عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوري


أسباب الاستقالة
الشخصية البديلة

فتحت استقالة الأخضر الإبراهيمي المبعوث العربي والأممي المشترك إلى سوريا، صفحة جديدة في الكارثة السورية، خاصة مع غياب أي تصور بديل للأمم المتحدة عن مؤتمر جنيف، الذي أعلن تشييعه رسميا، وعدم التوصل إلى تحديد خلف للإبراهيمي، ولا الخطة التي سيعمل بناء عليها.

ولم يخفف من حجم المأساة إعلان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون استقالة الإبراهيمي رسميا، وتخليه عن مهمته، اعتبارا من آخر مايو/أيار الجاري، وما يحمله من استباق لتقديم الإبراهيمي تقريره الأخير إلى مجلس الأمن الدولي.

أسباب الاستقالة
يمكن القول إن استقالة الأخضر الإبراهيمي ليست مفاجأة، بل كانت متوقعة بعد فشل مفاوضات جنيف2 في فبراير/شباط الماضي، لذلك تأخر الإبراهيمي في الإعلان عنها، واكتفى بتقديم اعتذاره للشعب السوري.

تبدو رسالة الاستقالة واضحة جدا، وتفيد بأن النظام الأسدي أغلق أبواب السياسة، ولا يريد حلولا سياسية للكارثة السورية التي تسبب فيها بعد أن بدأ الحرب الشاملة على أغلبية السوريين منذ بداية الثورة

ولعل إعلان النظام الأسدي عن إجراء انتخابات رئاسية في بداية يونيو/حزيران القادم ضرب لكل الحلول السياسية بعرض الحائط، وإنهاء لأية فرصة أمام استمرار مهمة الإبراهيمي.

غير أن الإبراهيمي لم يأخذ درسا من سلوك وفد النظام الأسدي خلال جولتي التفاوض في جنيف، إذ تبيّن للعالم أجمع أن النظام لم يرسل وفده للتفاوض على تطبيق القرار 2118 وتطبيق بنود اتفاق جنيف1، حسبما نصت الدعوة إلى مؤتمر جنيف2، بل كي يراوغ ويماطل، في محاولة منه لتحويل قطار التفاوض عن سكة الحل السياسي، التي تفضي إلى قيام هيئة حكم انتقالية.

كما اتضح أنه ليس هناك من بين جماعة النظام من هو صاحب إدارة سياسية، أو من يهمه إيقاف سيلان نهر دماء السوريين، بل إنهم مجموعة من المتعطشين للدماء، وثلة من المتغطرسين والمدجنين في بوتقة نظام فاشي، يستند إلى أسطورة، تنهض على سردية ثأرية غابرة، ويستقوي على العزل بعصبية طائفية بربرية، شعارها الأساس هو الموت أو الخضوع.

وتبدو رسالة الاستقالة واضحة جدا، وتفيد بأن النظام الأسدي أغلق أبواب السياسة، ولا يريد حلولا سياسية للكارثة السورية التي سببها، كونه أعلن منذ اليوم الأول للثورة السورية الحرب الشاملة على أغلبية السوريين، وراح يرتكب الجرائم والمجازر المتنقلة من منطقة إلى أخرى، واستخدم كل أنواع الأسلحة المتوفرة لديه ضد الحاضنة الشعبية للثورة، بما فيها الأسلحة الكيميائية.

ولعل من بين أسباب الاستقالة هو إعادة إنتاج الإبراهيمي مهمة كوفي أنان، التي أعلن الأخير بنفسه فشلها سريعا، وانسحب بصمت، لكن السبب الأهم هو عجز مجلس الأمن الدولي عن القيام بمهامه حيال الأزمة السورية، بسبب الموقف الروسي الداعم للنظام الأسدي في حربه الشاملة ضد أغلبية السوريين.

هذا إضافة إلى أن مجمل الخطوات التي قام بها الإبراهيمي شخصيا، وقبوله شروط الدول المؤثرة في الملف السوري، حيث اشترط عليه ساسة روسيا أن يسير على أساس خطة أنان، وحاولوا إملاء فهمهم وتفسيرهم لاتفاق جنيف1 عليه، لذلك وقفوا ضد تشكيل هيئة الحكم الانتقالية في مفاوضات جنيف2، التي انتهت إلى فشل ذريع.

وتلحق أسباب الفشل المبدأ الذي وضعه الإبراهيمي للتفاوض خلال جولتي جنيف، وهو مبدأ الرضا، الذي يقتضي موافقة الطرفين ورضاهم على أية قضية تطرح للمناقشة، فضلا عن أن كل بنود أجندة الإبراهيمي التي طرحت للتفاوض اختلف فهمها وتفسيرها ما بين فهم وفد النظام وفهم وفد الائتلاف المعارض.

فمسألة وقف العنف مثلا، أراد وفد النظام حصرها في محاربة الإرهاب، الذي يتطلب قطع الإمداد الخارجي عن المجموعات الإرهابية، وجعلها موضوع المفاوضات الحتمي، والمبرر لقتل السوريين، لذلك أصر وفد النظام على أن مصدر العنف هو المجموعات المسلحة التي تقاتل النظام، وأراد أن يتعهد وفد الائتلاف بمحاربة هذه المجموعات، وتحويل الكارثة السورية المتفاقمة، الناتجة عن تعامل النظام مع الأزمة الوطنية السورية، التي تمتد على طول أكثر من ثلاث سنوات، إلى قضية إرهاب، يتعرض لها هذا النظام المسكين والمسالم، الذي لم يقصف الغوطتين بالأسلحة الكيميائية، وبكافة أنواع الأسلحة المتوفرة لديه، ولا يلقي يوميا عشرات البراميل المتفجرة على المدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرته.

ولم يجد وفد المعارضة سوى بحث مسألة تشكيل هيئة الحكم الانتقالية، وكذلك بحث مسألة وقف عنف النظام وإرهاب الدولة، الذي خلّف أكثر من 150 ألف ضحية، وهجّر وشرّد أكثر من سبعة ملايين من أماكن سكنهم إلى خارج البلاد وداخلها.

في المقابل، أفسح تعامل الولايات المتحدة الأميركية والغرب -الرخو وغير المكترث بجريان نهر الدماء السورية- المجال لروسيا كي تتمادى في دعم النظام الأسدي، بما يعني أن عدم دعم الغرب المعارضة السورية عسكريا، هو الذي شجع النظام في تماديه بارتكاب الجرائم، ورفضه أية مبادرة سياسية.

جاءت مهمة الإبراهيمي في ظل الترويج من بعض ساسة الغرب لمقولة إنه لا أحد يمتلك مفتاح الحل في سوريا، وهو ما يشير إلى إن المجتمع الدولي شارك في إفشال المهمة ولم يهيئ بيئة دولية داعمة لها

والأخطر هو تراجع الرئيس الأميركي بارك أوباما عن توجيه ضربة عسكرية للنظام الصيف الماضي، وبدلا منها راح ساسة القوة العسكرية الأكبر، والأكثر مرونة في العالم، لا يتحدثون إلا عن الحل السياسي، عبر التفاوض بيدين مقيدتين إلى الخلف، طيلة أكثر من ثلاث سنوات من عمر الأزمة السورية.

بينما أوغل النظام الأسدي في القمع والإجرام، وتمادى وصيفه الروسي في مدّه بالأسلحة التي يدفع ثمنها نظام الملالي الإيراني، بالنظر إلى الالتحاق الكلي للنظام الأسدي بنظام ولي الفقيه، المطمئن إلى عدائه التاريخي لأبناء المنطقة وشعوبها.

وبناء على رخاوة مواقف الغرب وعدم اكتراثه بالدماء السورية، نُسجت خيوط شبكة تمتد من موسكو إلى طهران ودمشق، مرورا بمليشيات حزب الله ومليشيات عراقية وسواها، حيث توزعت أدوارها، ما بين الحماية الروسية للنظام الأسدي في مجلس الأمن وسواه من المحافل الدولية، وتزويده بشحنات أسلحة فاقت كل التصورات، وبين تدفق الأموال الطائلة من إيران والعراق. والنتيجة وقوع الشعب السوري رهينة مواقف وتصرفات أصحاب هذه الشبكة الدموية.

كل ذلك أسهم في تعقيد مهمة الإبراهيمي، وفي إفشالها، خاصة في ظل تسويق مقولة لدى بعض الساسة في الدول الغربية الفاعلة، تفيد بأنه لا أحد يمتلك مفتاح حلّ الأزمة في سوريا، الأمر الذي يشير إلى أن قوى المجتمع الدولي أسهمت في إفشال مهمة الإبراهيمي، حيث لم تهيئ بيئة دولية داعمة لها.

والواقع أن القوى الداعمة للشعب السوري اكتفت -حتى أيامنا هذه- بتصريحات مسؤوليها وخطاباتهم اللفظية، الذين لم يذهبوا إلى أبعد من تشديد لهجة استنكارهم دموية الوضع في سوريا، حيث إن موقف الإدارة الأميركية حيال النظام السوري لم يقترن بالعمل الجاد في البحث عن مخرج سلمي للأزمة السورية.

لذلك، فإن تساؤلات عديدة تثار بشأن أسباب إحجام الإدارة الأميركية عن اتخاذ مواقف حازمة، كتلك التي اتخذتها حيال أزمات دولية أخرى، الأمر الذي يطرح مسألة اختلاف المعيارية في المواقف حول الأزمات الدولية، وخصوصا في جانبها الأخلاقي الإنساني.

الشخصية البديلة
استند الإبراهيمي إلى خبرته الدبلوماسية في التعامل مع الأزمات الدولية، لكن المسألة السورية مختلفة عن سائر الأزمات الأخرى التي تعامل معها، لذلك لم يُجده نفعا اعتماده دبلوماسية توافقية مرنة، قضت بعدم وضع أي شروط مسبقة، يمكن أن يرفضها أي طرف في الأزمة وتعرقل سير مهمته، كونها أرادت تحقيق القليل من التقدم في الحل، ولو بشكل بطيء، ومع ذلك انتهت مهمته إلى الفشل.

وفور إعلان الاستقالة بدأت الوساطات الدولية المعنية في البحث عن شخصية بديلة، مع أن حل المسألة السورية لا يتوقف على اختيار شخصية قوية لتحل مكان الإبراهيمي، بل في توفر إرادة دولية داعمة بالقول والفعل للحل السياسي.

ويجري الحديث حول أن يكون الخلف عربيا، حيث يتردد اسم كمال مرجان، الذي يقترن اسمه بماضيه المثقل، كوزير في عهد الرئيس "الهارب" زين العابدين بن علي. كما يتردد اسم سعيد جينيت، الجزائري الجنسية، والموظف الدولي.

غير أن من يخلف الإبراهيمي ليس بالضرورة أن يكون غربيا، لأن مهمته تتطلب شخصا يتحلى بصفات الجرأة والرؤية، والإقدام على خطوات واضحة، يمكنها إيقاف الكارثة السورية.

وهناك من يتحدث عن ضرورة اختيار شخصيات سياسية عالمية، مثل "كيفن رود" رئيس الوزراء الأسترالي السابق، و"خافيير سولانا الوزير الإسباني السابق، حيث لا يوافق نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية على الإصرار أن يكون خلف الإبراهيمي عربيا بالضرورة، ويفضل أن يكون الخلف على مستوى رئيس جمهورية سابق، أو رئيس حكومة سابق، كي يكون له تأثير.
لم تكن المشكلة في اختيار الإبراهيمي، ولن تكون أيضا في اختيار شخصية جديدة، المشكلة في كيفية إجبار النظام الأسدي وداعميه على التوقف عن الإمعان في الحرب الشاملة ضد السوريين
والواقع أن المشكلة لم تكن في اختيار الإبراهيمي، ولن تكون أيضا في اختيار شخصية جديدة، تتصدى لمهمة البحث عن مخرج سياسي للأزمة، المشكلة في كيفية إجبار النظام الأسدي وداعميه -الروسي والإيراني- على التوقف عن الإمعان في الحرب الشاملة والمدمرة ضد أغلبية الشعب السوري، الأمر الذي يتطلب إرادة دولية حازمة، توقف الفشل الذريع للمجتمع الدولي حيال الكارثة السورية.

ويكشف واقع الحال في سوريا، أنه لا يمكن معالجة المشاكل والأزمات التي يتعرض لها السوريون بنتائجها، إلا بالقفز عن مسبباتها، والتغاضي عن الحرب الشاملة ضد المحتجين والثوار، التي بدأها النظام الأسدي منذ اندلاع الثورة السورية.

كما لا يمكن لعاقل أن يختصر الكارثة السورية في مسألة إرهاب مدعوم عربيا ودوليا، إلا إذا صدقنا أن النظام يمكن أن يتحول من قاتل، دمر معظم المدن والبلدات السورية وهجر ملايين السوريين، إلى ضحية وديعة تدافع عن أغلبية السوريين، الذين تحولوا وفق هذا المنطق من ضحايا نظام ظالم وديكتاتوري إلى مجرمين وإرهابيين، يستحقون القتل والإبادة والتشريد.

وبالتالي، فإن العنف هو العلاج الوحيد لسلوكهم الإجرامي، بغية استعادة أمن البلاد واستقرارها، وإعادة الجميع إلى مظلة النظام الظالم، الجاثم على صدور السوريين منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك