مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


انفتحت أبواب أسئلة غزيرة على قرار حماس توقيع اتفاقية المصالحة الفلسطينية مع الرئيس محمود عباس وباقي قيادات فتح رغم أنها لم تحسم أهم بنود التوافق الوطني الفلسطيني في إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية أولا كممثل شامل للشعب الفلسطيني بناء على الشرعية الديمقراطية والنضالية معا، والتي يمثل سهم حماس فيها كواقع على الأرض نسبة كبيرة من أبناء الشعب.

كما أن الاتفاقية وتشكيل الحكومة الجديد لم ولن يوقفا التنسيق الأمني مع تل أبيب والذي يستهدف في الأصل اجتثاث المقاومة ومحاصرة حاضنتها الاجتماعية في غزة بعد محاصرة الضفة الغربية، وهذا ضمن الأهداف المعلنة لمنتجات أوسلو وتطوراتها على الأرض وليس تحليلا سياسيا.

يأتي هذا في وقت تقدمت فيه غزة عبر تضحيات كبيرة وصمود لتصنع أرض مقاومة ثابتة تحوي معهدا بشريا لفكرة التحرير لكامل الأرض الفلسطينية وقلبها القدس، في أجواء لم تتحقق للشعب الفلسطيني طوال عقود.

فلماذا تقدم حماس على مثل هذه الاتفاقية وتعرّض هذه المحاضن ومشروع المقاومة الفكري والميداني لاختراق أمني واسع؟

والحقيقة أن الجواب عن هذا السؤال المهم والإستراتيجي للقضية الفلسطينية وليس لحماس فقط ينطلق من المفهوم والمخاوف ذاتها، ولكن عبر بعد وعمق أشد خطورة على مشروع غزة وهو اجتثاث هذا المشروع بأداة وإرادة عسكرية عنيفة يدعمها أكبر توافق دولي وإقليمي وعربي عاشته فكرة المقاومة الفلسطينية في تاريخها.

اتفاق المصالحة وتشكيل الحكومة الجديد لم ولن يوقفا التنسيق الأمني مع تل أبيب والذي يستهدف في الأصل اجتثاث المقاومة ومحاصرة حاضنتها الاجتماعية في غزة بعد محاصرة الضفة الغربية
لقد تغير المشهد كليا بعد النقض الدامي للربيع العربي وأضحى أهون ما على محاور المنطقة الرئيسية إقليميا في طهران وتل أبيب والبعد العربي  طرح تصفية غزة كملف تلاقٍ وتقاطع لتوافقات أخرى تعبر على جسد غزة والمقاومة الفلسطينية، ولا توجد مطلقا في حسابات المشهد وإعادة تصويره الدقيقة أي مساحة نفوذ لمشروع غزة للبقاء سوى العمل على ترحيل هذا المضيق العنيف إلى دائرة تاريخ أفضل لم تُقرأ معالمها، لكن الواقع يؤكد يقينا أن ظروف هذا الزمن صعبة جدا للمشروع الفلسطيني المقاوم.

إن إشكالية عدم فهم الاحتساب الإلهي، وأنه لا يغيّر قاعدة الأسباب لا تزال حاضرة في ذهن بعض الجمهور الإسلامي، بما فيها دفع غزة لمواجهة لا تتضح حساباتها.

كما أن حرب التحالف الإيراني وعمقه الطائفي على الشعب السوري والدعم الذي تلقّاه ابتداء من تل أبيب ثم انضمام المحور العربي له بقوة وحصيلة القتلى والجرحى بمئات الآلاف وتهديد وجود الثورة السورية يجعل الموقف من مشروع غزة الفلسطيني في غاية الحذر من دفع الشعب الفلسطيني لكيلا يتكرر ما أصابه في مخيم اليرموك من تجويع أو تصفية عبر الأركان والمحاور ذاتها التي اتحدت ضد الشعب السوري، وبعمق جغرافي أعقد.

لقد كان واضحا أن وصول الحكم العسكري المطلق في مصر للسلطة بعد الإطاحة بثورة يناير يتخذ موقفا حادا من الشعبين السوري والفلسطيني، خاصة مشروع مقاومة غزة، وتم رفع سقف التحريض الإعلامي على الشعبين، ثم تخصيص حماس وغزة بحملة صورتها فعليا بأنها هي العدو في العقيدة القتالية للجيش المصري وليست إسرائيل، ولم تعد هذه الأقوال تخمينات بل تصريحات على الأرض وفي الإعلام.

وتم تمهيد الأرض كليا للخطة المزدوجة التي تحدثت عنها تل أبيب وحرّض عليها بعض الإعلام المصري كمشروع وطني لعهد المشير السيسي عبر عملية عسكرية إستراتيجية تنطلق من الضفتين في سيناء وعبر القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية للتصفية الوجودية لمشروع غزة، مع دعم لوجستي ومادي ضخم من كل المحاور التي أشرنا إليها.

والسؤال هنا: ما هو المخرج الذي كان يمكن لمشروع غزة الفلسطيني أن تفكر فيه وتراجع موقفها؟
وأين توجد لها أي مساحة للتراجع الأمني لامتصاص الضربات؟ فموقف نظام الرئيس مبارك كان يعتمد على الحصار المساند لتل أبيب في حرب غزة 2009 مع حرج في تضييقه الإنساني على القطاع يضطره لبعض التجاوب المحدود.

أما موقف المشير السيسي والمؤسسة العسكرية فهو طرف حرب مباشر متحد الاجتياح مع القوات الإسرائيلية، ووضع الجندي المصري في خانة المحارب للشعب الفلسطيني، لقد كان هذا المشروع واضح المعالم، إضافة الى مسار رئيسي وهو أن أي تعثر لمشروع المشير السيسي الرئيس يدفعه للحاجة إلى مشروع حرب يبرر به تعثره فيعود من جديد لفكرة المشروع العسكري مع غزة.

لقد باتت غزة تواجه وضعا خطيرا غير مسبوق دون أي مساحة مرونة -فيما أن أي اتفاقية سياسية تخلي المسؤولية عن الحكومة المقالة في غزة التي دائما يحتج بها لهذا الحصار العسكري والإنساني- سيخلق مساحة زمنية من الترحيل مهمة جدا لمشروع غزة الفلسطيني وتأمين المدنيين، فما باشرته حماس هو ضرورات المرحلة القصوى التي لا مجال لتجاوزها، وهو منهج وقراءة نجحت فيها قيادتها من جديد للعبور بمشروع فلسطين المقاوم إلى بر أمان مرحلي.

وهو مرحلي بالقطع، لكن ظروف الأرض وعالم السياسية لا يتوقفان عند مشهد معين بل يتغيران في ظل اضطرابات إقليمية كبرى.

نعم نجحت في إسقاط المشهد الرئيس للربيع العربي، لكن لا يُعرف إلى أين تتوجه بوصلة الأحداث وعلاقات حلفاء اليوم في ظل الرمال المتحركة للشرق الأوسط.

وفي الوقت ذاته كان الرئيس محمود عباس يواجه أزمة سياسية كبيرة لم يحسب لها حسابا، فمع تصفية رئيس وزراء تل أبيب نتنياهو أي فرصة أو مساحة ولو وهمية يتمسك بها المفاوض الفلسطيني بات مشروع رام الله مسدودا كليا، لكن ما أحرج أبو مازن وفريقه الخاص في فتح هو استثمار هذا الوضع من قبل مشروع انقلابي كامل لمحمد دحلان المقيم في أبوظبي يطيح بأبو مازن، وترى فيه تل أبيب فرصة تاريخية لتصفية أي مسؤوليات اضطرت لها من تبعات أوسلو.
رغم الجدل المبكر بشأن تداعيات اتفاق المصالحة فإن قدرات الأرضية الاجتماعية والجهاز الأمني لغزة المواجه لتل أبيب والمخابرات العربية الحليفة ستبقى مانعا أمام هذا الاختراق

وكان واضحا للغاية خشية حركة فتح من زحف دحلان الممول بمبالغ وميزانية ضخمة لتحقيق معادلة شراكة كبرى في المنطقة لمصلحة تل أبيب عبر صعود المحور الخليجي الجديد لتغيير مقاعد رام الله وخلق الدولة اليهودية وتهويد القدس، في حين يُمنح الفلسطينيون مستوطنات سُرقت من أرضهم دون أي صيغة لدولة ممكنة الحياة.

ورغم أن الرئيس عباس نفسه كان يستدرج لهذا المصير فإن نظرية الصراع داخل فتح والخوف من محمد دحلان وموقف حماس -الذي ساهم في إحباط خلية دحلان الأخيرة لهيكلة فتح لصالحه- شجعاه على هذه الاتفاقية التي قد تقطع الطريق على المشروع الإقليمي الكبير لاستبدال أبو مازن بشخصية تتطوع لاعتماد مشروع إسرائيل الجديد كشريك فلسطيني.

في كل الأحوال، فإن غزة وحكومتها كركيزة للمشروع المقاوم للشعب الفلسطيني استفادتا من هذا الصراع في لحظة اضطرار فارقة تؤجل على الأقل حرب الضفتين، ورغم أن وصول حكومة جديدة خاضعة للاتفاق الأمني مع تل أبيب من بعض أعضائها خطير على غزة فإن بسط الهيمنة على غزة لمصلحة هذا المشروع ونقض المحضن الاجتماعي الصلب فيها ليسا سهلين على الإطلاق، حتى ولو لم تطبق فتح بنود الاتفاق خاصة ما تعلق بحصة حماس والفصائل في الحكومة الجديدة.

وقد بدأ الجدل مبكرا بشأن امتناع رئيس هذه الحكومة عن دفع رواتب موظفي غزة, لكن قدرات الأرضية الاجتماعية، والجهاز الأمني لغزة المواجه لتل أبيب، والمخابرات العربية الحليفة ستبقى مانعا أمام هذا الاختراق.

وبالتالي ليس من السهل تصفية مشروع غزة عبر هذا الاتفاق, مع وجود مساحة زمنية مهمة لمشروع فلسطين المقاوم الذي يحتاج الى دورة زمنية طويلة في دحرجة كرة الثلج قد تتوقف مرحليا حتى لا تتفتت أمام صخرة عاتية, ولتبقى قوة المشروع في مخزنه الداخلي وعمقه الصلب حتى ولادة الميدان من جديد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك