فهمي هويدي

فهمي هويدي

كاتب وصحفي مصري


ثمة أجواء للتهدئة لاحت بوادرها في الفضاء العربي مؤخرا، لا يعرف نصيب مصر منها.

(1)

يوم الخميس 17/4 عقد وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي اجتماعا طارئا في قاعدة الرياض الجوية، أعلن في أعقابه أنه تم الاتفاق "على تبني الآليات التي تكفل السير في إطار جماعي، ولئلا تؤثر سياسات أي من دول المجلس على مصالح وأمن واستقرار دولة، دون المساس بسيادة أي من دوله".

هذه العبارة الإنشائية الفضفاضة لم تعلن خبرا جديدا، وإنما كانت صياغتها هي الخبر، كما أن ملابسات الاجتماع كانت بمثابة خبر آخر. إذ المعروف أن مجلس التعاون الخليجي اهتز وأوشك على الانقسام والانهيار حين أعلنت ثلاث من دوله (السعودية والإمارات والبحرين) في 5 مارس/آذار الماضي سحب سفرائها من قطر، لأسباب عدة على رأسها موقف الأخيرة من النظام المصري الذي استجد بعد الثالث من يوليو/تموز 2013.

ولأنها كانت خطوة غير مسبوقة في تاريخ مجلس التعاون، فقد اعتبرت إشهارا لانقسام المجلس، وبداية لحرب دبلوماسية باردة في منطقة الخليج. وهو ما دفع عقلاء المنطقة إلى محاولة احتواء الموقف وانقاذ المجلس من الانهيار، الأمر الذى تبدى في المساعي الكويتية والعمانية التي أثمرت ترتيب الاجتماع المذكور.

فى كل الأحوال فالقدر المتفق عليه بشأن الوضع الخليجي، أن مؤشرات الأزمة تراجعت في الوقت الراهن بحيث لم تعد بذات الحدَّة التي كانت عليها قبل أربعين يوما

الصيغة التي صدر بها البيان فتحت الباب واسعا للتكهنات. فمن قائل بأن قطر استشعرت الأزمة وأدركت أنها أصبحت في خطر، ومن ثم فإنها "تجرعت السم" -كما قيل- واستجابت لكل ما طلب منها، سواء فيما خص وقف نشاط الإخوان وترحيل رموزهم، أو تعديل سياسة قناة الجزيرة، أو إغلاق بعض المراكز البحثية التي أقلقت أنشطتها الدول التي سحبت سفراءها من الدوحة.

بالمقابل كانت هناك وجهة نظر أخرى اعتبرت أن قطر لم تقدم تنازلا وإنما تمسكت بأن سياستها الخارجية مسألة سيادية ليس لأحد أن يتدخل فيها طالما أنها لا تؤثر على أي دولة في مجلس التعاون.

وسمعت من بعض المطلعين على ما يجري في الكواليس أن الشأن المصري -الذي كان موضوع الخلاف الأساسي- لم يناقش في الاجتماع، حتى مسألة وجود معارضين للنظام المصري في الدوحة لم يجر أي نقاش حولها، لأن دولة الإمارات -وإمارة أبو ظبي بوجه أخص- تأوي معارضين ومحرضين على بعض الأنظمة العربية، ولم يثر ذلك حفيظة أو عتاب أي من دول الخليج.

وأشير في هذا الصدد إلى وجود محمد دحلان المشتبك مع أبو مازن، ومحمود جبريل -أحد معارضي النظام الليبي- والفريق أحمد شفيق، الذى عارض حكم الدكتور مرسي وله تحفظاته المعلنة على ترشيح المشير السيسي. كما أشير إلى دور أبو ظبي في مساندة الرئيس اليمنى السابق على عبد الله صالح الذي طالما هدد قطر واتهمها بزعزعة الاستقرار في اليمن.

لقد صرح وكيل وزارة الخارجية الكويتية بأن الأزمة انتهت، وهو أمر لم يتأكد بدليل أن السفراء الذين سحبوا من الدوحة لم يعودوا إلى أعمالهم. لذلك أرجح القول بأن الأزمة هدأت فقط ولم تنته. وأن الجليد انكسر ولم يذب تماما. وذلك هو التفسير الوحيد لدعوة وزراء خارجية دول مجلس التعاون لاجتماع طارئ بعد 42 يوما من سحب السفراء من الدوحة.

وفى حين كان بيان سحب السفراء الذى صدر في 5 مارس/آذار الماضي شديدا في اتهام قطر والتنديد بموقفها فإن البيان الأخير الذى صدر في 17 أبريل/نيسان أبرز أهمية السير في إطار جماعي وتحدث عن عدم المساس بسيادة أي دولة خليجية.

وفى كل الأحوال فالقدر المتفق عليه أن مؤشرات الأزمة الخليجية في الوقت الراهن تراجعت، بحيث لم تعد بذات الحدَّة التي كانت عليها قبل أربعين يوما.

(2)

رياح التهدئة حطت أيضا في غزة. إذ أعلن في 23 أبريل/نيسان الحالي عن توقيع اتفاق جديد للمصالحة تم التوصل إليه إثر اجتماعات استمرت يومين في القطاع بين وفد منظمة التحرير برئاسة عزام الأحمد، ووفد قيادة حماس برئاسة إسماعيل هنية رئيس الوزراء.

نص الاتفاق على ثلاثة أمور هي: تشكيل حكومة توافق وطني برئاسة محمود عباس خلال خمسة أسابيع، إجراء انتخابات المجلس التشريعي والوطني مع انتخابات رئاسة السلطة الوطنية بعد ستة أشهر من تشكيل الحكومة، عقد لجنة تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية لتمارس عملها خلال خمسة أسابيع من توقيع الاتفاق.

الاتفاق بدوره كان مفاجئا، ذلك أن المتابعين للشأن الفلسطيني صاروا يعتبرون أمثال تلك الحوارات والاتفاقات من تجليات الفشل المزمن. إذ منذ حوارات ياسر عرفات مع الفصائل والقوى الفلسطينية في القاهرة عام 1999 وحتى تفاهمات خالد مشعل مع محمود عباس في القاهرة عام 2013 فإن كل اتفاق تم التوصل إليه بين هذين التاريخين لم ينجح في رأب تصدعات الصف الفلسطيني.

أتحدث عن وثيقة أغسطس/آب 2002 واتفاق رام الله في 2003 وإعلان القاهرة في 2005 ووثيقة الوفاق الوطني في 2006 ثم اتفاق مكة بين فتح وحماس في 2007 واتفاق صنعاء في 2008 وتفاهمات القاهرة في عامي 2009 و2011، ثم إعلان الدوحة للمصالحة في 2012 الذى أعقبته تفاهمات أخرى في القاهرة عام 2013. رغم تلك المحاولات والجهود فإن المصالحة الحقيقية لم تتم، حتى بدا وكأن الانقسام تحول إلى "عاهة" أصابت الجسم الفلسطيني وأصبحت لصيقة به.

لم يكن ذلك التاريخ الحافل بالفشل مفاجئا لأسباب عدة أهمها أن التناقض في الصف الفلسطيني كان مما يتعذر تجاوزه. ذلك أنه ظل طول الوقت بين المقاومة والمساومة، وبين التعلق بالحلم الفلسطيني والقبول بأي قدر متاح من ذلك الحلم على الأرض، حتى وإن كان شكليا ووهميا.

لا أستبعد أن يلقى الاتفاق الفلسطيني مصير سابقيه، إلا أنني أراه واردا في السياق الذى نحن بصدده، من حيث أنه في حده الأدنى من مؤشرات التهدئة وتجلياتها

ما الذى جد هذه المرة وحرك ملف المصالحة؟ في رأي خبراء الشأن الفلسطيني فإن انسداد الأفق أمام الطرفين هو الذي دفعهما إلى الاتفاق. ذلك أن أبو مازن تيقن من أن المفاوضات مع الإسرائيليين لن تعطيه شيئا وأنها مجرد غطاء لابتلاع الأرض وتصفية القضية.

بالمقابل فإن حماس أدركت أن الأوضاع في قطاع غزة غير قابلة للاستمرار، في ظل استمرار الحصار وإغلاق الأنفاق مما أدى إلى مضاعفة معاناة الفلسطينيين وعذاباتهم.

وإزاء تعلل الإسرائيليين بالانقسام والادعاء بأن أبو مازن لا يمثل الشعب الفلسطيني في المفاوضات، فلم يكن هناك من مخرج سوى إعلان المصالحة وطي صفحة الانقسام، حتى إشعار آخر على الأقل.

تعددت أصداء الاتفاق. فحركة حماس ومؤيدوها رأوا فيه إيجابيات أهمها أنه بداية لطي صفحة الانقسام ومن ثم تخفيف معاناة سكان القطاع، كما أنه نص على رفض الاعتراف بيهودية الدولة الفلسطينية.

ومعارضو الاتفاق -ومنهم تنسيقية العمل الفلسطيني بمصر- رأوا فيه مغامرة تضر بمستقبل العمل الوطني الفلسطيني لأنه يخضع الوضع الفلسطيني برمته لسياسة أبو مازن وسلطاته المطلقة التي يتمتع بها في ظل شغله لـ35 موقعا قياديا في السلطة. ثم إنه في جوهره يقسم السلطة بين حركتي فتح وحماس، ويتجاهل بقية الفصائل. وجاءت تصريحات أبو مازن المتعجلة التي أعلن فيها بعد إذاعة خبر الاتفاق بأنه لن يغير شيئا من سياسته بما في ذلك تعاونه الأمني مع إسرائيل. وأغلب الظن أنه أراد بذلك أن يمتص غضب الأميركيين وحلفائهم الغربيين الذين أغضبهم ما جرى، إلا أن كلامه جاء مؤيدا لانتقادات المعارضين.

لا أستبعد أن يلقى الاتفاق مصير سابقيه، إلا أنني أراه واردا في السياق الذي نحن بصدده، من حيث أنه في حده الأدنى من مؤشرات التهدئة وتجلياتها.

(3)

يوم الأربعاء الماضي 24/4 كانت أخبار الانفراج في العلاقات المصرية الأميركية هي العنوان الرئيسي لأغلب الصحف المصرية. إذ أبرزت تلك الصحف أخبار تسليم طائرات الأباتشي لمصر، بعدما ظلت معلقة في الولايات المتحدة لبعض الوقت.

كما تحدثت عن زيارات ولقاءات لبعض المسؤولين المصريين (وزير الخارجية ورئيس المخابرات ومستشار الرئيس) مع نظرائهم في واشنطن.

كما أشارت الصحف إلى التصريحات الإيجابية التي أدلى بها وزير الخارجية الأميركي جون كيري في مخاطبته للكونغرس بخصوص مصر ودورها.

وذكرت أن اتصالات جرت بين وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل ونظيره المصري الفريق صدقي صبحي أبلغه خلالها بقرار استئناف إرسال بعض المعونات العسكرية لمصر.

صحيح أن واشنطن بررت قرارها بأن تسليم طائرات "آباتشى" يساعد السلطات المصرية على مواجهة الإرهابيين في سيناء ومن ثم يسهم في تحقيق أمن إسرائيل، كما أنها أقدمت على تلك الخطوة تأثرا بالضغوط التي مارستها إسرائيل والمملكة السعودية والكونغرس. (كما ذكرت افتتاحية نيويورك تايمز في 24/4) إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة التوجه الأميركي نحو التهدئة مع النظام القائم في مصر.

الخطوة كان لها صداها الواضح في التصحريات الرسمية وفى وسائل الإعلام المصرية. فلقاءات وزير الخارجية نبيل فهمي في واشنطن ركزت على أهمية تعزيز نقاط الاتفاق مع واشنطن وحسن إدارة ما يطرأ عليها من اختلافات أو تباين في وجهات النظر (الأهرام 24/4).

في الوقت ذاته فإن وسائل الإعلام توقفت عن الحديث عن عداء الإدارة الأميركية وتآمرها على مصر والتنسيق بينها وبين التنظيم الدولي للإخوان، إلى غير ذلك من القرائن الدالة على زوال "السحابة" التي لاحت في أفق العلاقات مع مصر. وقد وصفتها بأنها سحابة لأن علامات التوتر التي برزت بين البلدين بعد الثالث من يوليو لم توقف التعاون الإستراتيجي بين البلدين.

ليس واضحا مدى استعداد الرأي العام بمصر للدخول في طور التهدئة في ظل استمرار التوتر ومعارضة نخب وقوى للسير في هذا الاتجاه، وتفضيلها استمرار الحرب الأهلية الراهنة إلى أجل مفتوح

وذلك ما تشهد به بيانات وزارة الدفاع الأميركية التي ذكرت أن وزير الدفاع الأميركي أجرى 31 اتصالا خلال تلك الفترة مع الفريق السيسي حين كان وزيرا للدفاع، بمعدل اتصال كل ستة أيام تقريبا.

(4)

أحد الأسئلة التي تثيرها هذه الخلفية هو: هل يمكن أن يكون لتلك التهدئة صداها في الوضع الداخلي في مصر؟

ردي أنه من الصعب الرد بالإيجاب على السؤال في الوقت الراهن لعدة أسباب، من ناحية لأن حسابات المصالح والضرورات التي استدعت التهدئة في النماذج السابقة لا تتوفر في الحالة المصرية.

ومن ناحية ثانية لأن أجواء الانتخابات الرئاسية تستأثر باهتمام السلطة في الوقت الراهن. وإلى نهاية العام الحالي سيظل الرئيس المنتخب مشغولا بترتيب أوضاع الداخل. إذ يفترض أن يتخير الرئيس الفريق العامل معه ثم تجرى الانتخابات البرلمانية بعد ذلك، ثم تشكل حكومة جديدة. وهو ما يعني أن ماكينة السياسة لن تعود للعمل في مصر قبل بداية العام الجديد (2015).

من ناحية ثالثة، ليس واضحا بالضبط مدى استعداد الرأي العام في مصر للدخول في طور التهدئة في ظل استمرار التوتر القائم، خصوصا أن النخب الطافية على السطح والقوى وشبكات المصالح التي تساندها تبدي معارضة قوية للسير في ذلك الاتجاه، وتفضل استمرار الحرب الأهلية الراهنة إلى أجل مفتوح. وإذا صح ذلك فإن عودة الاستقرار السياسي إلى مصر ستظل مؤجلة إلى العام المقبل أو الذى يليه.

استوقفتني التغريدات التي علقت على المصالحة التي جرى بثها تلفزيونيا بين مرتضى منصور رئيس نادى الزمالك والمعلق الرياضي أحمد شوبير. إذ تفاءل البعض بها واعتبرها مقدمة للمصالحة الوطنية. وتوقع آخرون أن تكون الخطوة التالية هي إتمام المصالحة بين الفنانين المتنازعين أمام المحاكم زينة وأحمد عز. أضحكتني التعليقات والصور، لكنه كان ضحكا كالبكاء.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك