مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

ما الوضع الذي يعيشه الميدان السوري حاليا؟ وأين تقف قوة الثورة العسكرية؟ وما الحصاد الذي يمكن قراءته اليوم بشفافية ومصداقية منذ تسعير التصعيد العسكري للنظام بعد الغطاء الدولي في صفقة سان بطرس بيرغ؟

وأهم من ذلك، كيف يتحول هذا الميدان إلى مشروع تكاملي يُخرج الشعب من دوامة القتل التي تعصف به بين النظام و"داعش" (الدولة الإسلامية في العراق والشام) و"حالش" (يقصد به حزب الله اللبناني)، فيعبر المشروع الثوري إلى صناعة المستقبل السياسي؟

الجواب عن هذا السؤال المركزي يستدعي مراجعة دقيقة للمشهد في ظل دخول الثورة السورية "العهد الثاني"، والمقصود به تماسكها بعد التواطؤ الدولي والهجوم الإقليمي الشرس وتصدع دول التضامن والتعاطف معها.

بات النظام -حتى مع سقوط معلولا- عاجزا رغم كل الدعم الذي تلقاه إقليميا ودوليا عن تصفية الثورة السورية، وأضحى هذا الواقع مشهودا على الأرض يُدركه كل المراقبين

إن المحصلة المهمة في كل ذلك هي أن النظام -وحتى مع سقوط معلولا- بات عاجزا رغم كل الدعم الذي تلقاه إقليميا ودوليا عن تصفية الثورة السورية، وأضحى هذا الواقع مشهودا على الأرض يُدركه كل المراقبين.

وفي ظل استعادة الثورة جزءا مهما من مبادرة الميدان في حلب والساحل، فإن هذا الوضع يُكرس الصعوبات الكبيرة التي ظن النظام أنه خرج منها بعد الغطاء الغربي الذي أتبع صفقة سان بطرس بيرغ، وأسهم في إعطاء موسكو وطهران كامل التغطية السياسية الضمنية لإنهاء الثورة لمصلحة الأسد، بعد أن بات الغرب يمارس قناعته بالرؤية الإسرائيلية المركزية التي ترى الثورة عدوا أصليا شرسا والنظام وإيران حليفا مرحليا مهما لصدها.

وأضحى هذا التقدم أو الصمود للثورة مسلسل استنزاف للقوات الإيرانية ذات الخبرة المركزية أو مليشياتها المتعددة من العراق إلى لبنان والخليج، حيث تؤكد الأنباء تصاعد عدد قتلى هذه المليشيات، وقد كانت خزان الإنقاذ للنظام، وعبرها استرد بعض المواقع المهمة، بعد أن استُهلكت قواته، وبات مركز العمليات بيد الحرس الثوري وخبرات تنظيم "حالش" ذي العلاقة المباشرة بأسرة الأسد.

وفي المقابل، فإن التقدم العسكري للثوار بعد انتكاسات خطيرة تعرضت لها جبهاتهم، كان مهما للغاية، ولكن لم يصل حتى الآن إلى مرحلة القدرة على حسم الحرب، وإن غيّرت معركة الساحل ميزان سير المعارك، وصنعت أمام جرائم النظام "الإرهابية" التي لا تتوقف حيث سيل البراميل المتفجرة، ما يمكن أن يُشكل توازن رعب نسبيا. وعليه، فإن الشعب في مناطق الثورة وحزامها لا يزال تحت حالة التوحش الهستيرية في القتل وصناعة الموت التي لا تتوقف من قبل قوات النظام وحلفائه.

وهذا النزيف البشري المروّع لا يجد أي اهتمام عالمي من محور القرار الدولي، كون أن توجه هذا القرار هو استنزاف الثورة إلى آخر حد أو تصفيتها، في حين خضع النظام كليا لنظرية الأمن الإسرائيلي وتسليم سلاحه الكيميائي بتغطية دولية عززها التقاطع الإيراني الإسرائيلي الجديد، الذي يُردد نغمة الغرب نفسها أن الثورة كلها وليست تنظيمات محددة هي "جسم إرهابي" يهدد هيمنتهم، ويجب على العالم الغربي أن يدعم هذا التحالف لمواجهتها.

ولم يتوقف الغرب عند المحاولات السياسية والتضحيات الكبيرة التي قدمتها الثورة للحفاظ على الجسم المدني للشعب السوري وتواصله التاريخي بين الطوائف، رغم أن النزف كان في مناطقه وفي أطفاله ونسائه، لكن الثورة كافحت للحفاظ على التآلف الوطني من جانب واحد في فترتها الأولى قرابة الـ 18 شهرا منذ انطلاقتها في مارس/آذار 2011، وكان من الطبيعي حصول اختراقات طائفية من الجانب الآخر كردة فعل لا تُقارن مطلقا بما صنعه التحالف الإيراني الطائفي، إضافة لانكشاف مشروع "داعش" الذي انفجر ضد الثورة، فكيف يحسب عليها؟

مع التسليم بأن الشعب السوري يواجه تواطأ عالميا غير مسبوق، فإن العهد الأول للثورة أظهر إشكاليات ذاتية سياسية وعسكرية وأيديولوجية لدى بعض الثوار، وفي فهم حقيقة الشرائع الإسلامية

هذا الاتهام الإعلامي من الغرب أو من تحالفات بعض القوميين العرب مع الطائفية الإيرانية، ليس سببه قواعد مبدئية للإنسانية، ولكنه انحيازٌ أصلي للنظام، لكراهية انتصار الثورة السورية وميلاد مشروع حرية طرح بقوة في شهورها الأولى، لا تقبل به معادلة الغرب المركزية في هيمنتها على العالم الثالث، وتخشى منه أيديولوجيات الصراع الأخرى في المنطقة التي تحولت لطوائف تنظر لمصالحها وانفصلت عن العلمانية الوطنية، وهو سبب تحالفها الحالي مع الموقف الإسرائيلي.

والتفصيل الذي يحكيه بعض سياسيي أوروبا لا يوجد له رصيد على الأرض، من حيث الاعتراف بالجسم العسكري الأصلي لثوار سوريا، الذي عانى ويعاني من حروب "داعش" ومجموعات قد تنشأ على ذات الفكر التكفيري المجنون، وهو موقف يتردد في الإعلام الغربي تجاه كل ثوار سوريا، وليست فصائل العبور الدولي لمقاتلي السلفية الجهادية سواء في "داعش" أو قاعدة الظواهري.

وهذا يعني أن الثورة تواجه تحديا إستراتيجيا كبيرا يترتب عليه نزف دماء ودوامة حرب تزيد الضغط الهائل على الشعب السوري، ولا شك أن نوعية هذا النظام -وكما اتضح ورغم كل التنازلات التي قُدمت له في جنيف- تؤكد أنه لا يحمل أي استعداد ولا تصور نفسي لمرحلة انتقالية يتنازل فيها عن أي مكتسبات، وليست لديه أية مشكلة في وجود ملايين القتلى في صفوف مؤيديه فضلا عن معارضيه.

وهنا تبرز أسئلة ملحة على عاتق الثوّار، وأوّلها كيف يتم إستراتيجيا ومرحليا مواجهة هذا الموقف الجنائزي المروع الذي يفرضه النظام على الشعب؟ وإذا كان مسلّما أن مواجهته العسكرية هي الحل، كيف توضع خطط العهد الثاني؟ وأين تكمن أكبر قدرات ممكنة لتأمين المدنيين؟

ومع التسليم بأن الشعب السوري يواجه تواطأ عالميا غير مسبوق، فإن العهد الأول للثورة أظهر إشكاليات ذاتية سياسية وعسكرية وأيديولوجية لدى بعض الثوار، وفي فهم حقيقة الشرائع الإسلامية وكيف تُنزل أحكام الضرورات.

إن نقد هذه المرحلة الذي يحتاج إلى سرعة لا عجلة، ومبادرة وليس تأخرا، سيقود إلى فهم خطة العبور للعهد الثاني، وعبره إلى بوابة النصر، وإخراج الشعب من نفق الموت، وقد كتب الله على أصحاب الحق نصرة المظلوم وإنقاذه من قتلته لبقاء حياته، ولله قدره يؤمن به ولا يحتج به لترك أية مساحة ممكنة للإنقاذ.

إن الرجوع إلى سجلات الدعم الوهمي أو المضطرب للثورة، يؤكد شراكة هذه الأطراف أو تقصيرها وتحمّلها المسؤولية، لكنّ السؤال وقد عرفت الثورة الأمر كيف هو العبور الذاتي، ومن ثم الاستفادة من أي طرف يدعم الشعب لخوف أو مصلحة؟

إن المسؤولية من جديد على ثوّار الجبهات الأصلية السورية لكي تجتمع لمناقشة العهد الأول وتدرك جيدا أن المخرج لا يمكن أن يتم دون حد أدنى من الوحدة

وفي حين تألق الدعم الشعبي الخليجي الإنساني للسوريين، فقد تورط جزء من دعمٍ شعبي آخر في الخليج وُجّه لخلق هيكل جديد للثورة، يُفرز منهجية أهل السنة الواحدة والعميقة، بحجة صناعة "ثوّار عقيدة"، رغم أن كل الثوّار يحملون الهم الإسلامي، وإن وجدت مَوَاطن خيانة أو غدر فهذا أمرٌ وارد لكل الثورات، لكن المحصلة لهذا الدعم التصنيفي قاد إلى كارثة، ليس لأن مشايخ الدعم العسكري قصدوا سوء، ولكن لأن هذه المنهجية الضحلة في الوعي السياسي ومقاصد الشريعة أخطأت بوابة الخروج.

إن المسؤولية من جديد على ثوّار الجبهات الأصلية السورية لكي تجتمع لمناقشة العهد الأول، وتدرك جيدا أن المخرج لا يمكن أن يتم دون حد أدنى من الوحدة، وأن ملاعنة الاجتهادات والمشاريع السياسية للائتلاف والمجلس الوطني لن تُفيد، بل المطلوب الاستفادة منها، وخلق ممانعة لحمايتها من تأثيرات الخارج.

وما لم يُدرِك الثوّار قاعدة الشرع الكبرى وفقه الإدارة السياسية للمعارك بالقبول بمبدأ شركاء النصر والمخرج ثم التنافس السياسي بعد التحرير، فإن هذا المأزق سيستمر، وقد ينتكس التقدم العسكري لهم، ويعود النظام أو يعودون بجولة أخرى، ومن يُسدد ثمن ذلك؟ إنه شعبهم الذي تُحوله أيادي طهران وتل أبيب ومصالح أنظمة العرب الصامتة إلى "بازار" لهيكل مشروعهم الذي لا تعنيه جنائز الأطفال وهياكل الشعب العظمية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات