مهند العزاوي

مهند العزاوي

كاتب عراقي

يشكل استخدام سلاح السدود تكتيكا حربيا غير متوازن, ويجسد حجم الانهيار والاضطراب والفوضى التي تسود منظومة القرار. وبلا شك فإن استخدام القوة إحدى الوسائل لفرض إرادة سياسية ما، عندما تعجز وسائل السلم عن تحقيقها.

سدود العراق في مسرح الحرب
سلاح السدود تكتيك حربي
إستراتيجيات الفوضى والإرباك

يدشن العراق مرحلة جديدة من الحروب الخاصة، حيث تتخطى فيها مفردات القيم والمعايير العسكرية للحرب المتعارف عليها والمنصوص عليها في النظريات العسكرية للحروب النظامية, إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار خلفية الأحزاب الحاكمة ذات التاريخ "المليشياوي" الذي يتسق مع نظرية الفوضى ويبتعد عن نظرية الدولة.

وقد تسلقت تلك المليشيات الوافدة والمحلية سلم السلطة بعد غزو العراق بموافقة دولية لتعزز ظاهرة "المليشيا سلطة" كظاهرة زاحفة من لبنان بكافة مرتكزاتها الطائفية والسياسية والعسكرية والتي تتحكم بنمط الدولة وقراراتها.

أحدث مشروع وصول المليشيات الطائفية إلى سدة السلطة في العراق نقلة نوعية في تراجع أمن واستقرار الشرق الأوسط, بعدما أذكت هذه المليشيات عددا من الحروب الخاصة والنزاعات المذهبية طيلة العقد الماضي, وباستخدام القوة اللامتناظرة التي سخرت لها موارد الدولة.

وقد حظيت هذه المليشيات بدعم إقليمي مباشر وغض النظر الدولي عنها, ونتاجاً لهذه الظاهرة الفوضوية برز فاعل محلي وهم ثوار العشائر من المنتفضين الذين رفعوا مطالب مشروعة رفضت السلطة تحقيقها, مما جعلهم يتبنون قرار التغيير بكافة الوسائل المتاحة, وباستخدام القوة الذي يعد خيارا أخيرا للبقاء.

وكما تؤكد نظريات الصراع أن "القوة جوهر الصراع"، فقد أضحت الحرب في العراق مفتوحة يمتزج فيها التكتيك العسكري والتخطيط الإستراتيجي بالجيوش الأجنبية الوافدة والجيش النظامي والقوة اللامتناظرة المحلية والإقليمية، في مزيج حربي قل نظيره في تاريخ الحرب بالعالم.

الحرب في العراق أصبحت مفتوحة يمتزج فيها التكتيك العسكري والتخطيط الإستراتيجي بالأدوات النظامية واللامتناظرة، في مزيج حربي قل نظيره بالعالم

سدود العراق في مسرح الحرب
اتخذت حكومة بغداد قرار شن الحرب على الأنبار وفض الاعتصامات السلمية بالقوة إثر اقتراب الانتخابات البرلمانية, وكانت بمثابة انعطافة خطيرة تقود العراق إلى المجهول، خصوصا أنها حكومة تصريف أعمال لا يحق لها اتخاذ قرار الحرب, وأن الحرب تشن وفق مرتكزات قانونية وشرعية وحتمية التهديد وتيسر القوة.

ولعل المرتكز الرابع هو الذي اعتمده متخذ القرار ليقود قوة تعدادها 1.3 مليون مسلح بأحدث التجهيزات, ومدعومة بماكينة السلاح العالمي لثلاثي القدرة التسليحية روسيا والولايات المتحدة والصين، التي رفدت هذه الحرب بأحدث الأسلحة والمقذوفات والصواريخ والمستشارين أيضا.

تمكن ثوار العشائر من استيعاب الصدمة الأولى واستعادوا زمام المبادرة بعد مرور شهر من الحرب الحكومية على الأنبار, وقد تمكنوا من تطوير صفحة الدفاع إلى الدفاع التعرضي الذي أوقع في صفوف القوات الحكومية خسائر كبيرة, بعدما أشركت أربع فرق عسكرية من قوات النخبة وما يطلق عليها الفرق الذهبية, وتشكيلات خاصة ومليشيات طائفية مساندة. وبعد هذا الفشل العسكري ولغرض قلب موازين القوى في هذه الحرب، استخدمت حرب الجسور والمعابر والسدود.

ولوحظ كيفية استخدام تفجير الجسور وقطع طرق المواصلات, وكذلك إغراق مدن بكاملها لإيقاف وشل حركة ثوار العشائر التي تعتمد في قتالها على فلسفة "عض واهرب" التي تعد من أبجديات حرب العصابات.

عند تطور وتمدد حرب الأنبار إلى الموصل وصلاح الدين وديالى وتخوم بغداد وانهيار المنظومة العسكرية والأمنية للحكومة, أصبحت سدود العراق في مسرح الحرب وتحت تصرف كافة الأطراف حربيا

وعند تطور وتمدد حرب الأنبار إلى الموصل وصلاح الدين وديالى وتخوم بغداد وانهيار المنظومة العسكرية والأمنية للحكومة, أصبحت سدود العراق في مسرح الحرب وتحت تصرف كافة الأطراف حربيا كما يبدو.

وتتشكل البنى التحتية المائية للعراق من سدود ونواظم متعددة منتشرة على أرض العراق من شماله إلى جنوبه. ولعل من أبرز السدود في رقعة الحرب والتي يتبادل السيطرة عليها الحكومة العراقية ومسلحو العشائر هي:

1. سد الموصل ويقع على نهر دجلة وشمالي المدينة بـ40 كلم.
2. سد "العظيم" على نهر دجلة في محافظة ديالى.
3. سد حمرين ويقع على مسافة 80 كلم عن بغداد وعلى نهر دجلة وفي محافظة ديالى.
4. سدة سامراء وتقع مقابل مدينة سامراء على بعد 7 كلم جنوب سد حمرين، وتقع على نهر دجلة في محافظة صلاح الدين.
5. سد حديثة ويبعد 7 كلم على مدينة حديثة، ويقع على نهر الفرات في محافظة الأنبار.
6. سدة الرمادي وتقع على بعد كيلومترين غرب مدينة الرمادي، وتقع على نهر الفرات بمحافظة الأنبار.
7. سدة الفلوجة وتقع على نهر الفرات وفي محافظة الأنبار، وتبعد عن بغداد 110 كلم.

سلاح السدود تكتيك حربي
تتداخل الإستراتيجيات في الحرب وتمتزج التكتيكات لكسب المعارك, وتصنف الإستراتيجيات وفقا لكتاب "فن الحرب" لمؤلفه "سون تزو" على التنظيم العسكري والقيادة وطرق التفكير التكتيكي في أرض المعركة.

ونجد هذه الإستراتيجيات قابلة للتطبيق بشكل أفضل في عالم السياسة والدبلوماسية, ولعل "القوة هي جوهر الصراع" وأداة السياسة على الأرض.

وتشير الثلاثية الثانية من الإستراتيجيات الستة والثلاثين للحروب الصينية في كتاب "فن الحرب" التي تستخدم في حالة الدفاع وفقدان الأفضلية، إلى أنه يجري استخدام إستراتيجيات الفوضى والإرباك والخداع، وأخيرًا إستراتيجيات المواقف اليائسة.

ويجري توصيف الحرب الدائرة في العراق وسوريا -وتحديدا العراق حاليا- بأنها "حرب شبحية ذكية مركبة", يستخدم فيها مزيج من القوات النظامية والمليشيات المسلحة والأسلحة الجوية والفضائية المتطورة, وتسخر لها كافة موارد الحرب النظامية والدعم السياسي والإعلامي.

إذا قرر الجانب الحكومي استخدام سلاح السدود وفتح بوابتها فإنه سيغرق المدن لغرض تحديد حركة المهاجمين, وتأخيرها لكسب الوقت وإيقاف انهيار القطعات، مع الاعتماد على الضربات الجوية المركزة, واستهداف مقرات القيادة والسيطرة للثوار

وفي هذه الحرب العابرة لقواعد الاشتباك واتفاقيات الحرب, قد تستخدم السدود كسلاح في الحرب وفقا لإستراتيجية المواقف اليائسة, فالجانب الحكومي إذا قرر استخدام سلاح السدود وفتح بوابتها فإنه سيغرق المدن لغرض تحديد حركة المهاجمين, وتأخيرها لكسب الوقت وإيقاف انهيار القطعات مع الاعتماد على الضربات الجوية المركزة, واستهداف مقرات القيادة والسيطرة للثوار.

وفي الجانب الآخر، فإن استخدامها من قبل ثوار العشائر سيكون على سبيل المثال لإيقاف تقدم القطعات الخاصة بالهجوم لتحديد حركة آلياتها ومدرعاتها, وكذلك تحديد التنقل للمشاة وانحسار مناطق التماس المباشر والفضاء الحيوي لجمع المعلومات وإرباك الخطط والعمليات.

وهنا يجري استخدام المياه كمانع طبيعي أسوة بحفر الخنادق الكبرى لتعويق القطعات، كما يجري في المعارك عندما يبنى الدفاع المستقر على مانع طبيعي.

وفي الدفاع التعرضي يحرم استخدام الأرض والتلاعب بالممرات الآمنة, كما أن أي طرف يستخدم هذا التكتيك لا بد أن يكون في موقع اليأس الحربي, ويسعى لكسب الوقت أو الذهاب لفلسفة الأرض المحروقة. ويعود اللجوء إلى هذا الخيار بتداعيات مختلفة أبرزها تأثيرها المباشر على الفضاء الاجتماعي الحيوي، وحالة السكان المحليين والحياة اليومية, ناهيك عن الآثار الإستراتيجية كالزراعة والمخزون الإستراتيجي للمياه والآثار الجانبية النفسية والدعاية المضادة.

إستراتيجيات الفوضى والإرباك
وقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية عن موظف في سد حديثة قوله إن مسؤولا عسكريا أخبره بأنهم قد يحتاجون إلى فتح بوابات السد وخروج المياه منه، فأجابه الموظف بأن "فتح بوابات السد سيغرق البلدات والقرى ويؤذيكم أيضا"، إلا أن المسؤول العسكري أكد أن فتح السدود سيكون ضدهم وضد أعدائهم.

ويسيطر تنظيم الدولة وحلفاؤه على سد حديثة الذي يعد ثاني أكبر سد في البلاد، وهذا دفع المسؤولين العراقيين إلى التخوف من أن يستخدم المسلحون السد كسلاح، ولهذا قرروا الإقدام على خطوة استباقية وفتح السد عليهم لإغراقهم.

وهنا تبرز الخيارات الحربية اليائسة لمنظومة القيادة للحكومة العراقية والتي يصعب تحديد مسؤوليتها, والكيفية التي تعالج بها العمليات الحربية في ظل الفوضى والانهيار الذي أصاب قواتها المسلحة, وإعادة تشكيلها بنظام المتطوعين والمليشيات, وباستشارات أميركية وإيرانية تتفق في قرار الحرب وتختلف في خبراتها وسياقاتها في التطبيقات.

وأصبح من الصعب التكهن بنتائج هذه الحرب ومخرجاتها في ظل دخول فاعلين خارجيين وإدارتهم الحرب بالإنابة.

وبلا شك فإن تعدد الخبرات والرؤى الحربية يولد واقعا حربيا لا يتسق مع المعايير الرسمية للحرب النظامية كقواعد الاشتباك وانتخاب الأهداف وتحديد المهام والقيادة والسيطرة, خصوصا أن مزيج الحرب اللامتجانس وسيادة القوة اللامتناظرة كسمة أساسية للمشهد الحربي يؤكد أن كل الاحتمالات باتت مفتوحة.

استخدام سلاح السدود تكتيك حربي غير متوازن, ويجسد حجم الانهيار والاضطراب والفوضى التي تسود منظومة القرار. وبلا شك فإن استخدام القوة إحدى الوسائل السياسة لفرض إرادة سياسية ما عندما تعجز وسائل السلم عن تحقيقها

وإن خمنا أن المسؤول العسكري قرر -كما ورد في الخبر- استخدام السد المائي الإستراتيجي كسلاح إغراق, فإن هذا القرار يشكل من الناحية التعبوية وسيلة تأخير وإعاقة تقدم ثوار العشائر والفصائل المتحالفة معهم صوب بغداد ومراكز المحافظات التي تتمركز فيها القوات الحكومية.

وسيستهدف فتح السدود خصوصا المدن القريبة من خطوط التماس المائي, لغرض خلق الفوضى والارتباك والخداع. ويندرج ذلك ضمن إستراتيجيات المواقف اليائسة التي تدلل على انهيار وتخبط متخذ قرارها ومستخدميها. وهذا الاستخدام لا يمثل تعجيزا للطرف الآخر لأنه سيغرق مناطق محددة يمكن تخطيها وانتخاب ممرات أخرى بطرق ووسائل بديلة, ولكنه لغرض الفوضى والإرباك وكسب الوقت والخداع وتحقيق المباغتة في مواقع أخرى.

ويشكل استخدام سلاح السدود تكتيكا حربيا غير متوازن, ويجسد حجم الانهيار والاضطراب والفوضى التي تسود منظومة القرار, وبلا شك فإن استخدام القوة إحدى الوسائل السياسية لفرض إرادة سياسية ما عندما تعجز وسائل السلم عن تحقيقها.

وعند اتخاذ قرار باستخدام القوة في الفضاء الحيوي المحلي الذي يضم الموارد البشرية الساندة، لا بد من الأخذ في الاعتبار كيفية الحفاظ على سلامة الفضاء الاجتماعي المساند من الاستهداف والتذمر والضرر. ولعل من أبرز الظواهر التي رافقت المشهد العراقي السياسي والأمني، عدم اكتراث الحكومة ومنظوماتها بأهمية الفضاء الحيوي الاجتماعي، وجعله وقودا للسياسة ودسائسها وضحايا للحروب الداخلية الأفقية.

وأعداد الضحايا العراقيين خلال العقد المنصرم تؤكد أن سبب الانفجار الشعبي والانتفاضة المسلحة هو استخدام المجتمع وقوداً لحكام الطوائف وأمراء المليشيات الذين صنعوا هذا الواقع المؤلم، بعد أن جعلوا من القوات المسلحة مرجلا للطائفية وغيبوا المهنية، واليوم ينسفون كافة القيم الحربية وقواعد الاشتباك في حرب ليست حرب العراقيين، ولكنها حرب بالوكالة فرضت عليهم لأجل البقاء أحياء.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك