سعيد الحاج

سعيد الحاج

طبيب وكاتب فلسطيني وباحث في الشأن التركي


معارك سابقة
الانقلاب القضائي
المقارنة مع الجيش
إلى أين؟

بعد أيام من تعقيبه على قرار المحكمة الدستورية التركية إعادة فتح موقع تويتر قائلا إن حكومته "ستنفذ القرار ولكنها لا تحترمه"، ردد رئيس الوزراء التركي تهديداته باجتثاث ما يسميه "التنظيم الموازي" من مؤسسات الدولة، معتبرا أن القضاء هو المؤسسة الأخيرة التي يحتمي بها ذلك التنظيم، وبالتالي أصبحت معركة "تطهير القضاء" -وفق تعبيره- معركة تركيا الأخيرة في سبيل تحقيق حريتها التامة في "معركة الاستقلال" الجديدة.

فقد قال أردوغان في كلمة له أمام كتلة حزبه البرلمانية "لقد تمكنا من تطهير الدولة من العصابات، وسنطهر مؤسسة القضاء من تلك الشبكات"، في إشارة إلى جماعة الخدمة التي يتزعمها فتح الله غولن.

معارك سابقة
ذلك أن النظام الكمالي المتجذر في تركيا كان يعتمد دائما في حماية علمانية الدولة من أي تهديد، حتى ولو كان أحزابا سياسية أو حكومات منتخبة، بما في ذلك الانقلابات العسكرية، على ثلاث مؤسسات، وهي الجيش والقضاء والإعلام.

استطاع العدالة والتنمية في بدايات حكمه تجنب إغضاب المؤسسة العسكرية، وقدم نفسه خارجيا وداخليا كحزب خدماتي مختلف عن سلفه، وسعى عبر السنوات اللاحقة إلى تحجيم تدخل الجيش في الحياة السياسية

ولئن كانت الحكومات التركية المتعاقبة منذ عام 2002 بزعامة أردوغان قد استطاعت فعلا كبح جماح الإعلام والجيش وتحييدهما، فإن المعركة الحالية مع القضاء تبدو أصعب وأفدح ثمنا.

فقد انتصر أردوغان على أباطرة الإعلام بعد سنوات من العمل الدؤوب من خلال متابعة ملفات الفساد ضد بعضهم، ورفع قضايا ضد المتجاوزين منهم، وشراء مقربين منه أسهما في بعض وسائل الإعلام تغييرا لسياساتها التحريرية المناهضة للحكومة، ووضع الحكومة يدها على بعض وسائل الإعلام التابعة لرجال أعمال هربوا من البلاد خوفا من القضاء، وفتح المجال الإعلامي على مصراعيه لكل من يريد أن يعمل فيه.

وكان لهذه الخطوات المتلاحقة والمنظمة -إضافة إلى النجاحات السياسية والاقتصادية وتقوية الحاضنة الشعبية للحزب- أبلغ الأثر في توازن الحالة الإعلامية في مواجهة الحزب الحاكم، بل ربما رجحت كفتها إلى جانبه في بعض الأحيان، كما ظهر أثناء أحداث حديقة "جزي" في إسطنبول.

أما المؤسسة العسكرية، حامية حمى العلمانية والمبادئ الكمالية في تركيا بنص الدستور سابقا، فقد تدخلت أربع مرات، مرتين بانقلاب دموي ومرتين بالضغط عبر مجلس الأمن القومي لاستقالة الحكومة، وكانت تشكل دائما بعبعا مخيفا لأي حكومة متناقضة مع هذه المبادئ.

وقد استطاع حزب العدالة والتنمية في بدايات حكمه تجنب إغضاب المؤسسة العسكرية، وقدم نفسه للقوى الخارجية والداخلية كحزب خدماتي مختلف تماما عن حزب الفضيلة الذي انشق عنه، وسعى عبر السنوات اللاحقة إلى تحجيم تدخل الجيش في الحياة السياسية عبر عدد من الخطوات كان منها:

1- تعديل هيكلية مجلس الأمن القومي، بإتباعه للقيادة السياسية وجعله ذا أغلبية مدنية، لتصبح قراراته استشارية بعد أن كانت ملزمة للحكومة.

2- إعداد القيادات والسيناريوهات البديلة، وقد ظهر ذلك جليا حين استقال رئيس أركان الجيش وقادة القوات الجوية والبرية والبحرية بشكل جماعي عام 2011 في محاولة للضغط على الحكومة، ففاجأهم أردوغان بقرار تعيين نجدت أوزار رئيسا لأركان الجيش خلال أقل من ساعة.

3- محاكمة العشرات من جنرالات وضباط القوات المسلحة في قضايا التخطيط لانقلابات على الحكومة ضمن قضيتي "أرغنكون" و"المطرقة"، إضافة إلى محاكمة من نفذوا انقلابي عام 1980 و1997.

4- تعديل مهمة القوات المسلحة في الدستور التركي مؤخرا لتنحصر مهمتها في "حماية الحدود من العدو الخارجي" بعد أن كانت الانقلابات السابقة تعتمد على المادة 35 من الدستور التي تنيط بالجيش حماية الأسس العلمانية الأتاتوركية التي قامت عليها الجمهورية.

بيد أن القضاء التركي شكل دوما أقوى أسلحة النظام العلماني خلال تاريخه، حيث حظرت المحكمة الدستورية العليا منذ تأسيسها عام 1963 وحتى الآن 26 حزبا، ضمن 58 حالة حظر أحزاب في تاريخ تركيا الحديثة، تشكل معظمَها الأحزابُ الإسلامية والكردية.

كما أن العدالة والتنمية نفسه واجه خطر الحظر والإغلاق عام 2008 بتهمة تحوله إلى "مركز لأنشطة متعارضة مع العلمانية"، إلا أنه نجا بفارق صوت واحد (صوّت للقرار 5 أعضاء من المحكمة وعارضه 6)، رغم أن المحكمة أثبتت عليه تهمة معاداة العلمانية وعاقبته ماليا بخفض الدعم الذي يتلقاه من الدولة إلى النصف.

وقد شكلت التعديلات الدستورية التي تمت عبر استفتاء شعبي عام 2010 منعطفا مهما في تاريخ المحكمة، حيث تم تعديل بنيتها وزيادة عدد أعضائها من 11 إلى 17، وتحديد فترة عمل القضاة بها، وإعطاء دور أكبر لرئيس الجمهورية في اختيارهم، وتقليل إمكانية حظر الأحزاب السياسية (باشتراط موافقة ثلثي الأعضاء).

الانقلاب القضائي
لكن أجواء الهدوء السائدة بين الحكومة والقضاء منذ أعوام توارت تحت وطأة الأزمة التي تعاني منها تركيا منذ السابع عشر من ديسمبر/كانون الأول 2013، والتي تضمنت اتهامات بالفساد وجهت لوزراء ورجال أعمال مقربين من الحكومة، ووضعت الطرفين في مواجهة بعضهما بعضا.

امتلك العدالة والتنمية قوة قانونية بمواجهة الجيش باعتبار تدخله في الحياة السياسية جرما لا سيما بعد تعديل مهمته في مواد الدستور، في حين تملك المحكمة الدستورية يدا عليا على الحكومة والسلطة التنفيذية

فقد اعتبرت الحكومة ترتيب تلك الحملة بشكل سري ودمج ثلاث قضايا منفصلة في حملة واحدة محاولة لزعزعة الثقة في الحكومة وتشويه صورتها بهدف دفعها للاستقالة. ولأن قرارات التصنت والمتابعة ثم الاعتقال والتحقيق تمت كلها بعيدا عن التسلسل الإجرائي الهرمي المتبع في قضايا مشابهة، فقد اتهم أردوغان وحزبه "تنظيما موازيا" في الدولة يأخذ تعليماته من خارج مؤسساتها بترتيب "انقلاب قضائي" على الحكومة.

ذلك أن جماعة غولن (الخدمة)، حليفة العدالة والتنمية السابقة، اعتمدت منذ عشرات السنين على سياسة التغلغل الهادئ في مؤسسات الدولة المختلفة، ووجدت في السنوات الأخيرة دعما وحرية غير مسبوقين مكناها من تثبيت أقدامها في مختلف المؤسسات، لا سيما الشرطة والأمن والاستخبارات والقضاء، حيث يعتقد أن الجماعة تملك حضورا لا يستهان به في المحكمة العليا ومجلس الدولة والمحكمة الدستورية، إضافة إلى الهيئة العامة للقضاة والمدعين العامين التي تزعمت الصراع مع الحكومة منذ بداية الأزمة.

ورغم الإجراءات الكثيرة التي قام بها أردوغان خلال الأشهر الفائتة لحماية الحكومة من الجهاز القضائي، فإن التطورات المختلفة تشي بصراع صعب وطويل. ذلك أن إقالة وتغيير أماكن عمل العشرات من العاملين في السلك القضائي، إضافة إلى قانون القضاء الذي أتبع الهيئة العامة لوزير العدل مباشرة وحدد من صلاحياتها، كل ذلك لم يحسم الصراع لصالح الحكومة.

فقد بدا أن نفوذ جماعة غولن في السلك القضائي لم يتأثر كثيرا بعد صدور قرار الإفراج عن رجال شرطة اتهموا بعضوية التنظيم الموازي والتنصت وترتيب عملية ضد جهاز المخابرات التركية، إضافة إلى دخول المحكمة الدستورية على الخط مؤخرا، في سلسلة من القرارات التي ألغت قرارات أصدرتها الحكومة، بما فيها قانون تنظيم القضاء وحظر تويتر وقانون مؤسسة الاتصالات وتقنية المعلومات.

المقارنة مع الجيش
صعوبة هذه المعركة بين الحكومة والقضاء، إضافة لطول أمدها وتطوراتها المتسارعة، تضعنا أمام سؤال يفرض نفسه عن أسباب نجاح العدالة والتنمية في صراعه مع المؤسسة العسكرية المتحكمة في البلاد لعشرات السنين، في حين أنه لم ينجح حتى الآن في حسم صراعه مع المؤسسة القضائية، أو المتنفذين فيها من جماعة غولن.

وفي محاولة للإجابة على هذا التساؤل المنطقي، نجد أمامنا العوامل والفروقات التالية:

أولا، استثمار العدالة والتنمية ملف الانضمام للاتحاد الأوروبي ودعم الولايات المتحدة له لإنجاز إصلاحات ديمقراطية صبت كلها في اتجاه تحجيم دور الجيش في العملية السياسية، بينما يقف الاتحاد الأوروبي اليوم في مواجهة الحكومة التركية بسبب ما اعتبره تدخلا منها في عمل القضاء.

ثانيا، امتلاك العدالة والتنمية قوة قانونية في مواجهة الجيش باعتبار تدخله في الحياة السياسية جرما لا سيما بعد تعديل مهمته في مواد الدستور، في حين تملك المحكمة الدستورية (والقضاء عموما) يدا عليا على الحكومة والسلطة التنفيذية.

ثالثا، إمكانية تسويق مواجهة الحكومة مع المؤسسة العسكرية كنجاحات ديمقراطية، في وقت تواجه الحكومة في الداخل والخارج ادعاءات بالضغط على المؤسسة القضائية ومحاولة التستر على قضايا الفساد.

لئن كانت هذه المواجهة مضرة بصورة تركيا خارجيا وبأداء العدالة والتنمية أمام الأوروبيين، فإن أردوغان -يبدو- مصرا على استكمال الشوط إلى آخره، معتبرا الصراع مع متنفذي الخدمة في القضاء معركته الأخيرة

رابعا، وهو البعد الأهم ربما، أن الحكومة قلّمت أظافر الجيش بمبادرة من جماعة غولن وبمساعدة أعضائها المتنفذين في مختلف المؤسسات (يعتقد على نطاق واسع أنهم من قاموا بالتنصت وتسريب خطط الانقلابات)، بينما هم أنفسهم الذين يواجهون الحكومة اليوم، في وقت تبدو الأخيرة عاجزة حتى الآن عن محاصرتهم بسبب افتقارها للأدوات الإجرائية والقانونية التي تمكنها من التغلب عليهم.

إلى أين؟
هكذا، تبدو المواجهة الحالية بين أردوغان وما يسميه التنظيم الموازي في جهاز القضاء معركة مفتوحة على كل الاحتمالات، ويملك الطرفان فيها أوراقا قد يلجآن إليها.

ففي حين يركز أردوغان على عدم اختصاص المحكمة الدستورية في كثير من القضايا التي انبرت لها، إضافة إلى صدور تصريحات سياسية من أعضائها، قد تصعد الأخيرة الموقف بإجراءات ربما تصل -وفق مراقبين- إلى إلغاء بعض نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة، لا سيما في مدينة أنقرة، بعد تقدم حزب الشعب الجمهوري المعارض بشكوى للمحكمة بخصوصها.

ولئن كانت هذه المواجهة مضرة بصورة تركيا الخارجية وأداء العدالة والتنمية أمام الاتحاد الأوروبي وغيره من المنظمات الدولية، فإن أردوغان -فيما يبدو- مصر على استكمال الشوط إلى آخره، معتبرا الصراع مع متنفذي الخدمة في القضاء معركة تركيا مع آخر معيقات تقدمها، ويبدو في سبيل ذلك زاهدا في ملف الانضمام للاتحاد الأوروبي بشكل مؤقت، غير عابئ بالانتقادات الدولية، مركزا على المشهد الداخلي، الذي ستتضح معالمه أكثر بعد انتخابات الرئاسة.

فإذا ما وضعنا بعين الاعتبار تنحي الرئيس الحالي غل عن سباق الرئاسة ورغبة أردوغان في الترشح وزيادة صلاحيات الرئيس الذي سينتخب لأول مرة من قبل الشعب مباشرة، سنرى أن المعركة مرشحة للاستمرار، بل رفع السقف، خاصة بعد الانتخابات الرئاسية في أغسطس/آب القادم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك