فارس الخطاب

فارس الخطاب

أكاديمي وإعلامي عراقي



في كييف أقيل ثلاثة نواب لوزير الدفاع الأوكراني بسبب رفضهم المشاركة في وضع خطة تقتضي استخدام القوات المسلحة للسيطرة على بعض المناطق في شرق وجنوب شرق البلاد، كما تم نزع سلاح وحدات أوكرانية مرابطة هناك وقفت إلى جانب برلمان القرم.

نموذج حي وقريب لانضباط الجيوش تجاه الأحداث السياسية التي تعصف ببلادهم والتي تتعلق بإرادات الشعوب ورغبتها في التغيير، ولو فعل هؤلاء النواب العكس لاتسمت مجريات الأمور في شبه جزيرة القرم بالكثير من الدموية، ولأسست لعقدة لن تزول أبدا تجاه الجيش الأوكراني والوحدات المرابطة منه في هذه المدينة، وربما في غيرها أيضا.

ومن سياق تجارب الشعوب، لم تنجح حكومة دولة واحدة على الإطلاق في إبقاء حظوتها لدى شعبها بعدما استخدمت الجيش ضد هذا الشعب مهما طالت فترة القبض على حريته وإرادته. والتجارب أثبتت أن هذه الشعوب -مع أول ارتخاء في قبضة العسكر- أسقطت هذه الحكومات، ولكن بدموية تركت في وجدان وسجل هذه الدول تاريخا لا يمحى بسهولة تجاه جيوشها حصرا.

معظم أبناء الأمة يتعاطفون مع أفراد القوات المسلحة، وبفارق كبير عن أفراد الشرطة وقوى الأمن الداخلي، ومرد ذلك أن القوات المسلحة نادرا ما استخدمت في التصدي للمظاهرات أو فض الاعتصامات

وفي سجلاتنا الوطنية العربية نجد أن معظم أبناء هذه الأمة يتعاطفون لدرجة كبيرة مع أفراد القوات المسلحة، وبفارق كبير عن أفراد الشرطة وقوى الأمن الداخلي، ومرد ذلك أن القوات المسلحة العربية نادرا ما استخدمت في التصدي لمظاهرات أو فض اعتصامات أو التواجد في الشوارع خلال نشاط حركات التحرر العربي في منتصف القرن الماضي، بل كانت قوى الأمن الداخلي هي من يتصدى لذلك وبالتالي هي من يواجه الشعب ويصطدم معه.

ومع بدايات عام 2011 ظهرت في بعض أقطار الوطن العربي حركات جماهيرية أسفرت عن نجاح ثورتين سلميتين عظيمتين في مصر وتونس. ومن خلال دور الجيش في هاتين الثورتين وأسلوب المحافظة عليهما، تتبين لنا أسباب نجاح ثورة تونس وتلكؤ ثورة مصر.

فقد كان الجيش التونسي منضبطا بحدود دستور البلاد الذي جعله حاميا للدستور والشرعية، وعندما خرج الشعب في حراك كامل ناشدا التغيير أيقن قادة الجيش أن الخيار الوحيد للحفاظ على الشرعية هو الطلب من الرئيس مغادرة البلاد منعا من إدخالها في أتون الفوضى الأمنية، فنزع الجيش التونسي بذلك أهم بواعث الغضبة الشعبية بإزاحة من خرجوا مطالبين بإزاحته، فكان حضورهم في ميادين تونس مرحبا به ودون أي توتر من أي جهة كانت.

ثم كان الجيش التونسي مهنيا أكثر ومهيبا في سلوكه الدستوري عندما احترم إرادة الشعب باختيار نوابه وبالتالي رئيسه، ولم ينجروا وراء مهاترات حدثت هنا أو هناك حتى توصل الفرقاء التونسيون إلى بر للأمان جعل من نموذج ثورتهم منارا عالميا للدلالة على وعي الشعوب وإرادتها في تحقيق كرامتها.

أما في مصر العربية، فلم تكن الصورة بنفس الشفافية والوضوح، حيث أقدم الرئيس المصري الأسبق على استقدام الجيش بكل تحفظ وفي آخر مراحل الثورة المصرية لأنه يعرف أن هذه هي الورقة الأخيرة، والخاسرة غالبا، ولأن قادة الجيش حينها يعلمون جيدا حدود علاقتهم الدستورية بالشعب، فقد كان حضورهم في ساحات الاعتصام وحول القصر الرئاسي شرفيا، وتبادل المتظاهرون معهم أكاليل الورد والتقطوا معهم الصور التذكارية.

وبعد نجاح الشعب في الاختبار التاريخي وتحقيق أولى الخطوات نحو الديمقراطية عبر انتخابات برلمانية ورئاسية شفافة أفضت إلى تغييرات في التشكيلات القضائية والإدارية والعسكرية لإيجاد الفريق المناسب لقيادة البلاد بعيدا عن إرث الماضي المليء بظواهر الفساد، عملت جهات كثيرة على إجهاض هذا التغيير الديمقراطي في مصر. وكان الفيصل لكل هذه الجهات قيادة الجيش المصري التي استغلت حراك الجماهير يوم 30 يونيو/حزيران 2013 لتركب موجة الإدارة المطلقة للبلاد، ثم لتعلن حالة الطوارئ التي فاقت طوارئ مبارك ضراوة.

وبات منظر الوحدات العسكرية المرابطة في شوارع القاهرة ومدن مصرية أخرى مشهدا مألوفا، ولكنّ غير المألوف هو تعرض هذه الوحدات بالنار لمعارضي حكم العسكر، حتى تحولت القاهرة ومدن رئيسية إلى ساحات لحرب عصابات.

كما تحولت خيرة وحدات الجيش المصري العظيم والتي هيئت لقتال عدو خارجي قوي إلى وحدات هزيلة تقف على مداخل ومخارج الطرقات والميادين ينظر إليها الكثير من المصريين على أنها عبء على حريتهم وأمنهم، خاصة بعدما أصبحت هذه الوحدات سببا لاستفزاز من يتعرضون للملاحقة والتضييق السياسي والأمني وخاصة من التيارات الإسلامية، وهي كثيرة في مصر.

وفي العراق صاحب التاريخ العريض بسجل جيشه القومي والوطني، يدخل رئيس وزرائه الذي يحتفظ بحقيبتي الداخلية والدفاع -دون أي معرفة بالقطاعين- الجيشَ في أتون صراعات بلاده الداخلية للقضاء على كل خصومه وإرهاب الآخرين.

إذا ظن الحكام وقادة الجيش أنهم فوق إرادة الشعب فستسقط عنهم حينها كل شرعية، ذلك أن الشعب يتنازل عن حقه في استخدام القوة لصالح الدولة لتحمي جميع أفراده، فإن خرجت عن هذا التفويض فلن تبقى لها الشرعية اللازمة لأي قوة

ولن أسرد كل تجارب العراق الجديد في موضوع إقحام الجيش في مواجهة الشعب، وسأكتفي بما يجري الآن في محافظة الأنبار، فقد حوّل مسار الجيش من مقاتلة عناصر تنظيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في صحراء هذه المحافظة، إلى مقاتلة مدنها التي تعارض أسلوب حكمه وتفرده بالسلطة، مرتكبا مخالفة دستورية تقول "لا يجوز استخدام الجيش في النزاعات الداخلية ولا يجوز إدخاله المدن".

وقبل ذلك استخدام الجيش لقمع وقتل المتظاهرين في بغداد ثم في الحويجة والفلوجة وما زال، وهو بذلك يخالف نصا دستوريا آخر يقول "إن الجيش العراقي هو حامي الحدود الإدارية للبلد ولا يتدخل في الشؤون الداخلية والخلافات السياسية".

إن وظيفة الجيش هي حماية الوطن من الاعتداءات الخارجية وتوفير الأمن للمجتمع وليس حماية الحاكم لذاته، وهو في أبعد الأحوال الحد الفاصل بين الانفلات الأمني والمجتمعي وبين الانتقال السليم للسلطة، كما في تجربة تونس ومصر قبل 30 يونيو/حزيران الماضي.

أما إذا ظن الحكام وقادة الجيش أنهم فوق إرادة الشعب فستسقط عنهم حينها كل صفات الشرعية والأخلاقية، ذلك أن الشعب يتنازل عن حقه في استخدام القوة لصالح الدولة لتحمي جميع أفراده، فإن خرجت عن هذا التفويض حكومات أو قيادات جيوش فلن تبقى لهم الشرعية اللازمة لأي قوة.

أذكّر بكلمة العالم شارلز داروين أن "الكائنات الأكثر قابلية للتأقلم مع المتغيرات هي التي تستطيع البقاء"، لذا علينا أن نتطور ونتأقلم مع عالم اليوم، فشعوبنا بوعيها واتصالها مع العالم لم تعد أسيرة إعلام واحد، ولا ملهم واحد، ولا يمكن ثنيها عن إرادتها بإطلاق النار عليها بوحشية كما يحدث في مصر والعراق، وإنما عبر تطوير قواتنا المسلحة وربطها بمنظومة عربية قوية تجعل من أمننا القومي حصنا منيعا، وأن تترك مجريات الداخل للحكام وقوى أمنهم الداخلي، فإن أخفقوا في إرضاء الشعب وحفظ أمنه، سقطت شرعيتهم وسقطوا بهيبة الشعب وقواته المسلحة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك