عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني


دور المؤسسات البحثية
السيناريوهات المحتملة
تقديرات إسرائيلية

لا يمكن الاستخفاف بالأهمية الفائقة لتطورات الثورات العربية على إسرائيل، فقد تواصلت المتابعات الحثيثة لتطورات الموقف الميداني في المدن العربية، على مختلف الأصعدة السياسية والأمنية والعسكرية، وطغى مشهد الربيع العربي، على مجمل التحركات السياسية الإسرائيلية، الداخلية والخارجية، بحيث لم يبد ما يحصل في شوارع القاهرة ودمشق وطرابلس وصنعاء وتونس شأنا عربيا داخليا، بل إسرائيليا بامتياز!

وتواصلت المتابعات الرسمية الإسرائيلية لتطورات المشهد العربي: سياسيا وعسكريا وأمنيا وإستراتيجيا، وأخذ الجهد البحثي الإسرائيلي مجالات عدة في متابعة التطورات الإقليمية عقب اندلاع الثورات العربية، ويمكن تلخيصها في الجوانب التالية:

دور المؤسسات البحثية
يحتل البحث العلمي دورا مركزيا منذ إنشاء إسرائيل، حيث يقول "دافيد بن غوريون" -أول رئيس وزراء لها- إن نجاح الدولة يتوقف على تفوقها النوعي، لذلك لابد من متابعة أحدث التطورات في العلم والتكنولوجيا، ليكون لها أحسن جيش في العالم، وإلا خسرنا! ولذلك تم توجيه أكثر من 76% من إجمالي الإنفاق الحكومي المخصص للبحث العلمي للأبحاث العلمية.

يحتل البحث العلمي دورا مركزيا منذ إنشاء إسرائيل، ولذلك تم توجيه أكثر من 76% من إجمالي الإنفاق الحكومي المخصص للبحث العلمي للأبحاث العلمية

وهو ما يشير إلى أن هذه المؤسسات بمثابة مراكز أبحاث سياسة مستقلة، تشكل ظاهرة مميزة بصياغة التعاطي مع الربيع العربي، ولكونها تقوم بمعظم مهامها بمعزل عن أضواء وسائل الإعلام يجعلها تحظى باهتمام أقل مما تحظى به المنابع الأخرى للسياسة، كتنافس مجموعات المصالح، ومناورات الأحزاب السياسية، وفروع الحكومة المختلفة، ورغم هذا الابتعاد النسبي عن الأضواء فإن هذه المؤسسات تؤثر على صانعي السياسة الإسرائيليين.

وهنا ترى إسرائيل أن هذه المراكز البحثية يجب أن تكون مؤسسات مستقلة بهدف إجراء الأبحاث، وإنتاج معارف مستقلة متصلة بالسياسة تجاه الدول العربية، تسد فراغا في غاية الأهمية بين العالم الأكاديمي من جهة، وبين عالم الحكم من جهة ثانية، لأن دافع الأبحاث في الجامعات يكون في أحيان كثيرة تلك النقاشات النظرية المنهجية والغامضة التي تمت بصلة بعيدة للمعضلات السياسية الحقيقية.

وتوجد في إسرائيل عشرات المراكز البحثية والمؤسسات العلمية، موزعة على كامل الساحة السياسية الإسرائيلية، تشكل مجموعة غير متجانسة من حيث اتساع نطاق المواضيع والتمويل والتفويض والموقع.

فبعضها يركز على مجالات وظيفية محددة، أو مناطق معينة، في حين تغطي مؤسسات أخرى السياسة الخارجية بصورة عامة، مما جعلها تظهر كلاعب ظاهر، غير أن انتشارها بأعداد كبيرة يشير إلى ثقافة ومجتمع وسياسات إسرائيل أكثر مما يدل على مدى تأثير هذه المجموعة المنوعة من المراكز البحثية في بيئة صنع السياسة والقرارات السياسية المحددة، ومما لا شك فيه أنها قادرة على المساهمة، وقد قدمت مساهمات قيمة في سياستها الخارجية والداخلية.

وقد بدت المدرسة الاستشراقية الإسرائيلية طاغية في دراسة المجتمعات العربية، لرصد إمكانية تفتيتها إلى هويات فرعية متناحرة، لإضعاف الجانب العربي، وهو أمر مطلوب لضمان سيطرة وهيمنة إسرائيل في الإقليم، ولذلك تلعب مراكز الدراسات الإسرائيلية دورا بارزا في تزويد صانع القرار بخيارات وبدائل شتى إزاء القضايا العربية، على اعتبار أنها تهم حاضرها ومستقبلها في المنطقة، وبنظرة سريعة لمقارنة الأكاديمية الإسرائيلية مع نظيرتها العربية، نكشف مدى تقدم الأولى على حساب الثانية، من خلال التصنيفات العالمية للجامعات، والتصنيفات الدولية لترتيب مراكز "الثنك تانك"، فإسرائيل متقدمة في الحالتين.

ورغم أنه لا يمكن القول إن الدراسات العربية فيها موضوعية، بل هي مجندة، لكن المدرسة البحثية الإسرائيلية استعملت الأدوات البحثية الاستشراقية بغية دراسة المجتمعات العربية، في حين أخفق الباحثون العرب في دراسة مجتمعاتهم، نظرا للعوامل سالفة الذكر لعقود طويلة.

السيناريوهات المحتملة
اعتبرت الأبحاث والدراسات المعمقة من أهم الركائز التي اعتمد عليها السياسيون ومتخذو القرارات في إسرائيل في رسم وتخطيط سياستهم، واتخاذ قراراتهم، تجاه الثورات العربية، واستندت المراكز البحثية الإسرائيلية إلى جملة من السيناريوهات التي وضعتها، وجاءت على النحو التالي:

1- تسارع الأسلمة: حيث سينجح الإسلاميون بصياغة دساتير جديدة تجعل الشريعة مصدر التشريع الرئيس، والأنظمة العربية تتحول برلمانية، وتنزع القوة من يد قادة الجيش، وسن قوانين إسلامية في المراحل الأولى، بحيث يدخل الإسلام في كل مجالات الحياة، وهذا احتمال عال.

توجد في إسرائيل عشرات المراكز البحثية والمؤسسات العلمية، موزعة على كامل الساحة السياسية الإسرائيلية، تشكل مجموعة غير متجانسة من حيث اتساع نطاق المواضيع والتمويل والتفويض والموقع
2- ذوبان الإنجاز: من خلال اتخاذ القوى العسكرية والاقتصادية في دول الربيع العربي -التي تخشى أكثر من أي شيء آخر صعود الإسلاميين- لسلسلة من الخطوات السياسية للمس بقوتهم، وتحاول دق إسفين بين السلفيين والإخوان، بحيث تجعل إنجاز القوى الإسلامية أمرا عقيما، ولا يبقى أمام الإخوان الذين لا يرغبون في الدخول بمواجهة، سوى المساومة على السيطرة في السلطة التشريعية، وهو احتمال متوسط.

3- الوضع الراهن: الإسلاميون يفوزون في الانتخابات، لكنهم يحافظون على طبيعة الدول العربية في مصر وتونس وليبيا، ولا يخلطون بين الدين والدولة، ويحرصون على عدم تجاوز الخطوط الحمراء كي لا يصطدموا بالجيش، بحيث إن الديمقراطية فيها تتثبت، والانتخابات تجرى كل بضع سنوات بشكل سليم، وهو احتمال منخفض.

4- حرب أهلية: فبعد أن يفشل الجيش في محاولاته صد صعود الإسلاميين للحكم، يعلن إلغاء الانتخابات، كما حصل في الجزائر، والإخوان يخرجون للشوارع، ليقمعهم الجيش والشرطة بعنف يتعاظم، مما يؤدي لانشقاق في صفوف الجيش، وفي نهاية المطاف حرب أهلية، وهو احتمال منخفض.

تقديرات إسرائيلية
استفاضت مراكز الأبحاث الإسرائيلية في تقدير واقع وتحديات ومآلات الواقع العربي في ظل الثورات العربية سياسيا وأمنيا وعسكريا، وغير ذلك.

1- تقديرات سياسية
عقدت المحافل البحثية ودوائر الدراسات الإسرائيلية سلسلة من الجلسات لمناقشة التقديرات الاستخباراتية للأوضاع العربية، بمشاركة جميع الجهات والمراجع المختصة في شؤون تقديرات الموقف.

وأكدت جميع التوصيات الصادرة على قناعة حقيقية مفادها أهمية اتفاق السلام مع مصر بالذات، كونه أخرجها، وهي أكبر دولة عربية، من دائرة الصراع، وغيّر قواعد اللعبة، في ظل تخوف إسرائيلي من تداعيات هذه الثورات، باعتبار أن النظام المصري الجديد بعد الثورة سيكون منشغلا في تحقيق استقرار شعبه وتطلعاته، مما قد يؤثر على استقرار إسرائيل في المنطقة.

وطرحت تخوفات محدودة، من فرضية انسحاب مصر، ولو نسبيا، من محور "الاعتدال العربي"، وتحولها إلى محور ممانعة، ما يُشكّل خطرا أمنيا وجغرافيا وسياسيا كبيرا على إسرائيل، بدليل أنها تعيش في منطقة غير مستقرة، حيث تحاول إيران استغلال الوضع الناشئ لزيادة نفوذها.
ومن شأن هذه الخطوات والتطورات الأخرى أن تعزّز صحة ما يقال من أن حاجاتها الأمنية ستزداد، مما يقتضي زيادة ميزانيتها.

ورغم أن التونسيين بدؤوا مسيرة الثورات العربية، وينسب إليهم قصب السبق، لكن الثورة المصرية بقيت عنوان التغيير الإقليمي والدولي، لما لها من وزن في التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، ولذلك فإن مثل هذه التحوّلات في موقع مصر بالذات، من شأنه أن يفاقم العزلة والحصار الدولي اللذين تعزّزا ضد إسرائيل، بل يعكس التحول الذي بدأ يظهر في توازن القوى الإقليمية عقب سقوط مبارك.

ولفتت بعض الأوساط الدراسية والبحثية إلى أنه منذ اندلاع الثورات العربية، ازدادت برودة السلام البارد أصلا بين إسرائيل وجاراتها العربية، ويمكن ملاحظة المؤشرات الدالة على ذلك مثلا من خلال توقف مصر عن تزويد إسرائيل بالغاز الطبيعي، وعودة بعض الرموز الإسلامية للقاهرة بعد نفي دام عشرات الأعوام، وربط الوضع الجديد في مصر مع الخطوات الإيرانية.

ومما فاقم من تخوفات المراكز البحثية عقب اندلاع الثورات العربية أن سلام إسرائيل مع الدول العربية، كان مع أشخاص حكام، وليس مع الشعوب، ولما كانت تدرك أن موقف الرأي العام العربي أبعد كثيرا عن التطابق مع رأي الأنظمة، فإنها بدأت تتحسس الآثار المحتملة على تسارع العلاقات العربية الإسرائيلية، بل احتمالات تراجعها، ووتيرة التطبيع ستتراجع، كما أن أي علاقة معها ستكون محفوفة بالمخاطر في المدى الزمني المنظور.

وثمة قلق إسرائيلي آخر تمثل في احتمال استفادة الإسلاميين من التغيير الحاصل في الدول العربية، لأنهم الأكثر تنظيما وخبرة في العلاقة مع المجتمع، بفعل ملكيتهم للجمعيات والمستشفيات والنوادي، ثم إن أغلب استطلاعات الرأي تعطيهم الوزن الأكبر قياسا لغيرهم.

وشكل استمرار معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية نقطة التوافق الأكبر بين الباحثين الإسرائيليين، معتمدين في تفسيرهم على نقطة مركزية هي عمق التبعية الاقتصادية والعسكرية المصرية للولايات المتحدة، واعتبار ذلك ضمانا لعدم قدرة مصر على فك هذه التبعية في مدى زمني متوسط على أقل تقدير.

استبعدت التوصيات الأمنية المقدمة من مراكز بحثية لدوائر صنع القرار في تل أبيب إلغاء النظام المصري الجديد -قبل الانقلاب- لاتفاق السلام، لكنه في المقابل -وفقا لنفس المراكز- سيتوقف عن لعب "دور قارب النجاة" لإسرائيل

وظل الباحثون الإسرائيليون حتى أواخر الثورة المصرية الوحيدين في العالم الذي أعلنوا على الملأ تأييدهم للنظام السابق، لأن كانوا -وما زالوا- يخشون أن تحل سلطة متطرفة محله، وأن الأمر الأهم بالنسبة لهم هو الحفاظ على الاستقرار والسلام بين القاهرة وتل أبيب.

لذلك، فإنه بعد نجاح الثورات العربية، بدأت المراكز البحثية في إسرائيل تعد العدّة لتغير السلطة، وطلبت من الولايات المتحدة ودول أخرى في الغرب رهن تأييد الأنظمة الجديدة، لاسيما في مصر، بشرط الاحترام الكامل لاتفاق السلام معها، وعدم المساس بها مطلقا، وبدت معنية بأن توضح الأسرة الدولية لـ"مصر الجديدة" تنفيذ بعض الشروط لتحصل على الشرعية في الغرب، أهمها احترام الاتفاقات التي التزمت بها السلطة السابقة.

في الوقت نفسه، أوفدت وزارة الخارجية الإسرائيلية عددا من الباحثين الإسرائيليين المرموقين، لبعض العواصم الغربية لعقد سلسلة من اللقاءات العاجلة والمشاركة في المؤتمرات البحثية، للإعراب عن أملهم بأن تتحقق السيناريوهات "المتفائلة" التي وضعوها بشأن تطورات الأحداث في الدول العربية، وليس "المتشائمة"، وأحد هذه السيناريوهات يشير لحالة عدم الاستقرار في الدول العربية بما سيتيح لعناصر إسلامية إمكان السيطرة على السلطة، وهو ما من شأنه أن يلحق ضررا كبيرا بمستقبل إسرائيل في المنطقة.

وعلى سبيل المثال، فقد استبعدت التوصيات الأمنية المقدمة من مراكز بحثية لدوائر صنع القرار في تل أبيب إلغاء النظام المصري الجديد -قبل الانقلاب- لاتفاق السلام، لكنه في المقابل سيتوقف عن لعب "دور قارب النجاة" لإسرائيل لإخراجها من العزلة الدولية المفروضة عليها، وستقوم بتحسين علاقاتها مع الفلسطينيين عموما.

ودفعت التحليلات السياسية والأبحاث الإستراتيجية الإسرائيلية لقراءة ما يحدث في مصر، باعتباره "مأساة" ستحل بتل أبيب نتيجة تغيير نظام الحكم في القاهرة، ما قد يعني ترجيح عودة العلاقات لما كانت عليه عام 1966، قبل النكسة واحتلال الأراضي العربية في عدوان 1967، مما يطرح تخوفا إسرائيليا كبيرا، لاسيما بالنظر لتبعاته بعيدة المدى، حين يتوجه الشعب المصري لصناديق الاقتراع، وانتخاب القوى المعادية لإسرائيل، وبالتالي سيكون النظام المصري الجديد على شاكلة تركيا اليوم.

وبصورة أكثر تفصيلا، تفترض هذه الدراسات السياسية الإسرائيلية أنّ القوى المعادية لإسرائيل، ستسيطر على مقاليد الحكم، وبعد مرور فترة زمنية ستمتد تلك القوى للجيش، وهو الأقوى في الشرق الأوسط بعد الجيش الإسرائيلي، وهنا تكمن مشكلتها الكبيرة، لأن ذلك سيعني بصورة أو بأخرى تحديد هذه القوى في العقود القادمة القريبة للأجندة السياسية في المنطقة.
(يتواصل في الجزء الثاني)

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك