رشيد يلوح

رشيد يلوح

رشيد يلوح


تكتم وغموض
الضغوط المتبادلة
خاتمة

أنهت المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة 5+1 جولتها الثالثة في فيينا قبل أيام في مناخ من التكتّم والغموض، بينما يبدو مسار التفاوض محكوما بالضغوط المتبادلة بين الطرفين الإيراني والغربي.

يحدث هذا والجميع على بعد حوالي ثلاثة أشهر من نهاية مرحلة الاتفاق الأولي، فما الذي يجري؟ وهل من بوادر لاتفاق نهائي؟

تكتم وغموض
يبدو أن جميع الأطراف المشاركة في المفاوضات قد نجحت حتى الآن في التكتم الشديد على تفاصيل ما يجري في قاعات التفاوض، واكتفى الصحفيون والإعلاميون بتداول بعض العناوين الكبيرة وتكرارها، هذا الوضع أثار غضب صحفيين وأعضاء في البرلمان الإيراني طالبوا باطلاعهم على تفاصيل المفاوضات، بينما برّر وزير الخارجية الإيراني التكتم على تلك التفاصيل بطبيعتها السيادية والحرص على نجاحها.

وقد سبّب هذا التكتم نوعا من الحيرة لدى المراقبين، في حين دفع غموض تصريحات المسؤولين الغربيين والإيرانيين المشهد نحو المزيد من التعقيد.

الأطراف المتفاوضة نجحت حتى الآن في التكتم الشديد على تفاصيل ما يجري في قاعات التفاوض، وسبّب ذلك التكتم نوعا من الحيرة، ودفع نحو مزيد من التعقيد

ففي الوقت الذي يؤكد فيه البعض أن المفاوضات لا زالت تعاني من صعوبة وتعقيد، وأن الاتفاق على أمور جوهرية لم ينعقد بعدُ بين الطرفين، يعبر آخرون عن تفاؤلهم بنجاح مسار التفاوض والثقة في الوصول إلى الاتفاق النهائي، وليس ضروريا أن يعني هذا تناقضا في تلك التصريحات، لكنه يكشف بالتأكيد عن وجود أهداف متباينة واختلافات في الفهم عند الطرفين.

فالإيرانيون يجدون أنفسهم مضطرين لتقديم خطاب أيديولوجي للاستهلاك الداخلي، يروْنه مفيدا أولا في تفسير التنازلات التي قدموها حتى الآن، وثانيا في إخفاء تفاصيل ما يجري من مفاوضات، وثالثا في تفادي أي ارتدادات سلبية في حال فشل مسار التفاوض.

وقد نتج عن هذه السياسة وضع ضبابي في الساحة الإيرانية، دفع -مثلا- عضو البرلمان جواد كريمي قدوسي إلى ادعاء أن المرشد خامنئي قرأ متن اتفاقية جنيف ثلاث مرات ولم يظفر منها بما يفيد بحق إيران في تخصيب اليورانيوم.

في حين سَيُفيد التكتم والغموض المصاحب للمفاوضات الجانب الأوروبي والأميركي في تفادي تكاليف الضغوط الإسرائيلية داخليا، وحملات تل أبيب التي لم تتوقف ضد أوباما وسياسته الخارجية منذ إعلان اتفاقية جنيف في نوفمبر/تشرين الثاني 2013.

الأمر نفسه ينطبق إلى حد ما على الدول الخليجية التي حذرت مرارا من أن يكون الاتفاق النهائي على حساب مصالحها الإستراتيجية، لا سيما أن بعض قياداتها سبق أن طالبوا بإشراك مجلس التعاون الخليجي في المفاوضات مع إيران، وهو الطلب الذي لو تمت الاستجابة له لكان كافيا لطمأنة الطرف العربي، وأزاح جانبا كبيرا من الغموض الذي يضفيه الدبلوماسيون الإيرانيون والغربيون على أجواء المفاوضات في كل جولة.

الضغوط المتبادلة
كشف المناخان الدولي والإقليمي المصاحبان لمفاوضات الجولة الثالثة عن هيمنة منهجية الضغوط المتبادلة على المسار التفاوضي، وهي منهجية استفاد منها الطرفان الإيراني والغربي للتأثير على النتائج وتحقيق أو تحصين مصالحهما.

وقد أسهمت تطورات سوريا وأوكرانيا في تكريس هذا الوضع، فالنتائج الميدانية في المنطقتين تسير حتى الآن لصالح الجانب الإيراني، ففي الأسابيع القليلة الماضية شهد الوضع الميداني السوري تزايدا ملاحظا للدور الإيراني وتقدما عسكريا للنظام. أما في القرم، فقد نجحت موسكو في إحكام سيطرتها وتحصين مكتسباتها الميدانية. في حين ظهرت السياسة الخارجية للرئيس باراك أوباما وحلفائه الأوروبيين عاجزة في كلا التطورين، وهو الوضع الذي تسعى إيران وحليفاها الصيني والروسي إلى استثماره كأوراق ضغط في المفاوضات وباقي ملفات الصراع الإستراتيجي مع الولايات المتحدة.

وفي السياق ذاته، تأتي المحادثات الجارية بين طهران وموسكو بخصوص اتفاقية تجارية بقيمة عشرين مليار دولار، تصدر إيران بموجبها النفط مقابل استيراد معدات صناعية وسلع من روسيا، حيث اكتفت واشنطن باتهام الطرفين بخرق بنود اتفاقية جنيف مع تهديدهما بالمزيد من العقوبات في حال توقيع الاتفاقية.

وتُشكل تصريحات المرشد خامنئي قبل جولة المفاوضات بأيام مؤشرا على سياسة الضغط التي تمارسها طهران تفاديا لتقديم المزيد من التنازلات للمفاوضين الغربيين، فقد أكد خامنئي أن إيران لن تقدم أي تنازلات محذرا المفاوضين من التصرف خارج ما سماه بـ"الخطوط الحمر" للنظام.

طهران تمارس ضغوطها من موقع دفاعي تفاديا لأية مطالبات دولية جديدة، وليس من موقع هجومي يسعى إلى كسب امتيازات على مائدة المفاوضات

وعلى الرغم من استمرار دعم خامنئي للرئيس روحاني في ملف المفاوضات، وجد خصوم هذا الأخير من الأصوليين في تصريحات المرشد وقودا لتسعير حملتهم ضد سياسته في المفاوضات، وكانت الصحف والبرلمان وبعض الحوزات الدينية مصدرا لحملات واتهامات ضد الحكومة وفريق المفاوضات، وهي رسالة داخلية موجهة للغرب تدعوه إلى قبول عروض روحاني ومفاوضيه باعتبار أنها أفضل ما هو متوفر حتى الآن.

وفي الإطار نفسه، يمكننا إدراج سياسة المقاومة الاقتصادية والتي أمر خامنئي بتنفيذها، بالإضافة إلى قرار الحكومة رفع ميزانية الحرس الثوري والأجهزة الأمنية ومواصلة المناورات العسكرية واختبارات الصواريخ والطائرات العسكرية. بينما مثّل خطاب قاسم سليماني قائد فيلق القدس قبل أسابيع ما يشبه بيانا إستراتيجيا يحاول من خلاله التنظير لإيران كقوة لا تقهر في المنطقة.

ومن الواضح أن طهران تمارس هذه الضغوط من موقع دفاعي تفاديا لأية مطالبات دولية جديدة، وليس من موقع هجومي يسعى إلى كسب امتيازات على مائدة المفاوضات، فكل ما يطلبه المفاوض الإيراني علنا حتى الآن هو رفع العقوبات الاقتصادية والعودة إلى الساحة الدولية، والاحتفاظ بحق تخصيب اليورانيوم، وعدم إيقاف مفاعل آراك مع قبوله بإجراء تغييرات في وظائفه، وعدم إقحام مواضيع جديدة في المفاوضات مثل منشأة فوردو والصواريخ الباليستية أو حقوق الإنسان.

في الجانب الغربي، وعلى الرغم من تشبث الأوروبيين والأميركيين بخيار المفاوضات، يعتقدون أن الضغط المتواصل على طهران هو أفضل وسيلة لإجبارها على تقديم المزيد من التنازلات.

وفي هذا السياق، جاء تصريح وزير الخارجية الأميركي جون كيري، الذي أكد فيه أن الولايات المتحدة تتعامل مع إيران على أساس أنها قادرة على صنع سلاح نووي خلال شهرين فقط، كما رفض مجلس الشيوخ منح تأشيرة دخول إلى أميركا للسفير الإيراني الجديد في الأمم المتحدة، على خلفية اتهامه بالمشاركة في اختطاف الرهائن الأميركيين في طهران سنة 1979.

وقد أسهم بيان الاتحاد الأوروبي في ما يخص أوضاع حقوق الإنسان داخل إيران في التأثير على المفاوضين عشية الجولة الثالثة، حيث ارتفعت أصوات معارضة في الداخل تطالبهم بعدم الذهاب إلى فيينا التي تترأس الاتحاد الأوروبي في هذه الدورة.

وبعد ختام جولة المفاوضات جاء قرار الحكومة البريطانية بتجديد الحظر على 15 شخصية إيرانية، وتأتي هذه الخطوات الأوروبية استجابة -على ما يبدو- لمطالب المعارضة الإيرانية التي تخشى أن يتم توقيع الاتفاق النهائي بين إيران ومجموعة 5+1 على حسابها، لا سيما أن ملفات الزعيمين كروبي وموسوي المحاصرين وآلاف المعتقلين السياسيين واللاجئين في الخارج لم تحل بعد، ولا تبدو في الأفق أية بوادر لحلها بعد أن تم الإعلان رسميا عن قرب انعقاد جلسات محاكمات غيابية للمتهمين في أحداث انتخابات 2009.

واعتبر البعض هذه الخطوات الأوروبية نكسة في مسار العلاقات المتعافية حديثا بين طهران والاتحاد الأوروبي، بعد زيارة ممثلة السياسة الخارجية كاثرين آشتون إلى طهران، وزيارة وفد آخر من الاتحاد الأوروبي سمحت له طهران بالالتقاء بمعارضين سياسيين.

ومن الواضح أن الأميركيين والأوروبيين يريدون إشعار طهران بأن الامتيازات التي نالتها حتى الآن كانت مقابل مرونتها وتنازلاتها السابقة، ولذلك فهم يحاولون الحصول من النظام الإيراني على المزيد من الأوراق، ويسعون في الوقت نفسه إلى كبح رغبته الجامحة في الحصول على دور جديد في المنطقة دون مقابل حقيقي.

كلا الطرفين ملتزم بتنفيذ اتفاقية جنيف، وكلاهما ملتزم أيضا بالتكتم على تفاصيل المحادثات، وهي مؤشرات واضحة على تقدمهما في مسار بناء الثقة

وبحسب هذا التصور الإستراتيجي، ينبغي أن يكون كل ما ستحصل عليه إيران مُرضيا في النهاية للإسرائيليين، هؤلاء الذين يهددون في كل مرة بالتصرف منفردين في حال حدوث اتفاق سيئ بين إيران ومجموعة 5+1.

وبالنسبة لدول الخليج، فبالإضافة إلى الضمانات الأميركية، يحاول الإيرانيون أنفسهم طمأنة قادة مجلس التعاون الخليجي.

خاتمة
إذا لم تظهر مؤشرات نجاح قوية في الجولة القادمة من المفاوضات بين إيران ومجموعة 5+1 فمن المرجح أن يتم تمديد الاتفاق المرحلي لستة أشهر أخرى، لا سيما في ظل غموض تصريحات المسؤولين الإيرانيين والغربيين بخصوص مسار المفاوضات ومستقبلها، بالإضافة إلى أن جزءا كبيرا من الخلافات المعلن عنها يتصل بفهم كل طرف لبعض بنود اتفاقية جنيف نفسها، دون أن ننسى هنا إصرار الأطراف الإقليمية على ألا يكون الاتفاق النهائي على حساب مصالحها القومية.

وإذا صح توقع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أن يبدأ الطرفان تحرير مسودة الاتفاق النهائي في مايو/آيار المقبل، فسيكون الجميع قريبين فعلا من توقيع الاتفاق في يوليو/تموز المقبل.
وما يُرجِّح هذا الاحتمال في اعتقادي هو عدم قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل المزيد من العقوبات، ونجاح الطرفين الإيراني والغربي حتى الآن في قطع نصف الطريق نحو الاتفاق النهائي.

فكلا الطرفين ملتزم بتنفيذ بنود اتفاقية جنيف، وكلاهما ملتزم أيضا بالتكتم على تفاصيل المحادثات، وهي مؤشرات واضحة على تقدمهما في مسار بناء الثقة، على الرغم من استمرارهما في لعبة الصراع على المصالح والنفوذ، وضمن هذه اللعبة يمكن فهم حرب التصريحات والتصريحات المضادة الموجهة عادة إلى الاستهلاك الإعلامي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك