بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية


تراجع الطلب الشعبي
تقاعس النخب السياسية
انحسار الدعم الخارجي
أفول المشروطية السياسية

تعرف الدول طريقها إلى الديمقراطية عبر مسارات ثلاثة: إما التطور الطبيعي لنظامها السياسي باتجاهها وسط بيئة داخلية مواتية ومحيط إقليمي ودولي غير معرقل، وإما الطلب الشعبي الملح عبر ضغط قوى مدنية وطنية تؤمن بالديمقراطية وتأبى إلا بلوغها، وإما الدعم الخارجي لعملية التحول الديمقراطي سواء من خلال ترغيب الحكومات أو الأنظمة على تبنيها أو ممارسة الضغوط عليها بطريقة أو بأخرى لحملها على خوض غمارها.

تراجع الطلب الشعبي
ما كاد قطاع واسع من عامة المصريين وخاصتهم يتنبه منذ اندلاع ثورة يناير 2011 -ولو جزئيا- لأهمية الديمقراطية ومدى ارتباطها بمتطلبات حياته اليومية عبر إدراك العلاقة الوثيقة بينها وبين التنمية حتى عاد هرم أولوياته يعلي من قضايا الاقتصاد والأمن على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الفردية تحت وطأة الأعراض الجانبية السلبية لتلك الثورة على شاكلة غياب الأمن وانهيار الاقتصاد وتحلل القيم الأخلاقية واهتزاز الثوابت الاجتماعية.

ما كاد قطاع من عامة المصريين يتنبه لأهمية الديمقراطية وارتباطها بمتطلبات حياته اليومية عبر إدراك العلاقة الوثيقة بينها وبين التنمية حتى عاد يعلي من قضايا الاقتصاد والأمن على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان

وهي الأعراض الناجمة عن ارتباط تفكك أنظمة الحكم التي من أجل إسقاطها اندلعت الثورة، بارتباك الدولة وانفراط عقدها.

ولقد انعكس هذا الأمر بجلاء في برامج المرشحين الرئاسيين، والتي تأثرت بدورها كثيرا بخلفياتهما المهنية، فبالنسبة للمشير السيسي تصدرت أولويات برنامجه شعارات من قبيل "الأمن" و"الاستقرار" و"محاربة الإرهاب" و"استعادة هيبة الدولة"، وأخذ الرجل على البعض استدعاء نماذج لديمقراطيات غربية مستقرة منذ مئات السنين ومحاولة إسقاطها على الواقع المصري، لافتا إلى أن إقامة ديمقراطية حقيقية وكاملة في مصر تحتاج لوقت قد يمتد إلى عشرين عاما.

أما المناضل اليساري حمدين صباحي فقد احتلت قضايا مثل "العدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر" قمة اهتماماته، هذا بينما تلاقى المرشحان عند إقصاء جماعة الإخوان المسلمين وما يرتبط بها من تنظيمات وفعاليات من المشهد السياسي واستبعاد أي فرص للحوار معها.

وربما يكون عزوف المصريين عن التمسك بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات أمرا متفهما على وقع الإخفاقات التي ألقت بظلالها على أداء الحكومات التي توالت إبان المرحلة الانتقالية.

فإذا كان لكل ثورة تكلفة يتعين على الشعوب تحملها حتى بلوغ تلك الثورات الغايات المرجوة منها فإن حدود قدرة أي شعب على تحمل تلك التكلفة ترتهن بطبيعة وسرعة وكفاءة أداء القائمين على الأمور خلال المرحلة الانتقالية، ذلك أن الثورات إذا ما ضلت طريقها أو لم تفلح في تحقيق أهدافها أو احتواء الارتباكات الأمنية والاقتصادية والسياسية المصاحبة لها والناجمة عنها فقد تضطر شرائح شعبية واسعة -بعد أن ضاقت ذرعا بتعثر المرحلة الانتقالية وتخبطها وطول أمدها- إلى التخلي عن الأحلام والمرامي الإستراتيجية للثورة، كالديمقراطية لمصلحة المطالب الآنية الملحة كاستعادة الأمن وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

وكم حفل تاريخ الثورات البشرية بنماذج عديدة في هذا المضمار كانت مصر مسرحا لأحدها عقب ثورة يوليو 1952!

فبإيعاز من الجناح المناهض لدمقرطة البلاد وعودة الجيش لثكناته داخل مجلس قيادة الثورة، والذي اعتبر مساعي الجناح الآخر بقيادة محمد نجيب في هذا الخصوص مؤامرة على الثورة ومحاولة لتسليم البلاد إلى القوى الرجعية التي كانت تهيمن على مقاليد الحكم قبل اندلاعها، خرج عمال النقل في 28 مارس/آذار 1954 في مظاهرات بمحيط مبنى البرلمان والقصر الجمهوري ومجلس الدولة رافعين شعارات من قبيل "لا أحزاب ولا برلمان"، "تسقط الديمقراطية.. تسقط الحرية"، الأمر الذي أسفر عن إلغاء قرارات 25 مارس/آذار الخاصة بتدشين إجراءات التحول الديمقراطي لينتصر دعاة "الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية" على تيار "الديمقراطية السياسية".

تقاعس النخب السياسية
مثلما كان أداء النخب السياسية والفكرية على غير المستوى المطلوب عند التعاطي مع ثورة 2011 جاء صادما أيضا إزاء التعامل مع قضية الديمقراطية التي لا يبدو أنها كانت متمسكة بها أو مستعدة لها.

ولما كانت أزمة النخب السياسية والفكرية عربية بامتياز، فقد بدأت تلوح في أفق المنطقة نذر عودة ما كان يعرف في الأدبيات السياسية العالمية المعنية بقضايا الديمقراطية قبل تفجر الحراك الثوري العربي بـ"الاستثناء العربي" بمعنى استعصاء التحول الديمقراطي في البلدان العربية بسبب غياب البيئة الملائمة وافتقاد الرغبة الملحة من قبل الحكام والنخب السياسية والفكرية والشعوب مجتمعين، بدأت تلك الآمال تتبدد على وقع أجواء الإحباط كما حالة الردة الثورية والديمقراطية التي ألقت بظلالها على دول عربية عديدة خلال الأشهر الأخيرة.

ففيما تقهقرت ليبيا إلى عهد الانقلابات العسكرية بعد ثورة شعبية أطاحت بنظام تسلطي، بدت عدة دول عربية على موعد مع استحقاقات انتخابية تُجرى وسط أجواء مثيرة للتساؤل.

ففي منتصف أبريل/نيسان الماضي أجريت الانتخابات الرئاسية الجزائرية التي كان فوز الرئيس عبد العزيز بوتفليقة فيها بولاية رابعة -وهو على كرسي طبي متحرك- محسوما مسبقا رغم اشتداد المرض عليه قبل أسبوعين على انتخابات برلمانية عراقية أجريت هي الأخرى في ظل اضطراب طائفي يستدعي حروبا أهلية.

وستعقب الانتخابات الرئاسية المصرية -التي أجريت في مناخ من الاستقطاب السياسي الحاد- أخرى في سوريا هي إلى المسرحية الهزلية أقرب.

مثلما كان أداء النخب السياسية والفكرية على غير المستوى المطلوب عند التعاطي مع ثورة 2011، جاء صادما أيضا إزاء التعامل مع قضية الديمقراطية التي لا يبدو أنها كانت متمسكة بها أو مستعدة لها

وفي حين تتطلب العملية الديمقراطية وجود تكتل ديمقراطي يناضل من أجلها ولا يتنازل عن بلوغها لم يتوافر الأمر في الحالة المصرية، إذ أفضى انشغال النخب السياسية والثقافية بصراعاتها البينية في ظل استقطاب سياسي حاد إلى تراجع أهمية الديمقراطية على قمة أولوياتها، ولم تتورع تلك النخب عن تبني خطاب تبريري لإرجاء الديمقراطية يستند إلى استعادة هيبة الدولة وإقرار الأمن وبناء الاقتصاد، لتغدو الديمقراطية كما لو كانت ترفا فكريا أو خيالا سياسيا.

انحسار الدعم الخارجي
من غير الإنصاف إنكار أهمية المتغير الخارجي في عملية التحول الديمقراطي، خصوصا في مراحله الجنينية، بحيث يكون هناك راعٍ أو حاضن خارجي لتلك العملية المعقدة يمهد بدوره الطريق لإنجاحها والوصول بها إلى بر الأمان بأقل كلفة ممكنة.

وبوسع المتابع للتحول الديمقراطي المتعثر في مصر أن يلحظ تراجعا ملفتا في حماس الحاضن أو الراعي الخارجي لهذا التحول، فلم تؤتِ جهود الاتحاد الأوروبي أكلها بسبب تعقد آليات اتخاذ القرار داخل أروقة صنع القرار المتعددة داخله وغياب الإرادة السياسية القوية إلى مستوى جعل دوره تاليا إن لم يكن تابعا لنظيره الأميركي.

أما واشنطن التي كانت تتحمس لدعم الديمقراطية الجنينية في العالم العربي استنادا إلى اعتبارات من قبيل الاعتقاد بأن دمقرطة تلك الدول ستخدم مصالحها على غرار ما جرى مع دول كألمانيا واليابان وشرق أوروبا، فضلا عن رغبة أوباما في إظهار شيء من الاتساق والتوازن ما بين حرص واشنطن على حماية وتعزيز مصالحها في المنطقة من جانب، وتوقها لإضفاء قدر من الصدقية على التزامها الأخلاقي بنشر قيم ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان باعتبارهما رسالة أميركية أبدية من جانب آخر، فقد بدأت تتراجع عن ذلك الدعم الحذر بوازع من معطيات عدة، لعل أبرزها حسم إدارة أوباما خياراتها بتغليب الاعتبارات المصلحية على التوجهات المثالية.

ويأتي بعد ذلك عدم ترحيب قطاع واسع من الأميركيين بتدخل بلادهم حول العالم من أجل نشر الديمقراطية، مخافة انبعاث الإسلام الجهادي التكفيري على خلفية الربيع العربي.

وقد عبرت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون عن هذا الخوف بالقول "إن بلادها والعالم لم يكونا ينتظران أن تطيح الثورات العربية بطغيان الحكام الديكتاتوريين لتأتي بطغيان الغوغائيين"، وهو التصريح الذي تلاقى مع ما حذرت منه سوزان رايس سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة مما سمته "استبداد الغوغاء" بالشرق الأوسط، ومن بعدها وزير الخارجية الفرنسي لوبيان فابيوس يوم 18 سبتمبر/أيلول الماضي من "تحول الربيع العربي إلى شتاء أصولي".

وفي السياق ذاته، لم تتردد جهات أميركية عديدة في إبداء قلقها من النزعات الطائفية التي حملها الربيع العربي في طياته، حيث استدعت بعض الثورات خطابا دينيا متشددا حيال الأقليات الإثنية، مما دفع المسيحيين للإقبال بكثافة على هجر أوطانهم بحثا عن أوطان بديلة، إذ تدافع عشرات الآلاف منهم خلال العامين الماضيين صوب الهجرة من مصر وسوريا ولبنان بعد أقل من خمس سنوات مضت على موجة هجرة واسعة لمسيحيي العراق، في ظاهرة باتت تنذر بإفراغ المنطقة من مسيحييها على نحو اضطر البابا بنديكت السادس عشر بابا الفاتيكان إبان زيارته الأخيرة لبيروت لمناشدة المسيحيين العرب بعدم مغادرة أوطانهم.

وقد دفع غياب البديل المدني الذي يمكن الرهان عليه بعد سقوط الأنظمة العربية التقليدية بواشنطن إلى القبول بصعود نخب غير مدنية إلى الحكم بعدما كشف الفراغ الناجم عن سقوط تلك الأنظمة مدى هشاشة ووهن الأحزاب والقوى السياسية بشتى توجهاتها، وافتقادها القدرة على ملء هذا الفراغ، إن بسبب استفحال مشاكلها الداخلية المزمنة وافتقارها للرؤى والبرامج والكوادر السياسية، أو جراء مساعي الأنظمة السابقة لتجفيف منابعها الجماهيرية وتجريف تربتها السياسية واختراقها من الداخل وتدجينها واستتباعها.

أفول المشروطية السياسية
رغم أهمية تأثير الضغط الخارجي في دفع عملية التحول الديمقراطي فإنه يجوز الادعاء أن هذا التأثير قد بدأ بالتراجع عالميا خلال السنوات القليلة المنقضية.

إن عملية التحول الديمقراطي المتعثرة في مصر باتت تصارع شبح الردة، وهو مأزق لا منجاة منه إلا بإدراك الرئيس القادم لأهمية المضي نحو إتمامها عبر ابتكار آلية سحرية وناجزة للمضي بثبات ونجاح

فبينما كان يرتكز بالأساس على ركيزة اقتصادية دأبت الدول الكبرى على استخدامها كأداة للضغط على الدول غير الديمقراطية التي تطلب المساعدات الاقتصادية في إطار ما يعرف بـ"المشروطية السياسية" أي أن تربط الدول المانحة مساعداتها للدول غير الديمقراطية بتبني الأخيرة خطوات جادة على طريق التحول الديمقراطي، خصوصا كلما تزايد احتياج تلك الدول للمساعدات الاقتصادية التي قد تشكل نسبة تناهز 10٪ من ناتجها المحلي الإجمالي، أسهمت الأزمات الاقتصادية العالمية المتتابعة وبروز قوى اقتصادية صاعدة مثل الصين ودول "البريكس" -التي شكلت ما يشبه اللوبي للدول النامية داخل المؤسسات المانحة- في تحييد المشروطية السياسية.

وعلى خلفية ذلك ظهر نظام "ما بعد المشروطية" المتمثل بوجود مانحين جدد لا يكترثون بطبيعة النظام السياسي أو أوضاع الديمقراطية وحقوق الإنسان في الدول المتلقية للمعونات، الأمر الذي ساعد على تغيير قواعد اللعبة، وتوسيع هامش المناورة للدول المتلقية للمعونات.

كذلك أفضى الحراك الثوري العربي إلى انحسار الدور الخارجي "الضاغط" من قبل المانحين الدوليين، ففي حين كانت المشروطية السياسية تحقق غاياتها في حالات تنامي احتياج دولة ما للمعونة أو اهتزاز شرعية نظامها الحاكم، بما يعرض موقفها التفاوضي للانكشاف إزاء مجتمع المانحين، يمكن القول إن تنامي تأثير الداخل على حساب تراجع تأثير الخارج حيال ما يجري في مصر، إلى جانب الدعم الاقتصادي الهائل الذي وفرته بعض دول الخليج العربية لمصر في مواجهة التهديدات الأميركية والغربية بعرقلة أو تجميد مساعداتها للقاهرة قد ساهما في تقليص انكشاف الأخيرة وتقوية الموقف التفاوضي للمصريين حيال المانحين، إذ أتاح للسلطات المصرية مساحة أوسع من المناورة وقدرة أكبر على الصمود في مواجهة الضغوط العالمية خلال المرحلة الانتقالية الحرجة.

وانطلاقا مما سبق، يجوز القول إن عملية التحول الديمقراطي المتعثرة في مصر قد باتت تصارع شبح الردة، وهو مأزق لا منجاة منه إلا بإدراك الرئيس القادم مدى أهمية المضي قدما على درب إتمامها عبر ابتكار آلية سحرية وناجزة للمضي بثبات ونجاح في مسارين متوازيين دونما افتئات أحدهما على الآخر، وهما حماية الحريات وإرساء قواعد الديمقراطية من جانب، واستعادة هيبة الدولة وتحقيق الاستقرار الأمني والاقتصادي من جانب آخر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك