عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي


كانت سيطرة قوات الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على الموصل خلال يومي 11 و12 يونيو/حزيران الجاري الحدث الأبرز في العراق، والذي كان إشارة لافتة إلى أن "الكيانية" التي تأسست عليها الدولة العراقية ما بعد الاحتلال هشة وضعيفة وفاشلة.

فليس من المعقول أن يستطيع بضعة آلاف من المسلحين احتلال مدينة الموصل دون مواجهة تُذكر، وهو الحدث الذي لم يكن أحد من إدارة الدولة توقّع حصوله، خصوصا أنه أصبح معروفا ومتداولا وجود نحو مليون جندي عراقي، فكيف حصل ذلك؟

قد يكون انشغال الفرقاء -ولا سيّما من دولة القانون- بترتيب موضوع الوزارة وتشكيلاتها بعد الانتخابات، خاصة أن الصراع الطاغي والمحموم ينصبّ حول موضوع الولاية الثالثة، وهو الأمر المحتدم والمتأجج بامتياز منذ شهور، فهناك من يضع خطوطا حمراء على ذلك، في حين هناك من يدعو للامتثال إلى صندوق الاقتراع الذي جاء بالمالكي مرّة أخرى، حيث حصل على 95 مقعدا، وبتحالفاته مع قوائم صغيرة، فقد أصبحت قوته بحدود 120 مقعدا، لكن الأمر يحتاج إلى 164 مقعدا لتشكيل الوزارة.

الخشية قائمة اليوم من تفكّك الدولة العراقية التي تأسست عام 1921 وانهارت بفعل الاحتلال الأميركي عام 2003، لكن كيانها استمر في حالة من الضعف والتدهور والانقسام بفعل المحاصصة المذهبية والإثنية التي كرسها بريمر

ما حدث في العراق على يد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا "داعش" هو إحدى نتائج الاحتراب السياسي، وغياب الرؤية المشتركة للفرقاء، ومحاولة كل طرف الحصول على المكاسب وتهميش الآخر، ولم تنجح الحلول الأمنية والعسكرية في القضاء على أزمة الفلوجة المستفحلة منذ نحو ستة أشهر، إضافة إلى عدم تلبية مطالب المحتجين المشروعة في الأنبار والموصل وصلاح الدين وديالى وكركوك ومناطق حزام بغداد وغيرها.

والخشية اليوم هي في تفكّك الدولة العراقية التي تأسست عام 1921، وانهارت بفعل الاحتلال الأميركي عام 2003، لكن كيانها استمر في حالة من الضعف والتدهور والانقسام، بفعل المحاصصة المذهبية والإثنية ونظام التقاسم الوظيفي، الذي كرّسه بول بريمر الحاكم المدني الأميركي للعراق، سواء في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية عام 2004، أو الدستور العراقي الدائم عام 2005 الذي تحدّث عن المكوّنات، في حين كان ينبغي له أن يتعامل مع العراقيين كمواطنين، كما تفعل الدولة الديمقراطية والعصرية، والتي يتحدّث أطراف العملية السياسية عن ولوجها.

لقد اختلطت خلال الأسبوع الماضي أوراق السياسة وتعقيداتها وتضارب المصالح واتفاقها بأوراق الحلول العسكرية والأمنية، خصوصا تسلّل قوات داعش واحتلالها مناطق شاسعة من شمال العراق وغربه، وسط ذهول وقلق عالميين وإقليميين، وحالة ذعر عراقية لا تزال مستمرة، صاحبها ارتفاع أسعار المواد الغذائية وشحّ بعضها وارتفاع أعداد النازحين، وتدهور ثقة المواطن في الدولة المتدهورة أصلا.

كيف استطاعت قوات داعش أن تسيطر بهذه السرعة الخاطفة على الموصل وتكريت وتتوغل شرقا وجنوبا مهددة بالوصول إلى بغداد ومناطق أخرى، لا سيّما بعد النصر السهل الذي حققته، فالأمر بحاجة إلى قراءة غير تقليدية للوقائع.

أولا: إن تعداد قوات داعش في العراق يربو على سبعة آلاف مقاتل، وهو -وإن كان رقما ضئيلا قياسا للجيش العراقي- عبارة عن قوات مدرّبة، ونواتها الأساسية عقائدية، وتمكّنت من غسل الكثير من الأدمغة والتأثير على العقول، مستغلة حالتي الفقر والجهل، إضافة إلى الإقصاء والتهميش التي تشعر به مناطق عديدة من العراق -ولا سيّما المناطق السنية- كما تمتلك داعش أموالا طائلة، ولديها قدرة جبائية هائلة، وهو ما يعرفه الأميركيون والإيرانيون على حد سواء.

ثانيا: وجود بيئة حاضنة لدى تنظيمات داعش، فقد كانت على مدى عام ونيّف تتقاضى إتاوات من المواطنين في الموصل، وتفرض نفوذها السياسي والمعنوي على الناس دون أية مساءلة من جانب القوات المحلية أو الاتحادية، التي تركت الحبل على الغارب، خاصة مع انشغال القوى السياسية ببعضها البعض.

أصبحت داعش بعد استيلائها على نحو أربعمائة مليون دولار من بنوك الموصل -إضافة إلى عجلات وسيارات وكميات من العتاد- منظمة يحسب لها حسابها، حيث ازداد نفوذها واندفع قسم من البعثيين والضباط السابقين إلى التحالف معها ضد حكومة المالكي

ثالثا: إن هيمنة داعش على الموصل دون مقاومة تُذكر وانسحاب أو هروب القوات الاتحادية يضعان علامات استفهام كبيرة حول دورها وتواطؤ بعض القياديين من العسكريين أو السياسيين لتسهيل مهمة هؤلاء، وقد كان تأثير ذلك كبيرا على معنويات أفراد القوات المسلحة في مناطق أخرى، ناهيك عن انعكاساته على الجانب الشعبي.

رابعا: وجود تنسيق بين بعض قيادات الجيش الاتحادي، وخصوصا من بعض المحسوبين على النظام السابق، وبعض قيادات داعش وقوى تابعة للنظام السابق أو من المنتمين إلى حزب البعث، خاصة أن بعض هؤلاء وأولئك كانوا ضمن قوات الحرس الجمهوري في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين. وحسبما تشير بعض المعلومات، فإن بعض القياديين في القوات الرسمية سهّل المهمة للقوات "الداعشية" من خارجها للسيطرة على مواقع عسكرية مهمة.

خامسا: وصول الطبقة السياسية في أغلبها باستثناء دولة القانون إلى قناعات من أن استمرار الوضع كما هو ودون تغيير سيؤدي إلى تفتت الدولة، وقد يصل إلى الحرب الأهلية التي سيكون التقسيم بعدها حلاّ مرضيا، حتى وإن كان سيئا لكنه سيأتي بعد إيقاف نزيف الدم ووقف القتال، كما أن رؤية دولة القانون -هي الأخرى تنادي بالتغيير- تتركز على إنهاء شكل المحاصصة القديم، والإتيان بحكومة أغلبية سياسية، وهو ما يثير مخاوف القوى الأخرى التي تعتبره زيادة في عملية التهميش ومبرّرا جديدا للإقصاء والعزل.

لقد أصبحت داعش بعد استيلائها على نحو أربعمائة مليون دولار من بنوك الموصل، إضافة إلى عجلات وسيارات وكميات من العتاد، منظمة يحسب لها حسابها، حيث ازداد نفوذها واندفع قسم من البعثيين والضباط السابقين إلى التحالف معها ضد حكومة المالكي، خصوصا بعد أن أصبحت مساحة حركتها واسعة من الرقة إلى الموصل، فضلا عن تحركات حلفاء لها في كردستان العراق من النظام السابق، الذين يشكّلون غطاء سياسيا لها.

وستزداد المشكلة تعقيدا بخصوص كركوك التي وضع الكرد اليد عليها بعد انسحاب القوات الاتحادية، وهي "قدس الأقداس" على حد تعبير جلال الطالباني الرئيس العراقي الغائب لأسباب صحية منذ نحو عامين، وسواء تم القضاء على داعش أو استمرت لحين، لكنه سيكون عسيرا عودة القديم إلى قدمه، فهذه مسألة صعبة للغاية إن لم تكن مستعصية، وقد تحتاج إلى عملية جراحية، لكنها قد لا تكون ناجحة، أي اللجوء إلى الحل العسكري، الأمر الذي سيضع البلاد كلّها في أتون حرب طاحنة.

إن الاحتدام الطائفي ازداد سعارا سواء باحتلال داعش للموصل وتهديداتها ووعيدها بالانتقام والثأر، أو بكمية المتطوعين الذين انخرطوا للدفاع عن الوضع القائم، كجزء من واجب "شرعي" كما جرى تبريره، حين أصدرت مرجعية النجف الفتوى التي دعت فيها إلى حمل السلاح دفاعا عن الممتلكات والأرواح ضد الإرهابيين والمتطرفين.

الاحتدام الطائفي ازداد سعارا سواء باحتلال داعش للموصل وتهديداتها ووعيدها بالانتقام والثأر أو بكمية المتطوعين الذين انخرطوا للدفاع عن الوضع القائم، كجزء من واجب "شرعي" كما جرى تبريره من مرجعية النجف

وكانت إيران قالت إن بإمكانها المساعدة في التصدي للإرهاب، وهو الأمر الذي يثير مخاوف إقليمية ويجعل المسألة العراقية مرّة أخرى على طاولة التدويل، سواء بدخول بعض دول الخليج أو الحضور التركي، وهو الأمر الذي تقف واشنطن حائرة أمامه، حيث اكتفت بتأكيدات عامة حول أن جميع الخيارات مفتوحة أمامها، وقامت بإرسال حاملة الطائرات جورج بوش لتكون قبالة شواطئ المنطقة.

الصراع لن يحسم في الموصل كما لم يحسم في كركوك، والأمر لا علاقة له ببقاء رئيس الوزراء المالكي أم اضطراره لمغادرة موقعه. قد تكون المسألة الطائفية وتشظياتها أحد تحدّيات داعش وما بعدها، وهي لا تخص بغداد وحدها، بل تخص إيران بقدر ما تخص واشنطن، لا سيّما امتداداتها والمحاذير التي قد تجلبها على المصالح الأميركية في عموم دول المنطقة.

وتدرك واشنطن قبل غيرها -وخصوصا من تجربة احتلال العراق- أن التفاهم العراقي مرهون بدور إيراني متميّز ودور أميركي كبير. هل سيكون التفاهم الإيراني-الأميركي بشأن الملف النووي مقدمة لتفاهمات إقليمية إيرانية-سعودية وإيرانية-عربية، لا بخصوص الموصل والعراق فحسب، بل بشأن سوريا وحزب الله وحماس والخليج وأوكرانيا؟ وهو الأمر الذي قد يكون منفصلا عن بعضه، لكنه متصل على نحو وثيق، وهو ما أثبتته سنوات الصراع خلال العقود الأربعة الماضية، ولا سيّما منذ الحرب العراقية-الإيرانية.

إن مرحلة من هذا القبيل تقع في صلب الترتيبات الإيرانية-الأميركية، وقد أبدى الرئيس الإيراني حسن روحاني استعداده للتعاون مع واشنطن في إعادة الأمن للعراق، وفي مواجهة الجماعات الإرهابية في العراق وفي أماكن أخرى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك