عبد الله الأشعل

عبد الله الأشعل

أستاذ القانون الدولي


في يوم الاثنين الخامس من يونيو/حزيران 1967 شنت إسرائيل غارات جوية على سلاح الجو المصري وهو رابض في المطارات، رغم أن عبد الناصر حذر قيادته العسكرية من هذه الضربة في هذا التاريخ.

وسيظل الخامس من يونيو/حزيران علامة فارقة في تاريخ المنطقة العربية ومصر ومسيرة المشروع الصهيوني.

وفى كل ذكرى لهذا اليوم لا بد من مراجعة أمينة للنفس ومواجهة أنفسنا بالأسئلة الضرورية حتى يمكن أن نكتب تاريخنا السياسي وتاريخ الصراع العربي الصهيوني، ونتعلم الدروس في هذا الصراع الوجودي.

وأهم هذه الأسئلة المطروحة هي، هل كان الخامس من يونيو/حزيران مخططا له من جانب أميركا وإسرائيل للقضاء على مصر الناصرية؟ وهل فشل اغتيال عبد الناصر أدى إلى اقتلاع مشروعه من أساسه؟ وهل كان مقصودا بها إسقاط النظام فقط أم إعادة رسم خريطة المنطقة، أم تدمير الجيش المصري الذى تسلح من الشرق وخرج عن حدود مصر إلى اليمن مثلما بدأ عبد الناصر في محاصرة إسرائيل بالوحدة مع سوريا، فهل كان لإسرائيل دور في حركة الانفصال؟

سيظل الخامس من يونيو/حزيران علامة فارقة في تاريخ المنطقة العربية ومصر ومسيرة المشروع الصهيوني بسبب تداعياته التي ما زالت قائمة حتى الآن

وإذا كان عبد الحكيم عامر هو المسؤول عن فشل الوحدة مع سوريا ومسؤولا عن كارثة 1967 باعتباره وزير الدفاع وقتها والمتفرغ للجيش المصري فلماذا لا يفتح تحقيق في الدور الذي لعبه، ولماذا سكت عنه عبد الناصر وهو يراه عبئا على نظامه وخنجرا في جنبه، خاصة أن التحقيق بعد مضي قرابة نصف قرن يستفيد من كل الوثائق الإسرائيلية والأميركية وغيرها مما يتصل مباشرة بهذا الحادث.

فإذا لم يكن الحدث مخططا كما تقول مذكرات الساسة الإسرائيليين خاصة ديان ورابين، ولم يكن الهجوم المصري على إسرائيل قطعا واردا، فكيف وقعت المأساة وكأنها حادث مرور عابر؟ وهل كان بوسع عبد الناصر تفاديها وهل لو كان النظام ديمقراطيا لما حدثت الكارثة وما قيمة النظام الديمقراطي أمام تحالفات كبرى وقوة عسكرية متفوقة.

القضية الثانية: هل هناك دور لدول عربية في دعم سقوط مصر لا عبد الناصر، وهل هي نفس الدول الضالعة مع إسرائيل وأميركا في مقاومة حركة الشعوب العربية ضد حكامها المستبدين، وكيف يمكن تفسير سلوك الدول العربية تجاه القضايا الكبرى المرتبطة بعبد الناصر وصدام حسين والقذافي والاستمرار في مساندة سقوط دولهم في مصر والعراق وليبيا.

القضية الثالثة هي العلاقة بين الخامس من يونيو/حزيران وتتابع نظم الحكم في مصر بما يدعم موقف إسرائيل وينهى الصراع معها، وتتحول هذه النظم إلى مساندة المشروع الصهيوني ضد الجسد العربي.

القضية الرابعة هي علاقة الخامس من يونيو/حزيران باتفاقية السلام مع إسرائيل، ولماذا صارت الهزيمة هي المدخل للمعاهدة بدلا من أن تكون نتائج أكتوبر هي المدخل الطبيعي، وكيف شغلت إسرائيل مصر بالثغرة بين الجيش الثاني والثالث بحيث صارت تسوية آثار الثغرة هي المدخل إلى المعاهدة والقفز فوق النتائج الباهرة لحرب التحرير العربية في السادس من أكتوبر.

فهل صحيح أن حرب أكتوبر كانت جزءا من ترتيبات برنامج الهيمنة الأميركية بشكل شامل بما ينسجم مع توجيهات السادات وحتى تظهر المعاهدة في نظر مصر وإسرائيل كل على انفراد على أنها كسب لطرف على حساب الطرف الآخر، وهى على الجملة صيغة التسليم المصري والعربي بهزيمة المشروع التحرري العربي أمام المشروع التوسعي الإسرائيلي ودعامته واشنطن، وأداة لتغيير معادلات القوة على المستوى العالمي، خاصة أن العلاقة بين 1979 في مصر وأفغانستان لا بد أن ترتبطا في التحليل الدقيق بانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1989/1990 بل بمخطط الانهيار منذ تولى غورباتشوف السلطة عام 1985 وطرحه لمشروع الجلاء سنوست والمراجعة النقدية للمشروع الماركسي.

القضية الخامسة، هي كيف أصبح مقعد الرئيس في مصر شأنا دوليا وأن علاقة الشعب المصري به خاصة في 25 يناير هي الإزاحة وليس الاستبدال، وهل صحيح أن الرئيس صار من اختيار الشعب، خاصة أن الشعب المصري لم يكن طرفا أصيلا في معادلة الحكم، وأن ظهور الشعب كان ممكنا لأول مرة عندما استغله محمد علي في ترتيب استيلائه على الحكم في مصر بصرف النظر عن مدى نفعه وأسرته لمصر ومكانتها.

هزيمة يونيو/حزيران  67 أدت لهزيمة المشروع الناصري كله، وقضت على عبد الناصر نفسيا وصحيا وأنهت حياته السياسية، وأقعدت مصر عن النهوض

وقد أعلن محمد علي الحقيقة وهي أنه وصل إلى الحكم بالسيف وليس بإرادة الشعب أو فرمان السلطان، وذلك في رده على الفرمان السلطاني بعزله أثناء صدامه مع السلطان في ثلاثينيات القرن التاسع عشر على وقع حملات ابنه إبراهيم في الشام واقترابه من الآستانة حتى كاد محمد علي يضع سلطانا لولا تدخل القوى الأوروبية وأولها روسيا ثم بريطانيا واستدراج فرنسا.

هذه القضايا تثور بمناسبة الصاعقة الكبرى التي وقعت في الخامس من يونيو/حزيران 1967 وأثرت بشكل كاسح لصالح المشروع الصهيوني، ونكتفى فيما تبقى من مساحة لهذه المقالة، والتي تتلوها مقالات لمعالجة هذه القضايا والإشكاليات لرصد عدة حقائق لا أظن أن الخلاف حولها كبير.

الحقيقة الأولى، هي أن هزيمة الجيش بقيادة عسكرية وسياسية عقيمة أدت إلى هزيمة المشروع الناصري كله، وقضت على عبد الناصر نفسيا وصحيا وأنهت حياته السياسية، وأقعدت مصر عن النهوض، وأعقبتها ترتيبات في الداخل وفى الإقليم بحيث ينطلق المشروع الصهيوني ليس فقط دون معوقات، وإنما بمساندة مصرية واضحة لهذا المشروع.

والجديد أن قضية السفينة التركية ما في مرمرة التي هاجمتها إسرائيل في عرض البحر المتوسط وكانت تتجه لكسر الحصار على غزة، وقد كشف عند صدور الحكم نهاية الأسبوع الثالث من مايو/أيار 2014 أن إسرائيل هاجمت السفينة بناء على معلومات مضللة من المخابرات المصرية، حيث أبلغت إسرائيل أن المتطوعين على السفينة مسلحون ويقصدون مهاجمة إسرائيل، وذلك إمعانا في مخطط مبارك ضد أهالي غزة وحماس بعد هولوكوست غزة 2008-2009 الذى دعم فيه إسرائيل في حملتها الإجرامية على غزة لإسقاط حماس وتسليم غزة لعملائها.

ومعني ذلك أن الحديث عن الاستقلال أو الديمقراطية أو دعم القضية الفلسطينية لا يصلح إلا في الخطاب الإعلامي الذى يلعب دورا هائلا في صرف الشعب عن الحقائق.

الحقيقة الثانية، هي أن تسيد إسرائيل في المنطقة يرتبط باستمرار الوضع المصري وبترتيبات أمنية بين مصر وإسرائيل برعاية أميركية لاستمرار هذا الوضع، وبذلك أصبحت مصر تحت هيمنة مزدوجة طبقتها الأولى، أميركا وإسرائيل، وطبقتها الثانية بعض دول الخليج الضالعة في هذا المشروع الكبير.

ولذلك من العبث الحديث عن إنهاء معاهدة السلام أو تعديلها، لأن المشكلة ليست في المعاهدة وإنما في الترتيبات والأوضاع التي أبرمت المعاهدة في ظلها وتسعى إلى استمرارها.

الحقيقة الثالثة، هي أن سيناء والإرهاب والتيارات الإسلامية هي أدوات المرحلة المقبلة لتكوين جبهة عريضة بين مصر وإسرائيل وبعض دول الخليج وبرعاية أميركية، بحيث يظل السقف في مصر مانعا لأى تطور سياسي داخلي أو تغيير. بعبارة أخرى، فإنه إذا كان نظام مبارك بتحالفاته الداخلية والإقليمية قد تخلخل فإن واشنطن تسعى إلى بناء نظام مضاد لأي ثورات أو احتجاجات، ورغم أن ذلك -بعد ما حدث في 25 يناير- من قبيل الأوهام السياسية، فسوف تظل إسرائيل الطرف الأساسي في إدارة نظم المنطقة، حتى تنتهى من تصفية القضية الفلسطينية وفرض الهيمنة الشاملة على المنطقة بأسرها.

والأدهى أنه ليس ما يمنع من تحالف إسرائيل وإيران وتركيا لصياغة نظام يكفل تحقيق أهداف هذه الأطراف على حساب الجسد العربي. ولذلك شعرت إسرائيل بالخطر من مصر عام 1973 وأثرها في الإقليم وخطورة جيشها، فعمدت إلى مخططات للجيش، ولعلاقات مصر العربية وتحويل المشاركة العربية عام 1973 إلى مجرد تضامن عربي مع مصر تدفع مصر ثمنه فضلا وامتنانا للمنطقة العربية وليس معركة عربية شاملة لهزيمة المشروع الصهيوني في مصر قلب العالم العربي.

يونيو/حزيران 1967 شديد الارتباط بأكتوبر 1973، ولكن الأخير لم يمح أثر الأول، بل إن معاهدة السلام وما ترمز من هيمنة الصهيونية عكست ثقل هزيمة 1967 وليس نصر 1973

كذلك شعرت إسرائيل بخطر حزب الله ففتحت عليه كل الجبهات عندما طردها بلا مقابل من جنوب لبنان عام 2000، ثم تصدى لها عام 2006 فاضطرت النظم أطراف التحالف الجديد إلى الخروج عن صمتها والانحياز صراحة لإسرائيل، وتضييع مصالح لبنان الوطن وحقه في التعويض من المعتدى، فصار المعتدى هو المعتدى عليه في الخطاب السياسي المصري/السعودي/الأردني المشترك، وهو ما اعتمدت عليه إسرائيل بشدة في صياغة قرار وقف القتال رقم 1701 الشهير.

الحقيقة الرابعة، هي أن يونيو/حزيران 1967 شديد الارتباط بأكتوبر 1973، ولكن الأخير لم يمح أثر الأول، بل إن معاهدة السلام وما ترمز إليه من عصر المعاهدة أي الهيمنة الصهيونية عكست ثقل هزيمة 1967 وليس نصر 1973.

ومن العبث الاحتفال بأكتوبر 1973 دون أن نذكر يونيو/حزيران 1967، حيث ذهب أحد أساتذة العلوم السياسية المرموقين في مصر في تدليس على الوعى التاريخي والسياسي، إلى فصل 1973 عن 1967 بحجة أننا لا نريد أن نذكر الأجيال بهزيمة النظام الذى ذهب بمن فيه. ولا بد من دراسة المقولة الرائجة بأن النتائج الباهرة لأكتوبر 1973 قد أهدرت عام 1979 من دون مبرر.

الحقيقة الخامسة هي أن ثورة يناير 2011 كانت ثورة على نظام وتحالفاته وما يمثله من تبعية وقهر وتجويع واستبداد، وسعى إلى مصر القوية العزيزة المستقلة القائدة والمدافعة عن أمتها وأمنها القومي، بعد أن صار الأمن القومي هو أمن النظام الفاسد، وكل نظام يقبع على قلوب المصريين.

الحقيقة السادسة، هي أن الصراع ضد الفقر والتدهور والفساد والاستبداد في مصر من أجل الاستقلال لا يمكن فصله عن الصراع ضد المشروع الصهيوني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك