مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


تتابعت التطورات الميدانية والسياسية في المشهد العراقي منذ سقوط الموصل ومناطق في الشمال العراقي في يد ثوار العشائر العراقية من جهة وفي يد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) من جهة أخرى.

ومع تواصل حضور داعش ووجود راياتها إلا أن تحالفا واسعا من عشائر وبعض قيادات وأركان القوات المسلحة وفصائل مقاومة عراقية شاركت في الحرب الشرسة مع القوات الأميركية بين عامي 2004 و2006 بات يسجل حضوره باضطراد في المشهد العراقي ويحظى بتأييد حشد من الهيئات والشخصيات السنية الشرعية والوطنية.

في المقابل فإن تقدم داعش السابق والحالي ليس مرده إلى شخصية التنظيم وأفراده، ولكن لوجود شراكة مع مجموعة أخرى من قيادات القوات المسلحة السابقة تنتمي لحزب البعث فرع السيد عزت إبراهيم الدوري نائب الرئيس العراقي السابق عند احتلال بغداد من قبل واشنطن وطهران عام 2003، كما أن هذه القيادات لها ضلع عشائري وديني مقاوم قوي يتمثل في جيش النقشبندية الذي احتضن أركانا وقيادات من القوات المسلحة بعد مطاردة الاحتلال المزدوج لها لتصفية قدرات العراق العسكرية.

تقدم داعش السابق والحالي ليس مرده إلى طبيعة التنظيم، ولكن لوجود شراكة مع مجموعة أخرى من قيادات القوات المسلحة السابقة تنتمي لحزب البعث فرع السيد عزت إبراهيم الدوري

وجيش النقشبندية من أهم وأقوى الفصائل العراقية المقاومة التي انخرطت في حرب التحرير الأولى في 2003 وشاركته فيها تنظيمات رئيسية أبرزها كتائب ثورة العشرين وجيش الراشدين والجيش الإسلامي وغيرهم.

وفي حين تنتمي فصائل المقاومة إلى مزيج من الفكر الإسلامي السني المعتدل ما بين الفقه السلفي والتراث الفكري للإخوان ومدارس الوعي الإسلامي في السبعينيات مع نزعة التدين العراقي، ينتمي جيش النقشبندية إلى المدرسة التقليدية السائدة في العراق والمشرق الإسلامي في الفقه الحنفي والتصوف والأصول.

فالقاعدة الفكرية لجيش النقشبندية لا تتفق لا في سلوك القتال ولا في القيم الروحية ولا في الأصول العقائدية مع داعش مطلقا, ولكن التنسيق العسكري لو تم أو تمت الاستفادة من المساحة العشائرية في تأمين وسلامة بعض مقاتليه سيتم ذلك عبر حزب البعث فرع الدوري غالبا, وستبقى مساحة استقلال الفكرة الإسلامية لدى جيش النقشبندية أحد عناصر التأثير في حال تطور المشهد وانقسمت المحاور وتوجه العراق ما بين قوة وطنية إسلامية متعددة في تحالف أو حرب عصابات مشتتة.

أما في السياق الميداني وتأثير رسائله فقد تبيّن أنّ مأزق المالكي أكبر بكثير من صورة سقوط الموصل، ولا يزال حتى تاريخ كتابة هذا المقال يتعرض لانتكاسات متعددة واستعادة مركزية لقوات العشائر تكاد تطبق على الأنبار فيما يخوض حروبا خاسرة في سامراء وحتى فيجي, والعمليات تتصاعد داخل ديالى بصورة مستمرة قد تُفضي إلى سقوطها.

لكن الجانب الرئيسي الذي تراهن عليه إيران، وهي الراعي الرئيسي لحرب المراجع والمالكي على المناطق السنية, هو استعادة زمام المبادرة بعد إعادة تشكيل غرفة العمليات الجديدة بينها وبين فرعها اللبناني، وهو ما صرح به قائده حسن نصر الله، بالتوازي مع دعم روسي لوجستي ضخم يتزامن أيضا مع التدخل العسكري الأميركي بالمستشارين الذين وصلت أول دفعة منهم مع قصف البارجات والطيران الأميركي, وبالتالي تفكيك هذا التقدم للثوار واستعادة مناطقهم بذات الفكرة الإستراتيجية للمحاور الإقليمية والدولية وأدواتها التي طبقت على الثورة السورية.

ومع حضور العنصر الحيوي المهم جدا لبلبلة الميدان في أي وقت وهو انفجار المواجهات مع داعش بعد وصولها لمرحلة حمل الثوار والعشائر على بيعتها والطاعة لها أو التسليم لقادتها الميدانيين, ومع محاولات الثوار تحييد هذه المرحلة إلا أنها لا تزال حاضرة وخطرة ويُراهن عليها المحور المزدوج للاستفادة من أجوائها في الغطاء العربي وفي محارق تعزم واشنطن على تنفيذها وتكرار الفلوجة الثانية في عدة مدن.

وهناك سباق واضح في هذا السياق تتبنى واشنطن وطهران بعثه بقوة رغم كل التحفظات المعلنة عن العملية السياسية, هذا السباق هو دفع دول الخليج العربي للمشاركة في حرب العراق الجديدة بحجة أن داعش هي الخطر الأكبر، وذلك بتكرار نفس الخديعة بأن التفاهم مع إيران ممكن بعد الحرب، وهكذا يُستنزف الموقف العربي من جديد, وتَعزّز هذا الخيار بعد تلقي الدعم السياسي للفكرة من قبل الرئيس السيسي في زيارة وزير الخارجية الأميركي مؤخرا للقاهرة.

إن تكرار التخاذل من دول الإقليم وعدم مساعدتها للجسم الوطني لكيان الثورة الوليد سوف يُعيد تكرار التجربة المرة الدامية، ويُعيد جولة فقدان التوازن الإقليمي في المنطقة والذي قطْعا سيضرب مصالح تركيا وأمن المجتمع العربي

غير أن تمنّع الرياض المستمر من الحرب عرقل هذا المجهود، وقبله التقدم لقوات العشائر وبروز كيان وطني وليد للثورة، وهو ما يُشكك في تصوير الحرب على أنها مع داعش ويُغطي حقيقتها الكبرى بأنها تصفية لأي فكر أو مشروع قادر على الحياة تبعثه قوى وطنية وثورية عراقية تُعيد ترتيب المنطقة من جديد بعودة العراق العربي.

ولا يستطيع المراقب العربي أن يُحدد اليوم مسار التفوق لهذا السباق لكن المؤكد أن موضوع الحرب على العراق بحجة حرب داعش لا يمكن أبدا أن يؤدي إلى ضمانة أمنية منها بعد نهاية الحرب بل العكس. فكيف ذلك؟

إن دعم حرب على العراق تُسحق فيها مناطق السُنة وثورة العشائر سيفُضي إلى تشظيات عنيفة لداعش وعبور جديد لقواتها إلى مناطق مختلفة، ويُعزز الخناق أكثر على أمن الخليج العربي، كما أنه في ذات الوقت يحوّل العراق إلى أرض محروقة ستبعث بحممها للجيران ويُطبق عليها المشروع الإيراني أكثر فأكثر, فيُحرق المشرق العربي بأتون حرب تتولد وتتفرع حتى لو رفعت طهران وواشنطن رايات النصر الكاذبة.

إن جزءا من نتيجة الأوضاع المأساوية التي تعيشها سوريا حصل جراء تخلي الحلفاء الإقليميين عن مسؤوليتهم أمام الدعم الإيراني والإسرائيلي وغطاء موسكو وواشنطن لتصفية الثورة, أو التدخل السلبي لعزل المقاتلين الإسلاميين السوريين عن القوة الوطنية الثورية, مما فتت حالة الميدان وفتح مجالات للاجتهادات التي ساهمت في هذا التقسيم وانتهى المشهد إلى صعود داعش التي نقلت جزءا من ترسانتها من الموصل إلى دير الزور ونجحت في إسقاط مناطق حيوية للثوار, ذهبت فيها تضحيات كبرى لتحريرها من النظام الأسدي.

وعليه فإن تكرار هذا التخاذل من دول الإقليم وعدم مساعدتها للجسم الوطني لكيان الثورة الوليد سوف يُعيد تكرار هذه التجربة المرة الدامية، ويُعيد جولة فقدان التوازن الإقليمي الشامل في المنطقة والذي قطعا سيضرب مصالح تركيا وأمن المجتمع العربي في المشرق وليس النظام الخليجي الرسمي وحسب.

والمؤشرات اليوم تقود إلى ثلاثة احتمالات يتوجه لها المشهد العراقي:

1- تواصل الحشد الأميركي والإيراني مع اللغة الدبلوماسية المُضللة حتى يصبح العراق والخليج العربي تحت ضغط لهيب الحرب التي تُفتح لها القواعد العسكرية، وتزحف القوات الإيرانية بدعم الغطاء الجوي الأميركي والمخابرات الإسرائيلية وينتهي المشهد إلى إعادة احتلال دامية يُعلن عبرها وضع السنة تحت كانتونات القهر الجبري وتُعلن كردستان دولة مستقلة, وتبدأ معركة أخرى لحرب العصابات تسقط كل محاذير وحدود، مستثمرة الانفجار العربي الإسلامي.

2- أما الخيار الثاني فهو فشل هذه الحملة التي قد لا تُواصل الحشد بذات الكثافة والإمكانيات وذلك لصراع تقديرات المصالح الإقليمية والدولية, وبتزامن مع انفجار بين داعش والثورة العراقية، فيكتفي المحوران بحرب الاستنزاف الداخلية لمناطق الثورة, مع استرداد بعض المناطق والقصف الدوري لمناطق العشائر الثائرة, وهي تفتح خيارات تفاوض وانقسام إقليمي خطيرة للغاية بَينيّة ومن داخل دول المنطقة.

3- الخيار الثالث وهو الخيار الممكن واقعيا التعاطي معه وإسناده عربيا وإقليميا، وترفضه واشنطن وطهران، لأنه قد يؤسس لعودة العراق العربي, ولكن في الحالة الأميركية فإن إصرار الإقليم العربي على رفض الحرب والتفاهم مع تركيا الذي يقتضي مغادرة السلوك والتصعيد العبثي في دبلوماسية الخليج البينية ومع جيران الإقليم قد يُغيّر موقف واشنطن.

ما لم يكن التنسيق العسكري دقيقا وواضح المعالم وأيضا التفويض السياسي لفريق أو هيئة لإدارة المفاوضات, فإن صعوبات الثورة ستظل من داخلها ومعرضة في أي وقت للتراجع

هذا الموقف لن يندفع في ظل جدل داخلي أميركي ومخاوف من دعم وشراكة الحرب الإيرانية الجديدة وسيقبل بانسحاب حذر من المشروع ويُقدم له ضمانات من قبل العهد العراقي الجديد.

وبالتالي القبول بنتيجة جديدة على الساحة العراقية تخلص إلى إخراج المشروع الإيراني أو تحجيم نفوذه من قبل إدارة عربية عراقية، سواء كان ذلك عبر مواصلة الزحف إلى بغداد, أو كان بمنظور أكثر واقعية وهو خنق العملية السياسية وتكريس قدرات الثورة الإدارية في مناطقها باتفاق ملزم, مع بقاء ضغطها على بغداد حتى يكتمل المشروع الوطني بعملية سياسية جدية كليا.

هذا الخيار الأخير الذي يتمثل فيه مشروع إنقاذ للعراق ووقف للحرب الطائفية التي أعلنتها المراجع وفتح الطريق أمام عودة العراق العربي, يحتاج إلى وعي كبير من قبل المؤسسات الثورية الميدانية والسياسية العشائرية والدينية, لبناء هذا الهيكل السياسي المهم والتقدم به لمسابقة جسور الحرب وتوظيف انتصارات الثوّار, وهي مسارات متعددة تبدأ من داخل هذا المشروع الذي يفترض أن يحتوي أكبر عدد ممكن من توجهات العراق الوطنية.

على أن يتم تاليا إعلان هيئته السياسية والعمل على دمج أكبر تشكيلات ممكنة في المجلس العسكري العام, ولو شاركت فصائل المقاومة وثوار العشائر مع جيش النقشبندية ومع ضباط كبار من الجيش السابق فإن الميدان سيحسم لصالحهم, بما فيه القدرة على تحييد داعش وهزيمة المليشيات الإيرانية المتعددة في جيش المالكي وخارجه.

وما لم يكن التوحيد العسكري أو التنسيق دقيقا وواضح المعالم وأيضا التفويض السياسي لفريق أو هيئة الإدارة والمفاوضات, فإن صعوبات الثورة ستظل من داخلها ومعرضة في أي وقت لدفعها ودفع العراق للخيارين الآخرين وإحراق أرض الرافدين, حينها لن تنفع الملامة وعذابات الدماء والدموع, فهذا العالم لا تعنيه أنّات الملايين وصيحات العواطف.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك