صلاح عبد الشكور

صلاح عبد الشكور

صلاح عبد الشكور


منذ اندﻻع أحداث اﻹبادة والتهجير اﻷخيرة في ميانمار ضد أقلية "الروهينغا" المسلمة والتي أسفرت عن قتل وتهجير اﻵﻻف وإحراق مئات القرى وتشريد مئات الآلاف من النازحين داخل ولاية أراكان غرب ميانمار، وفرار عشرات الآلاف إلى بعض دول الجوار هربا من الموت، كان السؤال القائم منذ ذلك الوقت: أين أوباما، وراعية الحقوق والديمقراطية في العالم الوﻻيات المتحدة اﻷميركية مما يجري من إبادة وتطهير في ميانمار؟

لعل هذا السؤال جاء نتيجة طبيعية للشعارات التي تعلنها اﻹدارة اﻷميركية من حين لآخر عن اهتمامها بالسلام العالمي وإشاعة روح التسامح بين كافة المذاهب والديانات والعرقيات في العالم.

جاء الجواب اﻷميركي مخيبا لكثير من اﻵمال، عندما قامت أميركا وسط تلك المآسي الحقوقية والانتهاكات الصارخة بإسقاط الديون عن ميانمار، والسماح لكبريات الشركات التجارية الأميركية بالتبادل التجاري وفتح الباب أمام المستثمرين اﻷميركيين لفتح المزيد من الملفات التجارية الضخمة، ما يعني مزيدا من اﻻنفتاح على ميانمار ومزيدا من الدعم اﻻقتصادي للحكومة المركزية، في خطوة اعتبرها بعض المحللين مكافأة لميانمار على جرائمها وانتهاكاتها الجسيمة بحق أقلية الروهينغا غربي البلاد.

كان اﻻنفتاح اﻵخر على ميانمار عام 2013 في أول زيارة خارجية بعد تسلم أوباما لوﻻية ثانية في البيت اﻷبيض حيث خص ميانمار بزيارة كانت محل اهتمام المحللين، وتحدثت اﻷوساط السياسية واﻹعلامية آنذاك عن صفقات تجارية ضخمة أبرمت بين الطرفين، ولم يكن للروهينغا أي نصيب من اهتمام أوباما سوى إشارة خاطفة أثناء كلمته في إحدى الجامعات الميانمارية، إذ طالب بمنح قلية الروهينغا حقوقهم المدنية.

قامت أميركا وسط المآسي الحقوقية والانتهاكات الصارخة لحقوق الروهينغا بإسقاط الديون عن ميانمار، والسماح لكبريات الشركات التجارية الأميركية بالتبادل التجاري مع ميانمار
وقد أججت تلك الكلمة الشارع البوذي وخرج الرهبان البوذيون في مظاهرات حاشدة تنديدا بكلمة أوباما واعتراضا على لفظ "الروهينغا" الذي أورده الرئيس اﻷميركي في خطابه، وقد فهموا مغزى أن يتفوه شرطي العالم بعرقية هم ينفونها ويقصونها ويريدون بأي وسيلة إنهاءها من الوجود.

تحدثت وسائل الإعلام اﻷميركية آنذاك عن أن زيارة أوباما لميانمار تأتي في سياق تحفيز الحكومة الحالية ودفعها نحو الديمقراطية رغم أن كل المؤشرات كانت تفيد بأن وراء اﻷكمة أهدافا أخرى كان في مقدمتها المصالح التجارية مع بلد يحتضن ثروات طبيعية هائلة، إضافة إلى إيجاد فرص استثمارية للشركات الأميركية لتزاحم التبادل التجاري الكبير القائم بين ميانمار وبين حليفتيها الصين والهند، فكانت أنظار أوباما أقرب إلى تلك المصالح مما يحصل للمسلمين في ذلك البلد المتلطخ بدماء اﻵﻻف من الروهينغا المسلمين.

على أرض الواقع لم يحصل أي تغيير في الموقف الحكومي تجاه الروهينغا في ميانمار، فهم ما زالوا يعتبرونهم بنغاليين دخلاء هاجروا إلى أراكان من قديم السنين، فيما العصابات البوذية تمارس عدوانها على قرى الروهينغا فتعيث فيها فسادا كيفما شاءت دون رقيب أو حسيب.

وما زال النازحون الذي هجرتهم السلطات بعد إحراق منازلهم يعيشون في مخيمات ﻻ تقيهم الحر والقر، فانتشرت اﻷمراض وارتفعت معدﻻت الوفيات، وتفاقم الوضع الصحي خاصة بعد طرد الحكومة البورمية لمنظمة أطباء بلا حدود الشهر المنصرم، واعتداء المتطرفين البوذيين على مقار المنظمات الإغاثية وتدميرها بالكامل، وﻻ تزال هذه اﻷقلية تعاني من حرمانها من حقوقها وانتعاش تجارة البشر بها في عدد من الدول اﻵسيوية التي يهرب إليها الروهينغا طلبا للسلامة والحفاظ على الأرواح.

في اﻷيام القليلة الماضية وأثناء زيارة الرئيس اﻷميركي لماليزيا أدلى بتصريحات مهمة جدا لها دلالات عميقة، إذ أكد أوباما غياب "الحماية الكاملة" لحقوق اﻷقلية المسلمة في ميانمار محذرا من أن البلاد لن تنجح إذا تم قمع المسلمين، وأوضح أوباما أن هناك أقلية مسلمة في ميانمار نظرت إليها أغلبية السكان بازدراء ولم تحترم حقوقها بشكل كامل.

هذه التصريحات الواضحة من الرئيس أوباما قوبلت بنفي بارد وسريع من قبل المتحدث باسم الرئاسة البورمية "يي هتوت" الذي أنكر أن يكون المسلمون مضطهدين رافضا انتقادات الرئيس اﻷميركي وقال "ليس هناك تمييز ضد المسلمين في بورما، وﻻ يوجد تمييز تقره الدولة ضد المسلمين".

وﻻ أدري كيف غابت كل اﻷحداث الدامية واﻻضطهاد المستمر ضد المسلمين في وﻻية أراكان عن عين المتحدث باسم الرئاسة الميانمارية؟ وهل ما زال المتحدث باسم الرئاسة البورمية يظن أن ما تخفيه الحكومة من جرائم اﻹبادة قد خفي عن العالم حقا، وهل ظن أن التعتيم والتضليل الإعلامي الممارس من قبل الحكومة المركزية ﻹخفاء اﻻعتداءات والجرائم والدعم المستمر للعصابات البوذية المتطرفة سيستمر إلى آخر الزمان أم أن التضييق على الصحفيين ولجم أقلامهم وعدساتهم ومنعهم من الوصول إلى مناطق الصراع سيدوم وينتهي الأمر؟!

خلال الأسبوع الماضي زادت وتيرة التصريحات والمطالبات الأميركية نسبيا على حكومة ميانمار من قبل الكونغرس الأميركي بعد موافقة مجلس النواب الأميركي على مشروع قرار يدعو ميانمار "لإنهاء الاضطهاد وسوء المعاملة التي يتعرض لها مسلمو الروهينغا، واحترام حقوق جميع الأقليات التي تعيش في البلاد".

وكان مشروع القرار هذا قد تقدم به عضو مجلس النواب الديمقراطي عن ولاية ماساتشوستس "جيم ماكغفرن"، وقد قُبل في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب في مارس/آذار الماضي، ومن ثم وافقت عليه الجمعية العمومية للمجلس بعد تصويت النواب عليه.

وفي هذا الصدد قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس، النائب الجمهوري عن ولاية كاليفورنيا "إد رويس" في كلمة أمام الجمعية العمومية للمجلس بخصوص مشروع القانون "إن مسلمي الروهينغا من أكثر الأقليات تعرضا للظلم في العالم، مذكّرا بأن قانون الجنسية الصادر في ميانمار عام 1982 حرمهم من الحصول على الجنسية رغم استقرارهم في ميانمار منذ أجيال".

وأشار رويس إلى اضطرار 140 ألفا من مسلمي الروهينغا إلى مغادرة منازلهم منذ عام 2012 بسبب أعمال العنف التي يتعرضون لها، لافتا إلى أن إحدى منظمات المجتمع المدني في جنوب شرق نشرت وثائق تثبت تورط أجهزة الدولة في ميانمار في العنف الموجه ضد الروهينغا.

ودعا رويس وزارة الخارجية الأميركية إلى الاعتراف بأن التقدم الذي حققته ميانمار في مجال حقوق الإنسان ضئيل جدا، مؤكدا على ضرورة أن تولي الولايات المتحدة أهمية أكبر للموضوعات المتعلقة بحقوق الإنسان في علاقتها مع ميانمار.

هذا التصاعد في وتيرة المطالبات الأميركية وإن كان يدعو إلى التفاؤل في شكله الظاهري إلا أنني أتساءل مثل كثيرين: هل تعجز الولايات المتحدة عن إيجاد حل جذري وحماية كاملة لمسلمي الروهينغا بعد أن تيقنت من وقوع انتهاكات صارخة وتجاوزات كبيرة في مجال حقوق الإنسان؟ وهل تحتاج أميركا لكل هذا الوقت ولكل هذه التقارير لكي تمنع هذا النزيف المستمر؟

هل سيقر أوباما عقوبات بحق المتورطين في أعمال الإبادة والإحراق والتهجير في ميانمار مثلما أقر عقوبات بحق الرئيسين السابقين لأفريقيا الوسطى أم أن الروهينغا لا بواكي لهم؟

ألم تؤكد تقارير الأمم المتحدة وعلى رأسها تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش والمبعوث الأممي السابق الخاص بميانمار كوينتانا وقوع مئات الحالات المصنفة ضمن جرائم ضد الإنسانية؟ وقد أفصحت تلك التقارير بإثباتات لا تقبل التشكيك عن ضلوع حكومة ميانمار ودعمها للعصابات البوذية في ارتكاب مجازر إبادة وعنف وإحراق لقرى الروهينغا المسلمين في ولاية أراكان، وهل سننتظر مجازر أخرى لكي ترسل أميركا لجنة لتقصي الحقائق وإدانة المجرمين؟!

ومع كل التحليلات فإن تعاطي الإدارة الأميركية مع ملف حقوق الروهينغا يظل محفوفا بكثير من التكهنات وعلى رأسها رعاية المصالح الاقتصادية وغض الطرف إلى حد ما عن هذه الانتهاكات الصارخة، علها تفوز بشيء من كعكة ميانمار الاقتصادية، وإلا فإن (أميركا قادرة أن تصنع من القرد غزالا إذا أرادت) حسب ما يقول الإعلامي فيصل القاسم في مقال له نشر مؤخرا يقول "عندما تنوي أميركا على شيء لن يقف أمام إستراتيجيتها أحد، لا روسيا، ولا مجلس أمن".

ويضيف: في عام 2003 وقبل وقت قصير من الغزو العسكري للعراق، استدعت أميركا كل المعارضين العراقيين الذين كانوا يتسكعون في العواصم الغربية والعربية والإقليمية، ويعيش بعضهم على المعونات الحكومية، أو بيع المسابح والملابس النسائية الداخلية كنوري المالكي، ويمضون معظم وقتهم في تدخين الشيشة، ولعب طاولة الزهر في شارع "أدجوير الشهير" وغيره من الشوارع الأوروبية والأميركية الشهيرة، استدعتهم أميركا على عجل إلى المؤتمر "التاريخي" الذي وضع أسس العراق الجديد بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذا العراق الجديد، لكن المهم في الأمر أن الإرادة الأميركية عندما تنوي، تستطيع أن تصنع من القرد غزالا، ومن الكسيح بطلا في ألعاب القوى، وبسرعة البرق.

تساؤلي الأخير: هل سيقر الرئيس باراك أوباما عقوبات بحق المتورطين في أعمال الإبادة والإحراق والتهجير في ميانمار مثلما أقر عقوبات بحق الرئيسين السابقين لأفريقيا الوسطى فرانسوا بوزيزي وميشال جوتوديا إضافة إلى ثلاثة مسؤولين آخرين يتهمهم البيت الأبيض بالمساهمة في أعمال العنف هناك، إثر قتل مليشيات أنتي بالاكا مئات المسلمين في العاصمة بانغي وخارجها، مما أجبر عشرات الآلاف من الأقلية المسلمة على الفرار إلى دول الجوار، أم أن الروهينغا لا بواكي لهم؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك