عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي

الحرية في الثقافة العربية
في مواجهة الدولة
الحرية كمشروع

تحتل كلمة الحرية مكانة هامة في الخطاب السياسي العربي المعاصر وخاصة بعد موجات الثورات التي رفعت رايتها عاليا.

لكن بعيدا عن بعدها الشعاراتي والسياسي، تمثل الحرية تحديا كبيرا للفكر العربي المعاصر كما تمثل تحديا للدولة وللمجتمع، وهو تحد يفسر بالتباس الكلمة في بعدها المفهومي وفي بعدها التاريخي إلى حد اعتبار هذه القيمة مجرد استيراد مرضي من الغرب ولا يتلاءم مع خصوصية مجتمعاتنا.

في سياق التحولات الحالية الهامة على الساحة العربية تبدو العودة لتوضيح مختلف أبعاد الحرية ضرورية كي تكون جزءا من مشروع المستقبل العربي.

الحرية في الثقافة العربية
اتخذت كلمة "حرّ" في الثقافة العربية القديمة بعدا قانونيا بالأساس يميز بين حالة العبودية وحالة الحرية. أن تكون حرا يعني ألا تكون ملك ذات اليمين. أما لفظ الحرية فعادة ما استعمل في بعد أخلاقي أي باعتبارها مظهرا من مظاهر عزة النفس وتوازن الخصال والشخصية حتى لدى أصحاب الكلام من المعتزلة.

اتخذت كلمة "حرّ" في الثقافة العربية القديمة بعدا قانونيا بالأساس يميز بين حالة العبودية وحالة الحرية أما لفظ الحرية فعادة ما استعمل في بعد أخلاقي أي باعتبارها مظهرا من مظاهر عزة النفس وتوازن الخصال والشخصية

قال الجاحظ في رسائله "وقل من يحسن الملكة، ويحرس الحرِّيَّة أو يضبط نفسه، فإنه ربما لم يخرجه غِشّا فأخرجه سخفا وضعفا".

نجد الحرية كقيمة لدى المتصوفة بالأساس ولكن باعتبارها الطريق نحو العبودية. حيث يقول ابن عربي في الفتوحات المكية: "والمطالعة لا تكون إلا لأهل الحرية فإن قلت وما الحرية؟ قلنا إقامة حقوق العبودية لله تعالى".

والمقصود بالحرية هنا هو التحرر من شهوات الدنيا كوسيلة للتفرغ لعبادة الله. وهو نفس الفهم الذي نجده لدى أبي حامد الغزالي الذي يقول في إحياء علوم الدين: "وأما الحرية فالخلاص من أسر الشهوات وغموم الدنيا والاستيلاء عليها بالقهر تشبها بالملائكة الذين لا تستفزهم الشهوة ولا يستهويهم الغضب".

قد نستثني من ذلك طرح مسألة حرية الإنسان في علاقته بالخالق من خلال النقاش المتشعب حول وضع الإنسان بين الاختيار والتسيير والذي أعطى بعدا فرديا للحرية في إطار الفهم الديني. لكن من الواضح إجمالا أن الحرية كفكرة طرحت قديما إما في إطار قانوني أو أخلاقي أو ديني في حين غاب البعد السياسي الجماعي والفردي.

حصلت نقلة نوعية باتجاه إعطاء الحرية معنى سياسيا مع نهاية القرن الثامن عشر في الباب العالي وبالتحديد من خلال الاتفاق الموقع سنة 1774 والذي يعطي لتتار القرم حريتهم السياسية عن الدولة العثمانية وعن روسيا مع بقائهم تحت الوصاية الدينية للخليفة العثماني.

بهذا يكون المعنى السياسي الأول هو معنى الحرية الجماعية لشعب أو أمة ما. أي بمعنى شبيه بما أفرزته الثورة الأميركية التي اندلعت في نفس الفترة.

لكن النقلة التاريخية الحقيقية ستأتي من خلال تفاعل العالم العربي والإسلامي مع ما أتت به الثورة الفرنسية من مبادئ تهم الفرد المواطن بالأساس. وقد وردت الحرية في التقارير الدبلوماسية العثمانية بمعنى المساواة.

كما نلاحظ أن بعض كتاب تلك الفترة -ومنهم رفاعة الطهطاوي- كانوا ضد الحرية باعتبارها نوعا من الانحلال من ضوابط القيم ونوعا من الفوضى، وهو فهم ما زال منتشرا إلى اليوم.

لكن في نفس الوقت نجد لدى عديد الكتاب اللذين تحدثوا ولو عرضا عن الحرية خلال القرن التاسع عشر ربطا مع حسن تنظيم الدولة (خير الدين التونسي) ومن هنا يأتي مفهوم عهد التنظيمات ودولة التنظيمات. أي أنه تم الابتعاد عن المفهوم الأصلي للحرية كما أفرزه فكر النهضة ورفعته الثورة الفرنسية وهو مفهوم حرية الفرد السياسية والفكرية باتجاه تنظيم الدولة.

فمن حرية الفرد تجاه المجموعة والدولة أصبحت حرية الفرد ضمن قوة الدولة. وفي ذلك قلب لمحتوى الحداثة كما يراه الفيلسوف هيغل الذي يعتبر أن حق الفرد في الحرية يشكل نقطة تحول فارقة بين التاريخ القديم والتاريخ الحديث أي بين العالم القديم والحداثة.

في مواجهة الدولة
يبدو إذن أن الإشكال التاريخي للحرية في العالم العربي يتمثل في تحويلها من بعدها الفردي السياسي إلى مستوى الدولة والمجموعة الوطنية.

ويفهم هذا التحول في إطار وضع العالم العربي آنذاك. أي وضع التأخر الاقتصادي والعسكري والثقافي بالمقارنة مع الجارة أوروبا التي خطت خطوات عملاقة في التمدن والتقدم وباتت تهدد الضفة الجنوبية للمتوسط.

لقد كانت حملة نابليون على مصر بين عامي 1798 و1802 بمثابة ناقوس خطر للتحذير من إمكانية الخضوع لسيطرة أوروبا. ما الحل؟ لم يكن من بد للدول العربية والإسلامية التي كانت في الواجهة سوى تبني إصلاحات بغاية تحصين الدولة وتقويتها في مواجهة القوى الخارجية. فكان التعليم المرتبط بالدولة والمدارس العسكرية وبعض الصناعات الحربية سواء في تركيا أم مصر أو تونس.

وقد مثلت هذه الإصلاحات إيذانا بظهور بوادر الدولة-الوطن أو الدولة القومية بالمعنى الحديث للكلمة. أي الدولة التي يتطابق فيها وجود هيكل سياسي مركزي مع أرض محددة ومجموعة بشرية تعي انتمائها إلى هذا الكيان الكلي.

ازدادت الفجوة بين المحتوى الفردي والسياسي للحرية من ناحية واستعمالها الدارج عربيا خلال الفترة الاستعمارية، فخضوع أغلب البلدان العربية للاستعمار جعل من إشكالية المصير الجماعي للأمة تطغى على مسألة الحريات

وربما من المستحسن الحديث في هذه الفترة، كما يقول عبد الله العروي، عن توسع نطاق الدولة على حساب الفرد الذي كان يتمتع بشيء من الحرية الطبيعية في إطار منظومته البدوية. هكذا إذن فرضت الدولة القوية والمنظمة نفسها على حساب الفرد من ناحية وعلى حساب المحتوى السياسي للحرية وذلك في سياق من الشك والخوف من الآخر.

لكن سياق المواجهة هذا لا يفسر لوحده انفراد الدولة بعملية البناء السياسي والإداري والاقتصادي، ذلك أن تخلف الهياكل الاقتصادية لم يسمح بإيجاد حركية على مستوى الهياكل الاجتماعية التي بقيت في مجملها محكومة بالتنظيمات التقليدية (القبيلة، المجموعة الدينية...). أي إن الشروط التي أدت إلى نشأة الدولة القومية في الغرب لم تكن متوفرة بل إن ظهور هذا النمط من الدولة فرضته ظروف المواجهة والحذر من الآخر.

فإن كانت الدولة القومية هي سمة المجتمع الصناعي بالمقارنة مع المجتمعات الزراعية كما يقول إرنست جلنر فيمكن القول إن العالم العربي دخل المرحلة الصناعية من التاريخ دون صناعة.

وهكذا نفهم كيف صارت الدولة هي العامل الأول للتحديث والضامن كذلك للارتقاء الاجتماعي. هكذا نفهم أيضا جذور الأبوية الدولتية في العالم العربي والتي ستترسخ فيما بعد سواء في شكل استبداد واضح أو استبداد "نير".

لقد ازدادت الفجوة بين المحتوى الفردي والسياسي للحرية من ناحية واستعمالها الدارج في العالم العربي خلال الفترة الاستعمارية. ذلك أن خضوع أغلب البلاد العربية للاستعمار جعل من إشكالية المصير الجماعي للأمة تطغى على مسألة الحريات.

فقد اقتضت المرحلة التأكيد على وجود الأمة في مواجهة الإنكار الاستعماري وخاصة الفرنسي منه. لم تكن الأولوية إذن للمسائل الاجتماعية أو للأفراد بل لتأكيد الذات الجماعية.

من هنا بدأت البلورة الفكرية والسياسية للأمة ككيان وكوجدان اجتماعي مشترك وهو ما فعله الثعالبي وبورقيبة في تونس وكذلك مصالي حاج وابن باديس في الجزائر وحزب الوفد في مصر. أي التأكيد على الأمة التونسية والأمة الجزائرية والأمة المصرية بمعنى الدولة الوطنية والتي يحتل فيها الإسلام مكانة هامة باعتباره الثقافة العليا.

خلال هذه المرحلة تم اختزال الحرية في مطلب الاستقلال، أي استقلال الأمة عن الاستعمار بهدف تكوين الدولة.

تهميش الحرية سيتواصل بعد الاستقلال من خلال الأيديولوجيا الوطنية التي تعطي الأولوية لبناء الوطن على حساب المواطنة. فانبثق عن هذه التجربة عهد غير معلن بين دولة تضمن التنمية من ناحية ومواطن يدين بالولاء من ناحية ثانية.

أي إن الدولة تضمن ما يمكن تسميته بالحريات الطبيعية مثل التنقل وحد ما من مستوى العيش مع شيء من الإنصاف والعدالة. وفي ذلك نوع من العودة إلى مفهوم دولة التنظيمات للقرن التاسع عشر والتي تركز على تنظيم الدولة على حساب الفرد.

الحرية كمشروع
كيف يمكن أن ننظر إلى الحرية كمشروع في العالم العربي؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال تجب الإشارة إلى أن الحرية المتحدث عنها هنا هي الحرية الفردية وهو المعنى الليبرالي الأصلي للكلمة.

وحداثة الدولة الحقيقية تقاس بمدى ضمانها حرية الذات الفرد. كما تجب الإشارة كذلك إلى أن مفهوم الحرية هذا، وبالرغم من أنه ظهر في الغرب، إلا أنه لا يعني أنه غربي الماهية في النهاية.

فالحرية نتاج لتراكم التجربة الإنسانية في مختلف الثقافات وهي تتويج لعقلانية الفكر الإنساني الذي ساهم فيه العرب المسلمون أية مساهمة قبل أن ينقلوه إلى أوروبا عبر مفكرين مثل ابن رشد والفارابي وابن سينا.

هل منعت هذه التطورات وهذه الانحرافات التاريخية ظهور الحرية كمفهوم سياسي وكمطلب للفرد؟ بالطبع لا. فقد كان الشباب الأتراك في القرن التاسع عشر أول من ربط بين الحرية والاستبداد وذلك في أواسط العهد الحميدي (عبد الحميد الثاني) مما أعطى للحرية بعدها السياسي.

وكان عبد الرحمن الكواكبي قد تأثر بتوجه هؤلاء الشباب كما تأثر بالتجربة الإيطالية فأثمر تأثره كتاب طبائع الاستبداد. لكن النقلة النوعية باتجاه الحرية في معناها السياسي وفي بعدها الفردي تعود إلى المفكر المصري لطفي السيد.

كان السيد متأثرا بأفكار ليبراليي القرن التاسع عشر وخاصة منهم جون ستيوارت ميل والذي كانت الحرية في قلب اهتماماته الفكرية.

يرى السيد أن الحريات الفردية هي جوهر الحرية وأنه لا يمكن حمايتها إلا بقوانين مدنية، وفي نفس هذا الاتجاه يمكننا أن نجد فكر طه حسين والشاعر التونسي أبو القاسم الشابي.

مختلف هذه الشخصيات ابتعدت عن المفهوم الجماعي والدولتي للحرية لتتحدث عن حرية الإنسان الفرد في مرحلة العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين والتي يعرفها المؤرخون بالفترة الليبرالية نسبة للفكر الليبرالي الدستوري أساسا.

تحققت خطوة مهمة بإضفاء البعد السياسي للحريات في سياق الثورات الحالية، ولكن هذا الحراك ما زال يختزل الحرية في التخلص الجماعي من استبداد الحاكم دون طرح الحريات الفردية كضمان حقيقي للمواطنة الكاملة

لم ينقطع هذا التوجه في الحقيقة بل خفت بريقه في سياق المرحلة الاستعمارية ثم في سياق الحماسة الوطنية بعد الاستقلال.

لكن خيبة الأمل الاجتماعية والسياسية في دولة الاستقلال ثم هزيمة 1967 عجلت بعودة الحرية في شكل مطلب سياسي للتخلص من الاستبداد.

هكذا ظهرت منذ بداية السبعينيات عديد الأحزاب والجمعيات الحقوقية وحتى النقابات التي تنادي بالتعددية وبالديمقراطية كتجسيد للحرية في بعدها السياسي.

وبالرغم من التأخر النسبي وطول المدة فإن الثورات العربية التي ابتدأت من تونس أعادت إلى الساحة هذه المطالب في إطار محاولات للانتقال الديمقراطي ما زالت متعثرة لأسباب اجتماعية وتاريخية متداخلة.

فقد تحققت خطوة مهمة من خلال إضفاء البعد السياسي للحريات في إطار سياق الثورات الحالي، لكن مصير هذا الحراك يبقى غير مضمون بسبب صعود حركات لا تؤمن أصلا بالحرية لتؤثر سلبيا في مسار الأحداث.

من جهة أخرى ما زال هذا الحراك يختزل الحرية في التخلص الجماعي من استبداد الحاكم دون طرح الحريات الفردية كضمان حقيقي للمواطنة الكاملة. فالحرية كمشروع مستقبلي للعالم العربي هي تلك التي تضمن حرية الفرد ليس فقط في مواجهة سلطة الحكم بل كذلك في مواجهة سلطة المجتمع.

هكذا نمر من الحرية كحق للوجود (الدولة والأمة والنمو) إلى الحرية كحق للمشاركة السياسية (الديمقراطية) في انتظار معركة حرية الضمير.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك