عبد الجليل زيد المرهون

عبد الجليل زيد المرهون

باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي.

حدود التكامل العربي
انهيار شبكة الإمدادات
مستقبل سلة الغذاء
بحث عن الهوية الجامعة

كيف يبدو تأثير الأزمة السورية على مسار التكامل الإقليمي العربي؟ وما التجليات الراهنة لهذا التأثير؟ وأي انعكاسات خلفتها الأزمة على الفكر القومي ومقاربته لقضايا الوحدة العربية؟

حدود التكامل العربي
مثلت الوحدة العربية طموحا تاريخيا ممتدا، سعت إليه الأجيال، وناضلت في سبيله القوى الطليعية الحية، على امتداد الوطن العربي.

والوحدة العربية ليست هدفا طوباويا، وليست أماني معلقة في الهواء، بل هي الأصل في وجود الأمة، وستعود إلى هذا الأصل يوما.

ولقد أثير الكثير من النقاش الفكري والسياسي حول سبل تحقيق الوحدة العربية، وماهية المداخل الصحيحة لذلك.

والتقت معظم الأدبيات، التي صدرت في ستينيات القرن الماضي وما بعدها، على القول إن التكامل الاقتصادي العربي هو أكثر المداخل واقعية.

وهنا، ثار نقاش فرعي مفاده: هل التصنيع -القائم أو المنشود- هو الطريق الأجدر لإطلاق مسيرة التكامل الاقتصادي العربي، أم أن الزراعة هي السبيل الأمثل لذلك؟

هذا الخلاف لم يكن خلافا تقنيا، بل ثقافيا وأيديولوجيا، تموضعت فيه التيارات الفكرية والسياسية المتباينة.

رغم الإدراك العام بأن الزراعة لا توازي في نواتجها ومخرجاتها البرامج الصناعية الكبيرة، فإن الرؤى استقرت على أن فرص تحقيق تكامل عربي في التنمية الزراعية تبدو أكبر مما هي عليه في القطاعات الإنتاجية الأخرى

وفي الأخير، لبس المجتمع العربي رداءه لا رداء الآخرين، وأصرّ على أن ينطلق من حيث هو: مجتمع زراعي أولا، حري به مواكبة النهضة، والدخول في العصر الصناعي.

هذه قناعة المجتمع ذاته، لم تغيّرها المقولات المؤدلجة. والسبب في ذلك بسيط، هو أن الزراعة كانت ضرورة حياة.

وعليه، اتجهت الدولة -في أغلب الأقطار العربية- لتأكيد الواقع القائم، والنظر إلى الزراعة باعتبارها رافعة فعلية أو محتملة للتنمية. وقد حدث هذا -على وجه خاص- في المغرب وتونس والسودان ودول المشرق العربي، حيث بدت مقومات الزراعة جلية.

وعلى الرغم من الإدراك العام بأن الزراعة -والصناعات المرتكزة عليها- لا توازي في نواتجها ومخرجاتها البرامج الصناعية الكبيرة، خاصة التعدينية منها، فإن الرؤى استقرت على أن فرص تحقيق تكامل عربي في التنمية الزراعية تبدو أكبر مما هي عليه في القطاعات الإنتاجية الأخرى، بما في ذلك الصناعة.

وتبلور -في الوقت ذاته- إجماع على أن الزراعة النباتية والحيوانية، والصناعات المرتكزة عليها، يُمكنها -من الناحية الفعلية- الحد من الانكشاف الغذائي العربي من جهة، ورفع مستوى التجارة العربية البينية من جهة أخرى، على نحو يصعب تحققه استنادا إلى بقية الخيارات المتاحة.

وعليه، بدت الزراعة خيارا تنمويا، بقدر ما كانت سبيلا لبلورة صور جدية للعمل العربي المشترك.

هذا النقاش المعرفي القومي، انطلق بقوة في خمسينيات القرن العشرين، واستمر في العقود التالية بأشكال مختلفة، ولا يزال اليوم يمتلك مبررات الديمومة والتواصل.

وبطبيعة الحال، لم يتحقق التكامل الزراعي العربي، ولم تُصنع سلة الغذاء العربية الموعودة. وعلى الرغم من ذلك، تحققت تجارة عربية بينية، مرتكزة أساسا على الإنتاج والتصنيع الزراعي، وتطوّرت على مر السنين.

هذه التجارة بدت مكسبا عربيا ثمينا، في وقت غابت أو اضمحلت فيه الصور المختلفة للعمل الاقتصادي العربي المشترك.

انهيار شبكة الإمدادات
ومنذ سنوات ثلاث، بدت الأزمة السورية بمثابة عامل ضغط كبير على هذه التجارة، وذلك لسببين هما: التوقف شبه التام للصادرات الزراعية والغذائية من سوريا، وتضرر حركة النقل الإقليمي البري، التي تعد المنافذ السورية ممرا تقليديا لها.

لقد تضررت بشدة حركة التجارة بين تركيا (واستتباعا بعض الشرق الأوروبي) وبين الدول العربية، وفرَض ارتفاع تكاليف النقل -نتيجة إغلاق المنافد السورية- ضغوطا كبيرة على فاتورة الغذاء، وباتت بعض السلع الغذائية تباع في دول المنطقة بأكثر من ضعف سعرها الذي كانت عليه قبل ثلاثة أعوام.

لبنان كتركيا وقع هو الآخر فريسة الأزمة السورية، وبات مخيرا بين ترك سلعه الغذائية في مخازنها، أو دفع تكاليف شحن بحري وبري مزدوج، بنقلها إلى ميناء العقبة الأردني، وإعادة شحنها برا من هناك

كذلك، كان التجار الأتراك يملكون العديد من المصانع المسجلة في حلب، وكانوا يستفيدون نتيجة ذلك من الإعفاءات والتخفيضات الجمركية على دخول بضائعهم إلى الأقطار العربية المختلفة، وكانت قدراتهم التنافسية نتيجة لذلك عالية جدا.

وكما تركيا كذلك لبنان، وقع هو الآخر فريسة الأزمة السورية، وبات مخيرا بين ترك سلعه الغذائية في مخازنها، أو مواقع إنتاجها، وبين دفع تكاليف شحن بحري وبري مزدوج، بنقلها إلى ميناء العقبة الأردني، وإعادة شحنها برا من هناك.

وأمام ضعف القدرة التنافسية التقليدية، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، كانت النتيجة أن ترك المزارعون اللبنانيون حصادهم يكسد في مواقع إنتاجه، حيث لا مجال لاستيعابه محليا. وهنا، تضاعفت أزماتهم، وازدادوا غرقا في ديون لا أفق للخلاص منها.

بدورها، تضررت تجارة قبرص العربية بفعل الأزمة السورية.

وكما هو معروف، فإن السفن القبرصية (الجنوبية) محظورة من دخول الموانئ التركية، لذا تشحن الكثير من البضائع إلى اللاذقية، أو الموانئ اللبنانية، ومن هناك تتحرك باتجاه العراق والأردن، وبقية الأقطار العربية.

هذا الوضع لم يعد متاحا الآن في أي من الاتجاهين، وأصبح التجار القبارصة مضطرين لدفع تكاليف شحن عالية وغير تنافسية.

في المقابل، بدا ميناء العقبة وقد ازداد نشاطا بعد الأزمة السورية، لكن الأردن ذاته خسر واحدا من أهم طرق الشحن البري في الشرق الأوسط، ذلك الذي يربط تركيا وسوريا بدول الخليج والجزيرة العربية. وبخسارته هذه، فقد الأردن وظيفته كدولة "ترانزيت" للتجارة البرية في هذا الشرق.

وفي هذه الأثناء، خسرت سوريا والعراق معا طريقا بريا آخر لحركة التجارة في الشرق الأوسط، هو ذلك الذي يُمثله خط القائم-البوكمال، الذي يُعد من أبرز طرق إمدادات الغذاء في المنطقة. هذا فضلا عن تضرر المعبر المتجه إلى البادية، عند مثلث الحدود السورية العراقية الأردنية، وإغلاق معبر اليعربية-ربيعة.

لقد كانت التجارة الزراعية والغذائية -التي تتوسطها سوريا- تُمثل حالة نادرة للتكامل الاقتصادي العربي، وبضربها فقد العرب ما قد يكون آخر صور تكاملهم.

مستقبل سلة الغذاء
سوريا بلد زراعي، تصل نسبة الأراضي الزراعية فيه إلى أكثر من 30% من إجمالي مساحة اليابسة، وهي أعلى نسبة مسجلة عربيا، وتماثله في ذلك تونس، ويأتي بعدهما لبنان بنسبة تصل إلى 21.4%، ثم السودان بواقع 14%. ويبلغ المعدل العربي الوسطي 5.3% والعالمي 11.8%.

كذلك، تحتل سوريا مرتبة متقدمة على صعيد حصة الفرد من الأراضي المنتجة المتاحة، القادرة على إنتاج المصادر الحيوية.

وقبل ثلاثة أعوام، كان المزارعون السوريون يصدرون سنويا ما يقرب من مليوني طن من الخضراوات و212 ألف طن من المنتجات الحيوانية.

وفي عام 2010، احتلت سوريا المركز الخامس عالميا في صادرات البندورة، بواقع 407619 طنا، بعد تركيا (574279 طنا)، وقبل المغرب (372112 طنا). كما احتلت المركز الرابع في صادرات البطيخ الأحمر، بواقع 211026 طنا، بعد إيران (348316 طنا)، وقبل الولايات المتحدة (192892 طنا)، والمركز السادس في صادرات العدس، بواقع 42065 طنا، والثامن في صادرات زيت الزيتون البكر (17438 طنا) بعد تركيا وقبل الأرجنتين.

كما احتلت المركز الثامن في صادرات البرتقال (206732 طنا)، والعاشر في صادرات بيض الدجاج (76306 أطنان)، بعد بلجيكا وقبل فرنسا، والعاشرة أيضا في صادرات الجزر واللفت (71885)، بعد أستراليا وقبل المكسيك، و12 في صادرات الفواكه الطازجة (28413 طنا)، بعد الهند، و15 في صادرات حبوب الإفطار (41645 طنا)، بعد إسبانيا وقبل الهند.

لقد كانت التجارة الزراعية والغذائية التي تتوسطها سوريا تُمثل حالة نادرة للتكامل الاقتصادي العربي، وبضربها فقد العرب ما قد يكون آخر صور تكاملهم
واحتلت أيضا المرتبة 17 في صادرات التفاح (103677 طنا)، بعد أستراليا وقبل ألمانيا، و18 في صادرات البطاطا (112123 طنا)، بعد السعودية وقبل لبنان. والعشرين في صادرات فول الصويا (76893 طنا)، بعد البرتغال.

اليوم، تضررت كثيرا قدرات سوريا الإنتاجية بفعل الظروف الأمنية الضاغطة، معبرا عنها بالمعارك المتنقلة على امتداد القطر، كما تزامن هذا الوضع مع موجة جفاف، هي الأشد من نوعها منذ عام 2008، وقد ألقت بظلالها بصفة خاصة على موسم القمح.

وتوفر المحافظات الأكثر تأثرا بالجفاف نحو 50% من القمح المنتج محليا، وهذه المحافظات هي حلب وإدلب وحماة. كذلك، فإن الرقة، وجنوب الحسكة، ومناطق دير الزور تأثرت هي الأخرى بالجفاف.

من جهة أخرى، ونتيجة للظروف الأمنية السائدة، باتت هناك صعوبة كبيرة في نقل المواد الغذائية بين محافظات القطر، الأمر الذي أدى إلى حدوث تخمة في المناطق المنتجة، ونقصا في المناطق الأخرى، وقد دفع ذلك التجار السوريين لاستيراد سلع هي في الأساس متوفرة محليا.

بحث عن الهوية الجامعة
وفي الأصل، فإن ربط المدن والمحافظات بشبكة الطرق البرية والنهرية قد مثل أحد رهانات الدولة الوطنية في الوطن العربي منذ خمسينيات القرن العشرين، باعتبار ذلك أحد سبل إذابة الهويات المناطقية، وصهرها في الهوية الوطنية الجامعة، المبدئية أو الناشئة، أو ما دون القومية.

وبالنسبة لسوريا، فإن هذه الطرق اضطلعت لاحقا بدور جديد ذي صلة بحركة التجارة والمواصلات الإقليمية، ولذا اكتسبت طابعا دوليا، وبات يصطلح عليها بالطرق الدولية.

وقد اقتفى العراق أثر التجربة السورية، ودخل في سبعينيات القرن العشرين في مشاريع ربط عملاقة بين المحافظات المختلفة، وبينها وبين العاصمة بغداد.

والتجربة العراقية هذه طرحت في اليمن وليبيا، إلا أن النجاح لم يحالفها على نحو تام، لاعتبارات مختلفة.

وما هو أبعد من التجارب القُطرية، كان ربط أقاليم الوطن العربي بشبكة طرق حديثة حلما راود القوميين العرب منذ نشوء حركاتهم المختلفة، وكان هذا هدفا طموحا حالت دونه الخلافات السياسية والنزعات الانعزالية الضيقة.

وكما الهوية القُطرية -التوليفية أو الإشكالية- فإن الهوية القومية الجامعة تجد هي الأخرى إحدى عوامل رفدها وتأكيدها في الربط المادي بين أقاليم العرب المختلفة، وتجد هذه الفكرة إحدى دعائمها -أو تجلياتها- في شبكة الخطوط البرية الحديثة.

وفي الأصل، فإن هذه الفكرة لم نبتدعها نحن في الأربعينيات أو الخمسينيات من القرن العشرين، بل طرحها قبل ذلك منظرو الفكر القومي في أوروبا، لا سيما في ألمانيا، كما أن فلسفتها الاقتصادية بدت واضحة في مدرسة آدم سميث.

وقد سارت أوروبا على هذا المسار ووصلت إلى حيث أرادت، وبات التكامل الأوروبي حقيقة قائمة، حتى من دون الإعلان عنه.
أعادت الأزمة السورية النقاش مجددا حول أولويات التكامل العربي ومداخله، فهذه الأزمة أثبتت أن التجارة العربية البينية تُمثل البعد الواقعي شبه الوحيد في هذا التكامل، وبتقلباتها تتأثر الحياة اليومية للمواطن العربي

وفي المنطقة العربية، تحقق القليل، أو لنقل النزر اليسير، بفعل صيرورة التاريخ وحركته. بيد أن ما تحقق بات الآن ضحية لأزمات السياسة والأمن معا، والنتيجة أن المواطن العربي هو من دفع الثمن.

لقد أعادت الأزمة السورية النقاش مجددا حول أولويات التكامل العربي ومداخله، فهذه الأزمة أثبتت أن التجارة العربية البينية، والطرق المرتكزة عليها، تُمثل البعد الواقعي شبه الوحيد في هذا التكامل، وبتقلباتها تتأثر الحياة اليومية للمواطن العربي.

وعليه، لا بد من إعادة الاعتبار لهذا البُعد، وإعادة مقاربة أولويات الوحدة العربية استنادا إلى مدلولاته، التي نراها الآن بالعين المجردة.

في السياق ذاته، أعادت الأزمة السورية طرح سؤال تأصيلي مفاده: هل منطلق الوحدة العربية هو بالضرورة منطلق مشرقي؟

هذا السؤال طرحه رواد الفكر القومي العربي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ودخل التداول فيه طورا عمليا عام 1963، وهو اليوم يبدو أكثر بروزا من أي وقت مضى، وقد يكون عنوان المرحلة القادمة.

وتاريخيا، كان الفكر القومي العربي مشرقي الولادة والهوى، طبعته أجواء مقهى الرشيد الدمشقي، وشارع السعدون البغدادي، وبينهما مصايف بعلبك.

وأيا كان الأمر، فإن الأزمة الراهنة في سوريا تطرح على الفكر القومي العربي العديد من التساؤلات، ذات الصلة بالمسار والمآل. ونحن معنيون اليوم بالتأمل في الحدث تأملا فكريا معرفيا، قادرا على تأكيد حقائق الذات الوجودية للأمة، وإعادة إنتاج بُعدها الزمني المتغيّر.

وبالنسبة لعلاقات الأمة الداخلية أو البينية، لا بد من التشديد المستمر على روح التضامن والأخوة الجامعة، وتأكيد القواسم المشتركة، ونبذ التوجهات الانعزالية، التي تسعى إلى أخذ المواطن العربي بعيدا عن ذاته وأصالته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك