رشيد يلوح

رشيد يلوح

رشيد يلوح


استقبلت حكومة حسن روحاني السّنة الإيرانية الجديدة يوم 21 مارس/آذار 2014 وهي تعاني انفصالا بين سياستها الخارجية المتعافية حديثا وسياستها الداخلية المتعثرة، فهل ستتجاوز "حكومة الاعتدال" هذا العطب في الشهور المقبلة أم سيكون سببا في فشلها؟

منذ فوز الرئيس روحاني في الانتخابات الرئاسية الصيف الماضي قطعت الجمهورية الإسلامية شوطا مهما نحو فك عزلتها الدولية، وهي الفرصة التي أعطت للبلاد جرعة حياة هي أشبه ما تكون بجائزة منحها الغرب للمرونة الإيرانية بعد فشل سياسة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد الهجومية.

بدأت مرونة الرئيس حسن روحاني بإرسال إشارات تصالحية إلى الولايات المتحدة التي وصفها بـ"زعيم العالم" الذي لا مفر من التفاهم معه، هذه الإشارات تم توجيهها بشكل أخف إلى إسرائيل عندما منعت الحكومة الجديدة مؤتمرا دوليا حول "الصهيونية" كان مقررا تنظيمه في طهران أسابيع قبل موعده المقرر.

بدأت مرونة روحاني بإرسال إشارات تصالحية إلى أميركا التي وصفها بـ"زعيم العالم" الذي لا مفر من التفاهم معه، وجرى توجيه إشارات أخرى بشكل أخف إلى إسرائيل
استقبل الغرب الرسائل الإيرانية بإيجابية ليمضي الطرفان معا في مسارٍ لبناء الثقة من خلال مجموعة من المحطات، نذكر منها: توقيع الاتفاق النووي في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 وما تبعه حتى الآن من تفاهمات مع المفاوضين في مجموعة "5+1"، وما صاحب ذلك من تفاهمات أخرى مماثلة مع الوكالة الدولية للطاقة النووية، وكان آخرها قبل أيام عندما أعلنت مفوضة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون اعتزام الاتحاد فتح مكتب يُمثله في طهران.

وقد شَكَّل انفتاح أبواب عواصم إقليمية ودولية كانت موصدة لسنوات في وجه الدبلوماسية الإيرانية بدوره نجاحا لسياسة روحاني الخارجية، وبالموازاة مع ذلك استقبلت طهران مجموعة من المسؤولين الحكوميين والشخصيات السياسية والاقتصادية الغربية والخليجية، وفي السياق ذاته تمكنت حكومة روحاني من استرجاع جزء صغير من أموال النَّفط المجمَّدة في الخارج بموجب العقوبات الدّولية.

وإذا كانت سياسة روحاني الخارجية موضع حماية ودعم المرشد علي خامنئي -رغم وجود تحفظات لهذا الأخير على بعض عناصرها- فإن السياسة الداخلية ليست كذلك، إذ شهدت الشهور الماضية أحداثا كَشفت بساطة الهامش الذي تركه خامنئي ومراكز القوة المحيطة به للحكومة الجديدة في تدبير الإصلاحات الداخلية، وتجلى ذلك في ملفات الاقتصاد وحقوق الإنسان والمسألة الثقافية.

فقبل ذهابه إلى نيويورك للمشاركة في أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2013، دعا الرئيس روحاني الحرس الثوري إلى المشاركة الفعالة في بناء الاقتصاد الوطني استرضاء للقادة العسكريين وجلبا لدعمهم في خطته التقاربية مع أميركا، لكن برنامج "الاقتصاد المُقاوِم" الذي قَدَّمهُ المرشد خامنئي قبل أسابيع وأمر الحكومة بتنفيذه قضى -على ما يبدو- على آمال روحاني في تطبيق إصلاحاته الاقتصادية، وأكَد له بالواضح أن الفاعليْن الأساسييْن في الاقتصاد الإيراني -بيت المرشد والحرس الثوري- لم يكن ليرضيهما إلا الهيمنة الكاملة على الملف الاقتصادي.

فَضَّل الرئيس حسن روحاني الصمت ولم يعترض على خروج الملف الاقتصادي من بين يديه لأنّه يدرك جيدا العواقب الوخيمة للاصطدام مع أمر مباشر للولي الفقيه، بالإضافة إلى علمه بأنه ومن معه من الحلفاء غير مؤثرين في الحياة الاقتصادية، ولا يملكون من الأوراق في هذا الملف ما يستطيعون الضغط به على الحرس الثوري ومؤسسات المرشد الاقتصادية والمالية المُسيطرة على مفاصل الاقتصاد الإيراني.

وعلى مستوى حقوق الإنسان سبَّبَ استمرار الوضع المتردي إِحراجا كبيرا لحكومة حسن روحاني أمام الرأي العام الداخلي، إذ ظلت كل الإجراءات المتخذة قليلة بالمقارنة مع انتظارات الناخبين، فالحصار لا يزال مضروبا على الزعيمين مير حسين موسوي ومهدي كروبي، في حين عرفت البلاد تصاعد وتيرة الإعدامات واستمرار خناق الصحافة والمؤسسات الثقافية الإصلاحية، كما تم اعتقال سعيد رضوي فقيه أحد الرموز التيار الإصلاحي قبل أسابيع بسبب محاضرة قدمها في همدان.

وقد اكتفى الرئيس روحاني في هذا الملف أيضا بإرسال بعض الإشارات الخجولة، مُفضلا النأي بحكومته عن أيّ صدام مع مراكز القوة التي تعتبر حقوق الإنسان خطا أحمر لا ينبغي لأحد الاقتراب منه، فالمتضررون جميعهم في هذه الملفات هم من المعارضين أو المنتقدين للنظام الحاكم.

وعلى عكس الملفين الاقتصادي وحقوق الإنسان، تعرف المسألة الثقافية -التي تشمل رزمة كبيرة من الإصلاحات مثل حرية الرأي والاجتهاد الديني والإعلام والكتاب والسينما والموسيقى والتعليم وحرية اللباس وحرية الإنترنت- تعرف وضعا مختلفا، إذ يبدو روحاني مُستميتا في الاحتفاظ بتدبير سياساتها.

ويرجع السبب في ذلك على الأرجح إلى قدرة حكومته وحلفائها على تحقيق إنجازات معتبرة على مستوى الإصلاح الثقافي والسياسة الخارجية، على اعتبار أن مفاتيح الاقتصاد تبقى في النهاية بيد المرشد والحرس الثوري، مما يجعل إصلاحه أمرا مستحيلا من دون ضوء أخضر منهما.

إذا كان الاعتدال في السياسة الخارجية لدى روحاني يعني تجنب دواعي التوتر مع المجتمع الدولي، فإنه يعني في السياسة الداخلية اجتثاث جذور التطرف والإقصاء على المستويات الفكرية والسياسية والأمنية أيا كان مصدرها
وإذا كان الاعتدال في السياسة الخارجية لدى روحاني يعني تجنب دواعي التوتر مع المجتمع الدولي، فإنه يعني في السياسة الداخلية اجتثاث جذور التطرف والإقصاء على المستويات الفكرية والسياسية والأمنية أيا كان مصدرها.

يرفض معظم المقربين من المرشد والحرس الثوري رؤية حسن روحاني للاعتدال ويعتبرونها تطرفا متخفيا في ثياب الاعتدال وترويجا جديدا لمقولات التيار الإصلاحي، فباعتقادهم أي إصلاح ثقافي يمس بقيم الثورة الإسلامية ومبانيها الفكرية والاجتماعية -كما يتصورونها- هو مس مباشر بإحدى ركائز النظام.

ويرى هؤلاء أن المسألة الثقافية هي المدخل الوحيد الذي يحاول الغرب استثماره في معركته ضد نظام الجمهورية الإسلامية.

ومن المُحتمل أن يكون هذا الاختلاف في الرؤيتين هو السبب في خروج تصريحين متعارضين إلى العلن أحدهما للمرشد والآخر للرئيس، ففي بداية مارس/آذار الماضي وضمن لقاء جمعه بأعضاء مجلس الخبراء عبّر خامنئي عن قلقه بخصوص السياسة الثقافية، وبعد يومين فقط من تصريح المرشد اغتنم الرئيس حسن روحاني حفل اختتام معرض الصحافة والإعلام ليؤكد -فيما يشبه ردا على كلام خامنئي- أن المسألة الثقافية لا يمكن حلها بالضغوط والطرق البوليسية.

كما انتقد احتكار السلطة التنفيذية لملفات الفساد المالي والاقتصادي، ويبدو روحاني بهذا الكلام رافضا لرؤية المرشد الثقافية ولأوامره في ما يتصل بحصر قضايا الفساد لدى الجهات المختصة وعدم فتح نقاشات عامة بشأنها.

نشير هنا أيضا إلى بيان وزير الثقافة في حكومة روحاني السيد علي جنتي والذي أصدره عقب تصريح خامنئي، وأوضح فيه أن طمأنة مرشد الثورة تحتاج بالضرورة إلى تحديد عميق لمفهوم "الهجوم الثقافي".

يُشكل هذا التعارض في الموقفين بين الرئيس حسن روحاني والمرشد علي خامنئي حدثا غير مسبوق في عهد "حكومة الاعتدال"، لاسيما أن الطرفين نجحا حتى الآن في تحقيق التّوافق أو التّهدئة بخصوص ملفات مثل المفاوضات النووية والأزمة السورية والسياسة الاقتصادية وحقوق الإنسان، لكن يبدو أن فشل الرجلين في الوصول إلى توافق على المسألة الثقافية فرض عليهما في النهاية الخروج إلى العلن بموقفيهما.

وليس مستبعدا أن يكون هذا الفشل بداية نهاية توافقاتهما في الملفات المذكورة، ذلك أن جذور المسألة الثقافية في إيران ممتدة إلى عمق أيديولوجية النظام، وأي محاولة للتصرف فيها دون الحصول على ضوء أخضر من المرشد ومراكز القوة المتحالفة معه سيكون مغامرة غير محسوبة من أي حكومة.

إنَّ اعتراض حسن روحاني على التّدخل في سياساته الثّقافية ليس في الحقيقة سوى دفاعٍ عن قلعة أساسية من قلاع برنامجه الإصلاحي، وذلك بعد أن فقد -على ما يبدو- قلعتي الاقتصاد وحقوق الإنسان، فالرجل يرغب في تحقيق إنجازات واضحة يستطيع تقديمها كإنجازات خالصة لحكومته أمام منتخبيه، وربما يرى نفسه مستحقا بجدارة لجائزة من المرشد نظير ما أنجزه من نجاح في السياسة الخارجية حتى الآن.

وليس مستبعدا أن يكون هدف اعتراضه هو إشعار خصومه بأن صبره بَدأ ينفد، لاسيما إذا كان يستحضر تصريحا لحليفه هاشمي رفسنجاني كان قد أطلقه قبيل الانتخابات الرئاسية الصيف الماضي وقال فيه إن الماسكين بزمام الأمور في إيران لا يؤمنون بمبدأ التَّشارك ولن يرضوا إلا بإيران كقطعة كاملة.
ما اعتُبر نجاحا لإيران في الخروج من عنق الزجاجة الصيف الماضي كان مجرد تأجيلٍ لمشاكل جوهرية يعاني منها النظام الحاكم ولن يتم التعافي منها إلا بوفاق وطني وإصلاحات دستورية وثقافية عميقة

وفي كل الأحوال لا يزال التّوافق الحذر الحاصل حتى الآن بين المرشد علي خامنئي والرئيس روحاني مستمرا، وهو شرط أساسيٌ لأي تقدم متوقَع في المفاوضات النووية، بينما يمثل التوتر القائم بين الطرفين حول المسألة الثقافية تهديدا حقيقيا لذلك التوافق، لاسيما أن اختيار خامنئي شعار "الثقافة والاقتصاد بعزم قومي وإدارة جهادية" للسنة الإيرانية الجديدة يؤكد محورية العنصرين معا بالنسبة للمرشد والقوى المرتبطة به في المرحلة القادمة.

كما أن الإشارات السلبية التي تطلقها بعض المنابر الإعلامية الأصولية والمقربة من المرشد ضد الرئيس روحاني وحكومته، تجعل هذا التهديد أمرا واقعا، وقد اعتبر البعض الظهور المفاجئ للرئيس السابق محمود أحمدي نجاد قبل أيام إلى جانب المرشد في مناسبة رسمية دليلا على رغبة هذا الأخير في تعزيز جبهة المناوئين للرئيس روحاني.

وختاما، تَعاقبَ على رئاسة الجمهورية الإسلامية قبل حسن روحاني ستة رؤساء، اتهِم أربعة منهم بخيانة أو تحريف مبادئ النظام، وعليه، أظنّ أن ما اعتُبر نجاحا لإيران في الخروج من عنق الزجاجة الصيف الماضي كان مجرد تأجيلٍ لمشاكل جوهرية يعاني منها النظام الحاكم ولن يتم التعافي منها إلا بوفاق وطني وإصلاحات دستورية وثقافية عميقة تعيد ترتيب ميزان القوى الداخلي لصالح الدولة والمجتمع مقابل ولاية الفقيه والمؤسسات الثورية والدينية المتحالفة معها.

وقد أصبح الوصول إلى هذا الوفاق مصيريا اليوم أمام اشتداد الرقابة الدولية على طهران، وغياب أي شخصية بديلة في إيران يمكنها خلافة المرشد علي خامنئي حتى الآن، وذلك بالنظر إلى تقدم الرجل في السن ومحورية منصبه في هيكل النظام.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك