود المتدرج لمشروع المقاومة وزرع قدرات وبناء ثقافة نضالية مع الاحتياجات الطبيعية لكل مجتمع مدني، وعلى هذا التوازن تُقرأ خلاصات التجربة والدورة الجديدة من العدوان وحصيلتها على المشروع، مع الأخذ بالاعتبار الظرف القاهر للحالة العربية بعد النقض الدامي للربيع العربي.

ومع كوننا نكتب في أيام العدوان الأولى، فمن الصعب أن نُحدد بصورة نهائية نتيجة هذه الخلاصات الآن لكن هناك معطيات مهمة لتوجهات المستقبل بدت واضحة على الأرض.

إن تنفيذ كتائب القسّام لعمليات نوعية من الاختراق والهجوم على العمق الإستراتيجي للإسرائيليين كقاعدة زكيم وحملة القصف الصاروخي التي توسع مداها بصورة كبيرة وإدارة التوجيه لها، رغم ضعف الإمكانيات والمعادلة المقلوبة بينها وبين القوة العسكرية للعدو، يؤكد نجاح البناء الإعدادي للفترات الماضية منذ فبراير/شباط 2009 حتى يوليو/تموز 2013 لخطة البناء الدفاعي المقاوم للقسّام وتطور أفكار المباغتة الحربية والدخول إلى مواجهة بنك الأهداف ببنك أهداف خاص بالمقاومة تفرضه على سماء المستوطنات الإسرائيلية التي أقيمت في فلسطين التاريخية، وهذا تقدم نوعي مهم.

إن اشتداد عود المقاومة كل دورة، وبروز قوة نوعية جديدة لها يمثل رسالة قوية مفادها أن المشروع في اتجاهه الصحيح وأن إرادة القسّام أقوى من قبة تل أبيب
ليس هناك شك بأن أجواء الحرب هي أجواء الحرب ونزف الشهداء والجرحى وتدمير المنازل يعصف بوجدان الإنسان ويؤلمه، لكن غزة تواجه حربا فُرضت عليها، بمقاومة اضطرارية تسعى لتغيير المعادلة في حسابات الخسائر لدى العدو وحسابات النصر عبر ثبات الميدان وانتصار الشعب المعنوي في ختام الحرب أو بعد توقفها حين تتدخل الوساطات العربية فيُعلن وقف إطلاق النار.
 
ورغم أن قرار بدء الحرب إسرائيلي إلا أن هذه المرحلة الانتقالية التي أعقبت انتهاء حكومة إسماعيل هنية بالمصالحة واستبقت اكتمال مباشرة الحكومة الجديدة كانت مفيدة ومهمة جدا لجدولة حركة حماس وكتائب القسّام برنامج المواجهة الجديد دون حلقة تضييق مباشر أو احتجاج عليهم بالانقسام، وهو ما قد يعزّز فرص شعبية حماس في الضفة الغربية كما أنه بات يخلق أجواء كفاح وانتفاضة فيها بعد إحراج تل أبيب المتكرر لأبي مازن وتكرار الطلب منه بصلف ووقاحة إلغاء اتفاق المصالحة مع حماس.

كل ذلك تقابله حقيبة آمال عريضة من قبل تل أبيب كانت تنزع بوضوح إلى إنهاء مشروع المقاومة الذي ثبتت أقدامه في غزة عبر عمل عسكري مشترك مع مصر وهو ما لم يتيسر لها، أو عبر تنسيق أمني أوسع مع فتح احتجاجا بوجود الحكومتين، أو الخروج من هذه الحرب بإبادة كاملة للمشروع بجهد إسرائيلي ذاتي وإسناد عربي محدود دون أن تتعرض تل أبيب لخسارة كبيرة أو نقض توازنها الإستراتيجي الأمني أمام غزة، وهو بالضبط ما تعانيه اليوم.

ومن الواضح أن قدرات غزة المحدودة شبّت عن الطوق وتقدمت ورفعت مستوى الاختراق والرد نوعا وكما، وتل أبيب يزيد قلقها من هذه الخبرات والدفاعات ومن قوة الردع الصاروخية المحدودة الإمكانيات المزعجة جدا للإسرائيليين.

ومع كون العمليات الأولى للقسّام أعطت مدارا جديدا لتوازن الرعب مع تل أبيب لمصلحة المقاومة فإن ذلك يؤكد مستقبل التطور المتدرج الصاعد لديها، وفي فلسفة نماذج هذه الصراعات فإن اشتداد عود المقاومة كل دورة، وبروز قوة نوعية جديدة لها يمثل رسالة قوية مفادها أن المشروع في اتجاهه الصحيح وأن إرادة القسّام أقوى من قبة تل أبيب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك