معتز الخطيب

معتز الخطيب

أستاذ في مركز التشريع الإسلامي والأخلاق- جامعة حمد بن خليفة


شهدت الأيامُ الأخيرة الإعلانَ عن تأسيس "المجلس الإسلامي السوري"، وهو تشكيل يُضاف إلى الكثير من التشكيلات الإسلامية الأخرى التي نشأت مع الثورة السورية خلال السنوات الثلاث الماضية، مثل: علماء ودعاة الثورة السورية، وهيئة الشام الإسلامية، ورابطة خطباء الشام، ورابطة علماء الشام، والملتقى الإسلامي السوري، وهيئة العلماء الأحرار، والمجلس الشرعي، بالإضافة إلى رابطة العلماء السوريين التي أُنشئت قبل الثورة بزمن.

هذه السيولة الشديدة في بناء التشكيلات الدينية تطرح إشكالية العلاقة بين المشايخ وعلماء الدين من جهة، والسلطة والسياسة في سوريا من جهة أخرى، قبل وأثناء الثورة.

تُحيل التشكيلات الدينية (نحو أربعين تشكيلا) إلى دلالات عدة ترجع -في جملتها- إلى انفتاح المجال العام أمام عامة المشايخ والمشتغلين في الحقل الديني الذي طالما خضع لسلطة الدولة القهرية التي تعطي وتمنع وتُثيب وتعاقب، فتلك التشكيلات مظهر من مظاهر التنافس على المجال الديني والسياسي مع النظام أولا، ثم مع باقي السياسيين وعموم الفاعلين ثانيا.

تُحيل نحو أربعين تشكيلا دينيا إلى دلالات عدة ترجع في جملتها إلى انفتاح المجال العام أمام عامة المشايخ والمشتغلين بالحقل الديني الذي طالما خضع لسلطة الدولة القهرية التي تعطي وتمنع وتُثيب وتعاقب

آلت أحداث الثمانينيات الدامية بين نظام البعث والإخوان المسلمين السوريين (1979-1982) إلى استيلاء النظام على السياسة والشأن العام، وانقسمت سياسته تجاه الجماعات الدينية بين التحالف والعداء.

تمّ التنكيل بالأعداء وإقصاؤهم خارج سوريا أحزابا وجماعات (كالإخوان المسلمين والطليعة المقاتلة و"جماعة زيد" الدمشقية)، في حين سيطر على الشأن الديني العام "جماعة كفتارو" مفتي الجمهورية السابق ود. محمد سعيد رمضان البوطي ومروان شيخو (ثلاثتهم ينتمون إلى الأقلية الكردية مع مَنْزع صوفي بارز).

لم يكن هؤلاء وحدهم في المشهد، فهناك "جماعة الشيخ صالح الفرفور" التي استمرت في نشاطها التعليمي والديني مع حساسية شديدة تجاه "جماعة كفتارو" لجهتين: جهة العلاقة مع السلطة والحُظْوة التي لها، وجِهة الدور والوظيفة فـ"جماعة كفتارو" دعوية في حين تُصر "جماعة الفرفور" على تقديم نفسها على أنها جماعة علمية تقليدية.

بالإضافة إلى شخصيات حلبية بارزة من حلفاء النظام مثل أحمد حسون الذي عيّنه بشار مفتيا لحلب (2002) ثم مفتيا لسوريا بعد وفاة الشيخ أحمد كفتارو (2004) ود. محمود عكام ود. صهيب الشامي وآخرين.

وفي سياق ترتيبات توريث السلطة، سَعى الأسد الأب منذ بدايات التسعينيات إلى إعادة ترتيب المشهد الديني، فسَمح بعودة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة المراقب العام السابق للإخوان المسلمين الذي كان كِتاب النظام عن الإخوان ينعته بـ "المجرم"، كما سمح بعودة الشيخين أسامة وسارية الرفاعي من منفاهما بعد حلّ جماعتهما (جماعة زيد).

لم تكن رغبة الأسد الأب في المصالحة مع الإخوان جدّية، فتوقفت عند حدود السماح بعودة الشيخ أبو غدة بعد نَفي دام لعقود لكن لم يحصل أي لقاء أو مناقشة لملف الإخوان، في حين تَركزت رغبة النظام في المصالحة مع "جماعة زيد" التي سيطرت على المشهد الجديد.

فقد تمكن الشيخان من إعادة ترميم الجماعة واستنهاض جمهورها عبر العمل الخيري والاجتماعي المتحالف مع الرأسمال الدمشقي، وهو ما شهد تطورا ملحوظا مع انتقال السلطة لبشار الأسد الذي صلى في مسجد الجماعة (سنة 2002) وجلس إلى شيخها (أسامة) الذي قدّم له بعض المطالب المتصلة بالعمل الخيري وغيره.

قامت الجماعة بتنظيم فعاليات دينية (حفل تكريم لكبار قراء الشام على مدرج جامعة دمشق) في إطار إفساح النظام لها، وقد أراد النظام تحقيق هدفين من خلالها: الأول باتجاه الداخل الإسلامي عبر إرضاء مشاعره الدينية وإقناعه بنوازع بشار الخيّرة والدينية، والثاني باتجاه الخارج في محاولة تخويفه من تنامي الظاهرة الإسلامية في سياق تثبيت "وظيفيّته" وأن البديل له هو بديل إسلامي.

شكّل الانفتاح على "جماعة زيد" الدمشقية جزءا من عملية تثبيت سلطة الرئيس الجديد بما يتجاوز الحلفاء التقليديين للأب (جماعة كفتارو والبوطي)، ولكن علاقة الجماعة بالنظام لم تتحول إلى صيغة "تحالف"، بمعنى أن الجماعة لم تُبدِ حماسا شديدا للنظام بل حافظت على مسافة منه، كما أنها لم تتورط في الدعاء للرئيس وهو ما كان سلوكا للحلفاء.

مع قيام الثورة السورية (2011) تخلخلت الأوضاع الدينية تَبَعا للأوضاع السياسية، فخروج المظاهرات من المساجد أَرْبك النظام والمشايخ معا، وقد سعى النظام لحَمْل المشايخ على تهدئة الجماهير ومنع التظاهر بشتى السبُل.

ومع تَضَعضُع "جماعة كفتارو" بعد وفاة شيخها الذي تَمتع بشخصية كاريزمية ووقوع الخلافات فيها واستيلاء وزارة الأوقاف عليها، عوّضتها "جماعةُ الفرفور" (الشيخ عبد الفتاح البزم والشيخ حسام الدين الفرفور) التي انضمت إلى قائمة الحلفاء وحققت بعض المكاسب "الإصلاحية" التي أعلن عنها الرئيس في البداية، في حين بقي موقف "جماعة زيد" مُرْبكا لها وللنظام واتخذت موقفا يتوسط الحلفاء والأعداء.

تساهم السيولة في التشكيلات الإسلامية (إلى جانب التشكيلات السياسية التي سَبَقت) في تأزيم وضع الثورة أكثر مما تساهم في حلّه، لأنها أثقلت كاهلها وكاهل تمثيلها، وكاهل الإعلام والعالم

دفع عنصر المفاجأة وغموض مصير الثورة إلى تَردد "جماعة زيد"، فقد أبدى الشيخان أسامة وسارية الرفاعي انتقادات لسلوك أجهزة النظام في موقف متقدِّم جدّا (إلى جانب مواقف شيخ القراء كريّم راجح) بالمقارنة مع موقف حلفاء النظام، رغم أنهم لم يغادروا القول بشرعية النظام ومديح مراسيمه وتعديلاته التي وُصفت بالإصلاحية.

فذلك النقد لم يصل إلى حد دعم التظاهر بل إن الشيخين دعَوَا إلى عدم التظاهر وانخرطا في الحديث عن خطاب "الفتنة" و"المؤامرة"، وسعيا إلى البحث عن "مفاتيح التهدئة" في الأشهر الأولى، ففي خطبة (12-8-2011) يخاطب الشيخ سارية الرفاعي رجال الأمن قائلا "اتقوا الله في هؤلاء الذين أساؤوا لكم بالتظاهر، ولكنهم ليسوا عصابات مسلحة".

يتضح من تَتَبُّع خطب الجمعة لمشايخ الجماعة (أسامة وسارية الرفاعي ونعيم العرقسوسي) اكتفاء "الجماعة" بالدور التقليدي لها وهو ممارسة العمل الدعوي والبعد عن العمل السياسي والثوري، وربما أفلحت ضغوط النظام الأمنية والسياسية في كبح جماحها، فاتخذت موقفا وسطا وقَنَعت في المرحلة الأولى من الثورة بإجراء بعض الإصلاحات والتحسينات مقابل حثّ الناس على عدم التظاهر.

لكن طول أمد الثورة السورية وتصاعد وتيرة العنف من النظام تجاه الناس وتجاه الجماعة نفسها، دفع بها إلى الخروج من سوريا والانخراط في العمل السياسي ودعم الثورة، وهو موقف اضطراري يكاد يكون مشابها لموقف تنظيم الإخوان المسلمين وجماعة زيد في الثمانينيات حين اضْطرهما تنظيمُ "الطليعة المقاتلة" إلى الدخول في مواجهة مسلحة مع النظام دون رغبة من القيادات نفسها في المواجهة.

لم تكن الثورة التي هي ثورة شباب لتدَعَ شباب الجماعات الدينية في سوريا بمنأى عنها، ويبدو أن هؤلاء دفعوا بعض المشايخ باتجاه مواقف نقدية على وقْع تصاعد عنف النظام، كما أن بعضهم خرج على توجه شيوخ جماعته (كما حصل لشخصيات في الصف الثاني والثالث في جماعتي الفرفور وكفتارو).

ومع تَصَاعد وتيرة التشكيلات السياسية والثورية السورية في الخارج، تَوَلدت لدى بعض الجماعات والشخصيات الدينية طموحات متنوعة: شخصية وحزبية، مع نوازع سياسية مَشُوبة بمخاوف دينية من سيطرة العلمانيين والتيارات المناهضة للدين في مرحلة ما بعد الثورة، وهو ما أنتج العديد من التشكيلات الدينية التي تنتسب إما إلى مدينة أو جهة أو إلى سوريا كلها بهدف الإسهام في الثورة والمعارضة العاملة على إسقاط النظام وتقديم بعض الخدمات للمتضررين.

لكن الانخراط في تلك التشكيلات فتح المجال أمام الصراعات الشخصية والحزبية للوسط الديني المناهض للنظام (الإخوان مثلا) أو الذي تَحَول إلى مناهضة النظام (جماعة زيد مثلا)، والتي أخذت شكل تشكيلات متنوعة، تارة باسم "رابطة العلماء السوريين" التي يَغلب عليها الإخوان المسلمون (سابقة على الثورة)، وأخرى باسم "رابطة علماء الشام" التي انحرفت بفكرتها التأسيسية التي تنص في قانونها الأساسي على أن "الشام" هي بلاد الشام، لتصبح مِظلة لـ"جماعة زيد"، وهو ما دفع رئيسها الأول الشيخ كريّم راجح إلى الخروج منها وتقديم استقالته.

ولأن الصراع السياسي والبحث عن دور مؤثر هو الشغل الشاغل، فقد تعددت اللافتات الإسلامية على أسس شخصية وحزبية وتنظيمية وجِهوية، وهو ما يفسر وجود شخصيات رئيسية تتحرك في عدد من التشكيلات الإسلامية (بعضها سياسي وبعضها ديني) وكلها يَهدف إلى القيام بالأهداف نفسها.

كما أن خبرة السنوات الثلاث في "لعبة" الأصوات والتشبيك أَكسبت هؤلاء المشايخ براعة في تعديد الأصوات والالتفاف على اللوائح التي يضعونها وصياغة القوانين الأساسية "المرنة" التي تُقرب الموالين والمتوائمين وتُبعد مَنْ عداهم، ولذلك نجد نفس الأشخاص في أكثر من تشكيل دون البحث عن دمج أو توحيد الكيانات القائمة بدل استحداث كيانات جديدة، فتتناسل التشكيلات مما يتيح مساحة أكبر للعبة الأصوات وصراع النفوذ ودوران عجلة الإنفاق والأسفار والاستثمار الرمزي دون نتائج عملية تُذكر.

وإذا ما عدنا إلى ما بدأنا به، نجد أن المجلس الإسلامي السوري المتشكل حديثا انبثق عن "رابطة علماء الشام"، بحسب تصريح للجزيرة نت أدلى به الشيخ أسامة الرفاعي رئيس المجلس الذي هو نفسه رئيس رابطة علماء الشام، والذي هو نفسه رئيس جماعة زيد، ولو نظرتَ إلى أعضاء مجلس الأمناء ستجد عددا منهم من الجماعة أو من يلوذون بها، وهذا مجرد مثال، لأننا سنجد أسماء أخرى تتنقل من التشكيلات السياسية إلى الدينية (مثل د. عماد الدين رشيد)، أو أسماء تتردد في عامة التشكيلات الإسلامية (مثل د. عبد الكريم بكار).

ومن اللافت أن كثيرا من التشكيلات الإسلامية تُعلن أنها لا تهدف إلى ممارسة عمل سياسي، ولكن المتأمل في سياق ولادتها وفي أهدافها يجدها جزءا من الحَرَاك السياسي، فالمجلس الإسلامي السوري مثلا ينص نظامه الأساسي على أن من مهماته اتخاذ مواقف في "قضايا الشأن العام"، و"توحيد الموقف أمام الدول والمنظمات والهيئات الإقليمية والدولية"، بالإضافة إلى إدارة الشأن الديني في سوريا واتخاذ مستشارين للمجلس في الشؤون العسكرية والاقتصادية والسياسية.

تساهم هذه السيولة في التشكيلات الإسلامية (إلى جانب التشكيلات السياسية التي سَبَقت إلى هذا!) في تأزيم وضع الثورة السورية أكثر مما تساهم في حلّه، لأنها أثقلت كاهلها وكاهل تمثيلها من جهة، كما أثقلت كاهل الإعلام والعالم الذي يتعامل مع أحداثها من جهة أخرى، وفتحت الباب على مختلف التوظيفات السياسية، (كالتشكيلات السياسية سواء بسواء) بحيث أصبحت خاضعة لتجاذبات الدول في مقابل ارتهان النظام السوري بأكمله لجهات خارجية مقابلة!
يحيلنا المشهد الديني السوري على كثير من الأسئلة، وسيظل مفتوحا على تغيرات مستقبلية تمس تصورات وأفكار المنخرطين فيه، فهو يضعنا في قلب السياسة والدين والصراع على السلطة

تعكس التشكيلات الإسلامية -في العمق- أيضا صراع الأفكار والتوجهات والسيطرة تحت لافتات فضفاضة تُخفي أكثر مما تُظهر، فهي لا تجمع "أهل العلم" كما يعلن كثيرٌ منها، بقدر ما تركز على جمع "أهل النفوذ والتأثير" على صنفين: التشكيلات العسكرية وعامة الناس، في حين يغيب عنها عامة العلماء المرموقين من السوريين.

كما أن نوازع التحزب ولعبة الأصوات والترشيحات تشلّ حركة تلك التشكيلات فتجعلها غير ممثِّلة للسوريين، فالمجلس الإسلامي السوري مثلا يهيمن عليه الدمشقيون، كما أن صيغته مضطربة تجمع بين "السوري" و"السني"، فهو يستعمل اسما وطنيا لتشكيل عقائدي يكاد يحاكي المجالس الشيعية المشابهة في بلدان الجوار كلبنان والعراق، وهو ما يُخشى أنه يجعل من أكثرية المسلمين الساحقة مجرد طائفة، وهي خشية تُوْقعه فيها اندفاعة المشابهة والتأزم الحالي.

يكاد المشهد الديني السوري يحيلنا على كثير من الأسئلة أكثر من الإجابات، وسيظل مشهدا مفتوحا على تغيرات مستقبلية عديدة تمسّ تصورات وأفكار المنخرطين فيه، فهو يضعنا في قلب السياسة والدين والصراع على السلطة، فضلا عن أنه يُوقفنا على محاولات سعي حثيث من قبل المشايخ لتثبيت مكانتهم ونفوذهم على ضفتي المشهد: مع النظام وفي معارضته، في ظل مرحلة تاريخية مفتوحة على تغيرات كبيرة سياسيّا واجتماعيّا.

ومن المؤكد أن هذه التغيرات ستشمل الجميع بما فيها التصورات الدينية، سواء تلك التي كانت حبيسة الكتب التراثية وقاعات الدرس المعزولة عن المجتمع السوري ووقائعه وناسه، أم تلك التي كانت تملأ المشهد الرسمي ولا تنطق إلا بالمسموح أو المأمور به عند سلطان جائر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك