سلامة كيلة

سلامة كيلة

كاتب فلسطيني


كل المشكلات التي نعيشها هي نتاج "نقص" في التطور الرأسمالي: من استمرار سيطرة الأفكار التقليدية، وخصوصا الفكر الأصولي الديني، إلى النظم الاستبدادية والبنى "البطركية"، والتخلف الثقافي العام، و"ترسخ" الوعي الطائفي والديني والقبائلي و"المحلوي"، والتخلف الاقتصادي وغياب قوى الإنتاج، وعشوائية الطبقات، وتضخم البطالة والمهمشين.

وكل ما يمكن أن يوضع في مقارنة مع وضع الأمم التي باتت رأسمالية منذ زمن بعيد.
هذه حقائق واضحة. واضحة على صعيد البنى الذهنية والسياسية أكثر من غيرها، لكنها واضحة في الاقتصاد الذي هو اقتصاد استيراد ويقوم على الريع، دون إنتاج حتى في الزراعة التي هي ما توارثناه، وحيث كانت البنى الزراعية هي أساس الاقتصاد، وبالتالي في إطار تخلف تقني هائل. لكن لماذا استمرت؟ لماذا لم تُكنس؟

إن كل ما يطرح في إطار الدعوة لتجاوز الواقع القائم، يربط تحقيق تجاوز هذه البنى الاقتصادية الفكرية والسياسية بالحاجة إلى الرأسمالية، وبالتالي بـ"نقص في التطور الرأسمالي".

ولا شك أن الرأسمالية الأوروبية هي التي أوجدت هذا التمايز وهذه الهوة، حيث طورت الفكر في منحى تصاعدي، وأسست الصناعة التي جعلتها قوة اقتصادية وعسكرية حاسمة ومهيمنة، وطورت بنى الدولة، وأقامتها على أساس ديمقراطي وعلماني، انطلاقا من المساواة بين المواطنين بعيدا عن كل التمييزات السابقة.

الرأسمالية الأوروبية طورت الفكر في منحى تصاعدي، وأسست الصناعة التي جعلتها قوة اقتصادية وعسكرية حاسمة ومهيمنة، وطورت بنى الدولة، وأقامتها على أساس ديمقراطي وعلماني

بينما لا زلنا في وضع القرون الوسطى، ربما بشكل مُحسن قليلا، وبفعل التبعية للمراكز الرأسمالية، أو نتيجة طموح بعض الفئات التي لم تستطع الاستمرار في "مشروعها" نتيجة ميلها إلى النهب والتحول إلى رأسمالية تتكيف مع النمط السائد.

لكن، لماذا لم ندخل عصر الرأسمالية؟ لماذا لم تنتصر الرأسمالية عندنا؟ وهل حتما كان تحقيق كل المهمات التي حققتها الرأسمالية في أوروبا يرتبط بالرأسمالية؟

لقد حققت الرأسمالية الأوروبية هذه النقلة، لكن لماذا لم تحققها عندنا؟ كل الإجابات تنطلق من "محاسبة الذات"، حيث إن تخلفنا هو السبب. لكننا نناقش لماذا لم نستطع تجاوز تخلفنا، ونتساءل لماذا لم تنتصر الرأسمالية عندنا؟ حيث إن استمرار تخلفنا هو نتاج فشل هذه المسألة، وليس العكس، فقد كانت أوروبا متخلفة، حتى عن الشرق وقتها (ربما إلى أواسط القرن الـ18)، لكنها انتقلت إلى الرأسمالية حال اكتشاف الصناعة.

لقد اندفع الرأسمال التجاري الذي كان يوظف في البيع وشراء الأرض والتوشيج مع الإقطاع نحو التوظيف في الصناعة حالما اكتشف أنها تدرّ الربح أكثر من الأرض ومن التجارة ذاتها. وفي هذه الاندفاعة حقق الانتقالة الهائلة التي نشاهدها.

إن الذي أسس للنمط الجديد -إذن- هو اكتشاف الصناعة الذي فرض تحول النشاط الاقتصادي نحوها، ومن ثم فرضت كل هذا التغيير العميق في التكوين الاقتصادي الاجتماعي، وفي مؤسسات الدولة وفي الوعي والفكر، رغم أن النهضة الفكرية كانت قد بدأت قبل ذلك بقليل، لكنني أقصد هنا أن النقلة المهمة تحققت مع هذا التطور، والتي سمحت بأن يصبح الفكر الجديد هو أساس التعليم وكل وسائل الإعلام، وبالتالي تطوير الوعي المجتمعي. وهو الوضع الذي أنتج ما نشير إليه، ونسعى لتقليده أو تمثله.
إذن، ليس التخلف هو سبب عدم الانتقال إلى الرأسمالية، لقد كان التراكم المالي عندنا متوفرا قبل انتقال أوروبا، لكن التطور الفكري والعلمي كان معدوما، لهذا تقدمت أوروبا.

وهذا ما يجعلنا نطرح السؤال بعدئذ: لماذا لم تنتصر الرأسمالية عندنا؟ لن نشير إلى أسباب سبق أوروبا، بل سنشير إلى لماذا لم تنتصر الرأسمالية "بعد إذ"؟ والمشكلة كلها تتحدد في الـ"بعد إذ" هذه، حيث إن التطور بات في وضع لم تشهده البرجوازية الأوروبية، أو شهده بعضها (ألمانيا مثلا) لكن قبل أن يستفحل، وقبل أن تتكون الرأسمالية كنمط عالمي، وقبل أن يكون قد جرى تقاسم العالم بين الرأسماليات.

وبالتالي، فإن السؤال الخاص بنا يتحدد على الشكل التالي: لماذا لم نستفد من التطور الصناعي والعلمي والفكري من أجل تحقيق التطور الرأسمالي؟ ومن ثم لماذا كانت الفئات التي تمتلك التراكم المالي لا تميل لتوظيفه في الصناعة كما في البحث العلمي والحداثة؟

ليس التخلف هو سبب عدم الانتقال إلى الرأسمالية، لقد كان التراكم المالي عندنا متوفرا قبل انتقال أوروبا، لكن التطور الفكري والعلمي كان معدوما، لهذا تقدمت أوروبا

قبل أن نشير إلى ذلك، أوضح أنه في بعض المراحل حاولت قطاعات من "الرأسماليين" النشاط في الصناعة، ومنها تجربة بنك مصر وعمادها طلعت حرب، وكذلك بعض المحاولات الخجولة في بلاد الشام وتونس والعراق، لكنها تلاشت دون أن تترك أثرا.

وبالتالي يمكن القول إن هذه الفئات تقدمت بخجل، لكنها انهارت دون أن تحقق شيئا، وهذا ما يطرح سؤالا: لماذا؟ بمعنى أن "النسج على منوال أوروبا" كان قد بدأ منذ زمن طويل (الربع الأول من القرن الـ19)، ولقد كان تمثل الغرب محاولة متكررة، وأفكار عصر النهضة في الوطن العربي تشير إلى ذلك. لكن لماذا لم يتحقق التطور الرأسمالي بالمعنى الأوروبي (أي الصناعي) للرأسمالية؟
هل هو قصور ذاتي كما حاول البعض تفسير الأمر؟ أم لأن الصيغة ذاتها التي تطورت أوروبا من خلالها لم تعد ممكنة؟

بالطبع نستبعد مسألة القصور الذاتي، وكل ما أشير إلى الدين الإسلامي كعائق كان لا معنى له، حيث إن الإسلام حقق نهضة كبيرة من قبل: في التجارة، والحِرَف، والفكر. لهذا يجب أن ندقق في الصيغة، حيث -كما بدا في التطور الطبيعي- إن نشوء الشيء يفرض تجاوز تكراره، يلغي تكراره، لأن وجوده ذاته يصبح مانعا لتكراره. بمعنى أن نشوء الرأسمالية كنمط فرض حسم إمكانية نشوء صناعة في مناطق أخرى، وبالتالي حسم مسألة عدم إمكانية التطور الرأسمالي فيها. رغم أن النمط ذاته يمد العلاقات الرأسمالية إلى كل بقاع العالم، ويشكل رأسمالية لكن من نوع "خاص"، "كومبرادوري".

المسألة بالتالي لا تتعلق برغبات ذاتية، بل تتعلق بتكوين عالمي بات يمنع التطور الصناعي (وبالتالي الرأسمالي) من أجل ضمان السيطرة عبر الحصول على المواد الأولية الرخيصة والاستحواذ على الأسواق لتصريف فيض الإنتاج الذي هو سمة الإنتاج الصناعي.

بمعنى أن الاحتكار الذي باتت تشكله الشركات العملاقة متعدية القومية فرض على الرأسمال المحلي الضعيف والمحدود النشاط في القطاعات التي لا تدخله في منافسة مع تلك الاحتكارات، لأن النتيجة محسومة مسبقا، وبالتالي مال إلى النشاط في التجارة والخدمات التي باتت أكثر ربحية بالنسبة له من التوظيف المحفوف بالمخاطر في الصناعة. والنشاط التجاري لا يستلزم تحديث الفكر والمؤسسات، ولا يستلزم السوق الواسعة، وبالتالي يمكن أن يتحقق في إطار بنى إقطاعية أو شبه إقطاعية، أو رأسمالية متخلفة، وفي إطار وعي "قروسطي"، وتكوينات طائفية وقبلية ومحلية، فقد كان كذلك لعقود طويلة قبل.

إذن، ليس من رأسمالية لديها مشروع رأسمالي (بالمعنى الصناعي الحداثي)، وهي الطبقة التي حققت التطور الرأسمالي (بمعناه الصناعي)، ولقد كانت كل المحاولات التي حدثت خجولة وضعيفة، لهذا انهارت دون أن تترك أثرا، حيث كان عدم التكافؤ في المنافسة (التي هي أس الرأسمالية) يفضي إلى الفشل الذريع. لهذا يطرح السؤال: كيف يمكن تحقيق التطور الرأسمالي؟ هل من طريق غير الطريق التقليدي؟

أزمة التطور الرأسمالي في الأطراف تتحدد في أن عالمية النمط الرأسمالي لم تعد تسمح بالتطور عبر الوسائل التقليدية، أو حتى المستحدثة في إطار رأسمالي، لأن الطغم الإمبريالية هي التي تتحكم في "حدود التوسع الصناعي"

ما يمكن استخلاصه من تجربة القرن العشرين هو أن التطور "التقليدي" للرأسمالية في الأطراف لم يعد ممكنا، ولم يحدث في أي مكان، حيث إن الرأسمال الخاص لا يغامر في التوظيف في الصناعة التي هي أس التطور الرأسمالي، وبالتالي كل التطور الذي تحقق في هذا المجال تحقق عبر الدولة (الهند، النمور الآسيوية)، وفي ظروف خاصة، لم تجعل التجارب في تناقض مع المراكز الإمبريالية والطغم المالية، بل كان بعضها في اتساق مع هذه المراكز والطغم (تجربة النمور).

بمعنى أن التطور بات مرتبطا بـ"قرار" المراكز، الذي يخضع لمصالح الطغم، التي بدورها تفرض "منع انتشار" الصناعة، إلا في ظروف استثنائية، كوقف المد الشيوعي نهاية الأربعينيات والخمسينيات الذي فرض تطوير نمور آسيا، وهي ظروف لم تعد قائمة بعد توقف المد الشيوعي منذ السبعينيات، ومن ثم انهيار الشيوعية.

هل من طريق رأسمالي آخر؟ لا، الشكل الآخر تمثل في تجارب حركات التحرر (الناصرية والبعث والبومدينية)، ولقد شاهدنا كيف انهارت دون أن تحقق التطور الضروري.

إن أزمة التطور الرأسمالي في الأطراف -إذن- تتحدد في أن عالمية النمط الرأسمالي لم تعد تسمح بالتطور عبر الوسائل التقليدية، أو حتى المستحدثة في إطار رأسمالي، لأن الطغم الإمبريالية هي التي تتحكم في "حدود التوسع الصناعي"، والذي بات مشبعا منذ زمن بعيد، لأن فيض الإنتاج الذي هو سمة الصناعة يفرض التمركز العالي من جهة، لكنه يفرض منع نشوء صناعة جديدة حيث يستطيع فرض سيطرته من جهة ثانية.

لهذا ما تجاوز ذلك هو التجارب الاشتراكية التي خرجت من هذه السيطرة. هذه هي أزمة التطور الرأسمالي، والتي جعلته مستحيلا لكل منْ لم يصل من قبل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك