سلامة كيلة

سلامة كيلة

كاتب فلسطيني


المقارنة بين ما يجري في الواقع ومواقف "اليسار" تظهر أن تراجيديا باتت تسكن العالم، حيث نجد أن "اليسار العالمي" -أي بقايا الحركة الشيوعية وأشتات من الماوية وبعض التروتسكية- يقف "سدا منيعا" في الدفاع عن "نظام الممانعة والمقاومة" في دمشق.

تراجيديا مركبة المستويات، وتشي بمأساة فظيعة حين نجد أن اليسار الذي يدافع عن التحرر وعن الإنسان (الذي هو أثمن رأسمال كما قال ماركس) يقف بكل جبروت داعما سلطة تمارس أقصى أنواع الوحشية، كل الأمر يتحدد في أن هذا اليسار يخوض صراعا "هائلا" ضد الإمبريالية!

كيف يمكن لشعار "معاداة الإمبريالية" أن يكون غطاء سميكا يمنع رؤية حال سلطة تمارس كل أنواع القتل والتدمير ضد الشعب الذي تحكمه، وليس ضد الإمبريالية أو قوى الاحتلال؟

هذا الذي يحدث في سوريا، وهو الأمر الذي يكشف عن تراجيديا فظيعة، أبطالها "اليسار العالمي". يسار يمارس أقصى انحطاط أخلاقي متلفعا بشعار "الصراع ضد الإمبريالية"، ولا يرى في العالم سوى "الإمبريالية" التي لا تعود مجسدة إلا في الذهن، لكنها تمارس كل "أفعال الشيطان"، تحرك الشعوب لكي تصنع ثورة هي في الواقع مؤامرة إمبريالية، بالضبط لأنها تطال نظاما "ممانعا" و"يدعم المقاومة".

مأساة فظيعة أن تجد اليسار الذي يدافع عن التحرر وعن الإنسان  يقف بكل جبروت داعما سلطة تمارس أقصى أنواع الوحشية، إنه يسار يمارس أقصى انحطاط أخلاقي متلفعا بشعار الصراع ضد الإمبريالية

هلوسات "معاداة الإمبريالية" تصل إلى حد التأكيد على أن الإمبريالية قادرة على تحريك الشعوب، وتحريكها في ثورات تخدمها. والشعوب (التي هي -كما يفترض منطق اليسار- من يدافع عنه هذا اليسار) تقبل بـ"طيبة خاطر" هذا الدور "الإمبريالي".

هذا الوهم السميك يدفع إلى توهم مواقف، وتوهم أدوار قوى، وتوهم مخططات ومؤامرات، هو "عقل" ينفث أوهاما، ويؤول الوهم في متوالية لا قرار لها.

كيف يمكن ليسار أن يدعم سلطة تدمر أحياء بكاملها من مدن هي "مدنها"؟ وتبيد مئات الآلاف بكل بساطة، وتعتقل مئات الآلاف لتقتل جزءا منهم، وتفتح أفق نهب المدن والمناطق؟

كيف يمكن ليسار أن يدعم سلطة تلقي "البراميل المتفجرة" على الأحياء بشكل عشوائي، فقط لأنها تريد حرق من يتمرد عليها؟ وتحاصر السكان بأقصى حد ممكن يؤدي إلى التجويع (والموت جوعا) فقط لأن المنطقة التي يسكنونها باتت خارج سيطرتها؟

يمكن أن يكون "المبرر" الذي يسمح بذلك هو أن السلطة تقاتل "إرهابيين" مدعومين من الإمبريالية، وهذا غالبا هو المبرر المتداول، لكن سنجد أن أي خبير عسكري سيقول إن كل الذي يمارس لا علاقة له بالحرب، لا بالحرب ضد جيش عدو ولا بالحرب ضد "عصابات مسلحة" و"إرهابيين"، بل هو بقصد التدمير والقتل، فمواجهة "إرهابيين" يسيطرون على حي لا تستلزم تدمير الحي، و"تحرير" مناطق خرجت من تحت سيطرة السلطة لا يستلزم إلقاء البراميل المتفجرة، وصواريخ سكود بعيدة المدى، واستخدام الطيران، والحصار الشامل الذي يقتل الناس جوعا، وإطلاق يد الشبيحة والعصابات لكي تذبح وتقتل وتسرق.

هذه ممارسات سلطة ليست معنية بالشعب ولا بالوطن أصلا، سلطة عصابات مافيا، لهذا رفعت شعار "الأسد أو نحرق البلد"، و"الأسد أو لا أحد"، هذه شعارات ليست عبثية ولا طارئة، بل تدل على طبيعة السلطة التي لا تنظر إلى البشر كشعب، بل تنظر إليهم كوسيلة نهب لمراكمة الثروة، وكـ"عبيد" يخدمون ما تريد هي أو فإن مصيرهم الموت.

إن حربا ضد "الإرهاب" لا تستلزم اعتقال أكثر من مليون سوري، ما زال منهم أكثر من مائتي ألف في السجون، وقتل منهم آلاف، ولا تستلزم تشريد ستة أو سبعة ملايين سوري داخل سوريا وإلى دول الجوار والعالم، أو مسح حمص ودير الزور وجزء كبير من حلب، وكثير من البلدات والقرى الأخرى. ولا استخدام السلاح الكيميائي الذي كان يعني استخدامه أن السلطة مهزوزة وعلى شفا الانهيار، وهذا الأمر ليس من فعل "عصابات مسلحة" و"إرهابيين"، بل هو غير ممكن إلا بقوة الشعب.

والانسحاب من الشمال والشرق السوريين -الذي تحقق قبل تضخم حجم الكتائب المسلحة (الذي تحقق بعد صيف سنة 2012، والانسحاب تم في مايو/أيار، يونيو/حزيران سنة 2012)- لم يكن نتيجة "العصابات المسلحة" و"الإرهابيين"، بل نتج من حراك الشعب، وتوتر عناصر الجيش الذين هم من الشعب، لهذا لم يعد مأمونا، الأمر الذي فرض وضعه في معسكرات مغلقة، وتوسع العمل المسلح تحقق بعد هذا الانسحاب.
 
إن حربا ضد "الإرهاب" لا تستلزم اعتقال أكثر من مليون سوري وقتل الآلاف منهم، ولا تستلزم تشريد سبعة ملايين سوري، ومسح مدن وبلدات، واستخدام السلاح الكيميائي
كذلك تأسيس جبهة النصرة التي قامت السلطة بإطلاق سراح من أسسها من سجونها منذ بداية سنة 2012، خصوصا في أبريل/نيسان سنة 2012، أي قبل الانسحاب من الشمال والشرق (وهذا ما كانت تروج له السلطة، حيث كانت تقول إن القاعدة تتواجد في مناطق الفراغ). وبالتالي، فقد أطلقت سراح هؤلاء لكي يتواجدوا في مناطق الفراغ بعد أن اخترقتهم (بخبرة عالية ممتدة منذ نشوء القاعدة، خصوصا بعيد احتلال العراق).

المسألة المحورية هنا هي أن كل هذا العنف ليس مناسبا أو مطابقا لطبيعة الصراع القائم، هو عنف "غير متكافئ" مع الوضع العسكري للثورة، هو أضخم كثيرا من شكل الصراع الذي يخاض على الأرض، لا من حيث خبرة الكتائب المسلحة، ولا من حيث نوعية تسليحها، أو من حيث تدريبها.

ربما في الفترة الأخيرة بدأ يحدث تطور معين في قدرتها، لكن أمر التدمير والقتل الذي مارسته السلطة ممتد منذ البداية، ولقد توسع بعد نشوء الكتائب المسلحة باستخدام هذه الحجة التي استفادت من سياسة عسكرية خاطئة اتبعتها الكتائب المسلحة، والتي سميت سياسة التحرير، لكي تدمر كل حي يخرج عن سيطرتها بكل العنف الممكن، وهو عنف لا يستخدم إلا في حروب وحشية يكون الهدف فيها هو التدمير وليس كسب الحرب.

كل هذه الممارسات لمن له خبرة في العمل العسكري توضح أن الأمر لم يكن نتيجة حاجة وضرورة بل هو نتيجة ميل دموي وحشي يريد معاقبة كل الشعب نتيجة تمرده.

والسلطة تعرف أكثر من أي أحد آخر (وطبعا أكثر من داعميها اليساريين) أن الاحتقان الشعبي كان يتراكم طوال السنوات السابقة، وأنها تواجه ثورة حقيقية هي نتيجة للنهب المريع الذي مارسته، ونتيجة الاستبداد الطويل الذي حكمت عبره، وهي السلطة الوحيدة التي وضعت تصورا مسبقا لكيفية مواجهة ثورة الشعب، بالضبط لأنها تعرف بأنه سيثور، فقط أغبياء اليسار هم من لم يكونوا يعرفون أن الشعب سيثور.

وإذا كانت قد ادعت منذ بدء الثورة أن "العصابات المسلحة" تمارس العنف، وأن الإمارات الإسلامية تقوم هنا أو هناك، فقد فضح الأمر "خطأ" بسيط من بشار الأسد حين قال في خطاب في مجلس الشعب إنه "في الستة أشهر الأولى لم يكن هناك سلاح ولا مسلحون"، وإذا كان قد أُتي به إلى فضائية الدنيا لكي يقول إنه فُهم خطأ، فقد أكد المعلومة ذاتها نائبه فاروق الشرع في مقابلته اليتيمة مع جريدة الأخبار اللبنانية (التابعة للسلطة).

بمعنى أن القول إن الثورة رُكبت من قبل العصابات المسلحة كان تكتيكا سلطويا من أجل تشويه الثورة، وهو الأمر الذي اشتغلت عليه السلطة طوال سنوات الثورة (بمساعدة دول إقليمية يبدو أنها ضد السلطة، لكنها في الواقع تقوم بتكملة مخططها)، وربما نجح في الأخير جزئيا، بالضبط نتيجة "المساعدة الكبيرة" من الدول الشقيقة.

وإذا لم نرد لهذا اليسار تعب التدقيق، حيث إنه هرم إلى حد أن هذا الجهد يمكن أن يودي به، نريد فقط أن يسأل خبراء عسكريين حول مبررات هذا التدمير والقتل، وهل أن ميزان القوى يفرض ذلك؟ أم أن ميزان القوى الشعبي فرض على السلطة تدمير الشعب؟ بمعنى أن قوة الثورة فرضت كل هذا العنف لهزيمتها؟ قوة الثورة هي التي فرضت وحشية السلطة، حيث بدا أن السلطة تتهاوى، وهذا ما وضح في استجلاب قوات حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والحرس الثوري الإيراني، وجموع من "القوميين" (العرب والمتعصبين من كل أصقاع العالم) ومن اليمن، وحتى من أفغانستان.
ما يحدث يعني موت اليسار الذي عرفناه طوال العقود الماضية، فيسار يقبل القتل والتدمير وسحق الشعوب ليس يسارا بالضرورة مهما كانت الشعارات التي يرفعها

الوحشية واضحة، وهي تظهر طبيعة الفئات التي تحكم، والتي هي شبيحة بالتحديد، تحولت إلى مافيا تنشط في النهب، وتتشابك مع الرأسمال الخليجي والمافيا الأوروبية الشرقية. بالتالي، نجدها تمارس ممارسات المافيا والتشبيح معا.

لكن وهم "معاداة الإمبريالية" يسمح بأن يكون من حق السلطة أن تمارس كل ذلك، هل من سقوط أخلاقي أكثر من ذلك؟ وكم يعادي الإمبريالية نظام عمم "اللبرلة" ونهب القطاع العام، وسيطرت مافياته على الاقتصاد؟ هذا ما تفرضه نوستالجيا "معاداة الإمبريالية"، التي جسّدت كل الماضي "المشرق" و"التحرري" و"المعادي للإمبريالية" في النظام السوري الذي سحق المقاومة الفلسطينية، وقاتل العراق جنبا إلى جنب مع الإمبريالية الأميركية، وسحق لبنان، وباع لواء الإسكندرون، وحمى الدولة الصهيونية لسنوات طويلة تشكره عليها.

هذا الخيال عن "مرحلة التحرر الوطني" الباقي في الذهن يتوهم أن بشار الأسد هو "المعادي للإمبريالية"، نوستالجيا مرضية فرضت تبرير القتل والتدمير وكل الوحشية التي عبرت عن ممارسة جرائم ضد الإنسانية، وعن ممارسة الإبادة لمدن ومناطق وبلدات.

بالتالي، فإنه في ظل شعار "معاداة الإمبريالية" يمارس أقصى انحطاط أخلاقي، والمؤسف أنه يمارس من قبل قوى تدعي أنها يسار، هذا يعني موت اليسار الذي عرفناه طوال العقود الماضية، فيسار يقبل القتل والتدمير وسحق الشعوب ليس يسارا بالضرورة مهما كانت الشعارات التي يرفعها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك