مصطفى زهران

مصطفى زهران

مصطفى زهران

مخاضات التصدع
سجالات سلفية
بين الدستور والرئاسة

دفعت التحولات السريعة والمتغيرات المتلاحقة، التي شملت المشهد السلفي المصري عقب أحداث الثالث من يوليو/تموز الماضي والإطاحة بمرسي وما تلته من تداعيات وانعكاسات على سوسيولوجية هذا التيار المتشعب والمتباين في آن من جهة، وعلى المشهدين السياسي والمجتمعي في مصر من جهة أخرى، إلى إعادة النظر في هذا التيار مع المزيد من التأمل داخله.

ثمة أمور استدعت ذلك، منها القدرة الفائقة التي أظهرها هذا التيار على التحول والتشكل المتغير أو ما يمكن تسميته بـ"التلون الأيديولوجي" وفق ما تقتضيه الحاجة لذلك، وما تمليه متغيرات المشهد الداخلي، والتي تمثلت في تعدد ولاءاته وانحيازاته، مع إنتاج تبريراته التي يضفي عليها البعض نوعا من القداسة، مستدعيا أدبياته الفقهية والعقائدية، فضلا عن بروز تأثيرات فكرية خارجية تجلت بشكل كبير في الممارسة السياسية، عدها البعض إملاءات "خليجية" غير نابعةٌ من المركزية الحزبية التقليدية.

أدت جملة مؤثرات لما يمكن تسميته بـ"الشرخ" القائم في الجسد السلفي المصري، بعد أن كان يبدو لوقت قريب متماسكا إلى حد ما، فقسمه لثلاثة كيانات، بدا التناحر والسجال السمة الرئيسية له

وخلفت هذه المؤثرات الخارجية ما يمكن تسميته بـ"الشرخ" القائم في الجسد السلفي المصري، بعد أن كان يبدو لوقت قريب متماسكا إلى حد ما. فقسمه لثلاثة كيانات، بدا التناحر والسجال السمة الرئيسية له.

أولها، دعم السلطة التي تكونت عبر إزاحة حكم مرسي والإخوان وساهم في تدشين خريطة الطريق، وأصبح شريكا رئيسيا لها، وثانيها التحق بما يسمى "تحالف دعم الشرعية"، وثالثها اندفع نحو الحالة الراديكالية الجديدة التي اشتد عودها وأعلنت عن نفسها عقب التاريخ نفسه. إلا أن سنتطرق في هذا المقال إلى الكيانين الأولين البعيدين عن الراديكالية.

بيد أن إزاحة حكم الإخوان المسلمين كان بمثابة إعادة تشكل الخريطة السلفية في مصر كنتاج لهذا الشرخ الذي جسدته مواقفهم المتباينة إزاء قضايا عدة نحاول إبرازها، ومن ثم الوقوف على تداعياتها على المشهد نفسه، خاصة أنها حولته إلى ساحة حرب تخطت الجانب الفكري منها لتصبح سياسية بامتياز، زلزلت واقعه، وهددت مستقبله، وأذنت بأفوله السياسي، خاصة أن انعكاسات ما أبداه فريق منهم من تعاطف ومؤازرة للإخوان المسلمين عقب إزاحتهم عن الحكم، وضعهم في صفوف المعارضة والآخرين في ركن الموالاة.

مخاضات التصدع
‏تمثلت الخيوط الأولى لهذا التصدع في الانقسامات التي ضربت "حزب النور" -أول تكون حزبي للسلفية المصرية، وتبعته تشكلات حزبية أخرى بدت في غالبيتها هزيلة وغير مؤثرة- وما تمخض عنه من تجربة وليدة تمثلت في "حزب الوطن" الذي لم يسعفه الوقت ليظهر بشكل مواز لما ظهر عليه غريمه التقليدي.

واعتبر البعض "حزب الوطن" حالة ارتداد صريحة وانقلابا واضحا على تأثيرات وإملاءات السلفية الخليجية التي مثلتها سياسات الدعوة السلفية الإسكندرية، حاضنة الشرعية له خلال العامين اللذين أعقبا ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، كان أبرزها الخلاف حول دعم الرئيس المعزول محمد مرسي في الجولة الأولى من انتخابات رئاسة 2012، والتحول نحو دعم عبد المنعم أبو الفتوح بديلا عنه، الأمر الذي لم يلق رضا الجبهة التي انشقت عنه عقب ذلك.

بيد أنه كانت تطفو على السطح بين حين وآخر معارك فكرية وسجالات بين أكبر مدرستين سلفيتين معاصرتين في مصر: السلفية الإسكندرية "العلمية"، ونظيرتها القاهرية "الحركية"، كانت تتأرجح في غالبيتها بين مسائل فقهية وعقائدية، ولم تتطرق إلى أمور سياسية إلا فيما ندر.

بينما بدأ السجال يتسع بين مشايخ الدعوة السلفية نفسها، الذي كان أبرزه انحياز الشيخ سعيد عبد العظيم لفريق "الوطن" الآخذ في التشكل الحزبي. وعندما وقف الرجل أمام الإطاحة بمرسي فُصل من أمانة الدعوة. لتبدأ مرحلة جديدة من العلاقات بين الرموز السلفية بشكل عام.

سجالات سلفية
كانت المعركة بين الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، الأب الروحي للسلفية المعاصرة ورأس الدعوة السلفية ياسر برهامي، من أبرز المعارك الكلامية التي دارت رحاها بين أقطاب السلفية عقب الإطاحة بمرسي، وصف حينها عبد الخالق برهامي بـ"شيخ الضلال"، متهما في الوقت نفسه حزب النور بالخيانة والتآمر، ولم يكتف الرجل بنقدهما، بل وبّخهما عبر رسائله المتتالية حسب الأحداث المتعاقبة وتداعيات المشهد، لإجهاضهما ما سماه "المشروع الإسلامي".

كانت تطفو على السطح بين حين وآخر معارك فكرية وسجالات غالبا حول مسائل فقهية وعقدية بين أكبر مدرستين سلفيتين معاصرتين في مصر: السلفية الإسكندرية "العلمية"، ونظيرتها القاهرية "الحركية"

من الأب الروحي للسلفية إلى أحد أبرز الدعاة على الساحة السلفية، الشيخ محمد عبد المقصود، الذي مثلت تصريحاته المناوئة لرموز الدعوة السلفية وذراعها السياسية خاصة برهامي، الذي اتهمه بدوره بدعم المنشورات التي كانت تلقى على معتصمي ميداني النهضة ورابعة، والتي كانت تحثهم على العودة إلى ديارهم وانتفاء صفة الشهادة عن قتلاهم، محاولة لإضفاء مسحة عقائدية على المعارك السياسية، وهو ما كشف عن "ردة فكرية" و"نزعة تكفيرية" باتت تسري في الجسد السلفي بقوة.

بين الدستور والرئاسة
مشهد آخر بدا يتشكل بعد الثالث من يوليو/تموز، كانت الدعوة السلفية وذراعها السياسية "النور" جزءا أصيلا منه، أظهرا خلاله ولاء شديدا والتحاما قويا برفقاء خريطة الطريق الجديدة من المؤسسة العسكرية وحلفائها من القوى العلمانية وبعض شباب الثورة، تمثلت بداية الأمر في عمل تعديلات دستورية على ما كان يعرف بدستور الإخوان المسلمين (دستور 2012)، ثم تحول بمرور الوقت إلى كتابة دستور كامل على أنقاض السابق.

انتفض "الوطن" الغريم التقليدي لـ"النور"، وشن يسري حماد نائب رئيس الحزب حملة شرسة آنذاك على مشاركة النور في لجنة الخمسين باعتبارها محاولة من قبل السلطة الجديدة لإضفاء الشرعية على لجنة تكونت في الغرف المغلقة، بصفته الممثل الوحيد لقوى الإسلام السياسي، مما أظهر "النور" بصفته مقامرا على مستقبل الكتل السلفية التقليدية.

إزاء ما سبق، برزت قضية كبرى وجدلية تضاف إلى أخرياتها داخل محطة الدستور، ألا وهي المادة المثيرة للجدل "219" المفسرة لمبادئ الشريعة الإسلامية والمواد المتعلقة بالهوية الإسلامية ليتسع السجال ويتعاظم، خاصة بين السلفية الحزبية، والتي قدم حزب النور تجاهها منذ ثورة 25 يناير تشبثا كبيرا وكانت معركته الكبرى خلال محطات كتابة الدستور المختلفة.

أبدى الحلفاء السلفيون الجدد تراخيا كبيرا تجاه التمسك بالمادة "219" والذود عن حياضها، كما كان يفعل في السابق، وانعكاسا لذلك برز في المشهد حزب الأصالة السلفي، الذي اتهمهما صراحة بأنهما يمارسان التقية في التعامل مع هذه المادة، وعدّهما رئيس الحزب إيهاب شيحة أحد الأوجه القبيحة لتمرير ما سماه بـ"الانقلاب".

بضعة أشهر كان عمر الدستور الذي بدا جديدا، فكان الاختبار الحاسم للفصيل الإسلامي الوحيد في مشهد خريطة الطريق من خلال "الاستفتاء" عليه، ففي الوقت الذي نجح فيه التيار السلفي -قبل الانقسامات التي ضربته عقب الثالث من يوليو- في خمسة استحقاقات عقب ثورة 25 يناير، فشل في الحشد والتعبئة له هذه المرة، وبرهنت القوى العلمانية من خلال هذا المشهد على ردة القاعدة الشعبية الشبابية بشكل خاص على رموز الصف الأول من الحلفاء السلفيين للسلطة الجديدة، والتي عدت بمثابة أفول سياسي له، وحينها انطلقت المدفعية الإعلامية التابعة للسلطة والقوى العلمانية في تصويب قذائفها نحوه.

فصلٌ آخر، وربما الأصعب في مسيرة معارك السلفيين في المشهدين السياسي والمجتمعي في مصر، وهو قرب الانتخابات الرئاسية المصرية وإعلان النفير العام داخل ساحة السباق الرئاسي، بعد ما يقرب من عشرة أشهر من الإطاحة بمرسي.

وكشأن المحطات السالفة الذكر، انقسم السلفيون إزاء هذا المشهد مجددا. فالفريق الداعم للسلطة والشريك المرافق لها خلال الفترة الماضية وبالتوازي مع ترشح وزير الدفاع السابق عبد الفتاح السيسي لهذا السباق، انتقل طواعية إلى التأكيد على شرعية لهذه الانتخابات القادمة ومن ثم إعلان الدعم غير المباشر لوزير الدفاع السابق بعد أن خلع بذلته العسكرية.

في حين رأى سلفيو المعارضة شيئا آخر ولم يكتفوا بذلك، بل تعاملوا مع الأمر منذ الإعلان عنه بنوع من الإنكار والاستنكار الشديدين.

وعبر القيادي في حزب النور نادر بكار عن تفاؤله إزاء إعلان السيسي ترشحه للرئاسة، وذهب الأمين العام لحزب النور جلال المرة إلى التأكيد على حقه في ذلك باعتباره أحد مواطني مصر الشرفاء، وأيد الشيخ ياسر برهامي ذلك بقوة ورأى أنه لا غضاضة من ترشحه على الرغم من خلفيته العسكرية، مستشهدا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان رئيسا للدولة الإسلامية وقائدا للجيش في الوقت نفسه.

ومن الأمور اللافتة في دعم الشيخ لوزير الدفاع السابق الفتوى التي أطلقها ردا على الهاشتاغ المسيء له، والتي طالب خلالها بتطبيق حد القذف على من أطلقه، وهو ما يدفعنا بقوة إلى التأكيد على أن الدعوة السلفية وذراعها السياسية سيقفان بقوة خلف وزير الدفاع السابق في السباق الرئاسي القادم.

وعلى الضفة الأخرى من سلفيي المعارضة، وجدت الجبهة السلفية ترشح السيسي أمرا طبيعيا لأنه هو من قام بما أطلقت عليه انقلابا عسكريا ليتولى منصب الرئاسة.

من أهم ما تمخضت عنه الحرب الضروس بين الفرقاء السلفيين هو التمازج الشديد الذي بدا بين القوى السلفية المعارضة وجماعة الإخوان المسلمين رغم الخلاف الأيديولوجي والعقدي بينهما

وفسر القيادي بالجبهة أحمد مولانا الدعم غير المباشر من قبل النور والدعوة السلفية لوزير الدفاع السابق بأنه جاء اضطرارا للانحياز علنا لمحركيهم الحقيقيين في لحظات الصراع المفصلية.

وتتحد القوى السلفية جمعاء على إنكار هذا المشهد إجمالا وتفصيلا، وتتوعد له عبر الاحتجاجات والمظاهرات بالتعاون مع الإخوان المسلمين تحت غطاء ما يسمى "التحالف الوطني لدعم الشرعية".

يمكننا القول إن القوى السلفية المعارضة ربما تلجأ إلى التعامل مع مشهد الانتخابات الرئاسية بالطريقة ذاتها التي اتبعتها في محطة الاستفتاء على دستور 2013 عبر استخدام سلاح المقاطعة، وهو ما يعني إعلان القطيعة التامة بين الفرقاء السلفيين إلى وقت غير معلوم، مع تصدر النور ومن خلفه الدعوة السلفية المشهد لفترة أطول، لكونهما الفصيلين الإسلاميين الأبرزين والأوحدين في المشهد السياسي المصري.

ومن أهم ما تمخضت عنه هذه الحرب الضروس بين الفرقاء السلفيين هو التمازج الشديد الذي بدا بين القوى السلفية التي تقع في صف المعارضة من السلطة الحالية وجماعة الإخوان المسلمين رغم الخلاف الأيديولوجي والعقدي بينهما، وهو ما يعكس تطورا ملحوظا بدا من علاقة التأثر التي أبداها كل طرف للآخر، حيث بدت هذه القوى بين تأثير "تأخون السلفية" من جهة، و"تأسلف الإخوان" من جهة أخرى، عبر عملية تبادل مشترك ساهمت خلالها فكرة "المظلومية" الجامعة في نضج هذا التحول.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك