فارس الخطاب

فارس الخطاب

أكاديمي وإعلامي عراقي

تجري الانتخابات البرلمانية العراقية في الثلاثين من أبريل/نيسان 2014، في وقت تمور الساحة السياسية بمزيد من التنازعات والصراعات والتشرذم لعموم الكتل السياسية بفعل عوامل كثيرة.

ومن أبرز هذه العوامل سياسات رئيس الحكومة نوري المالكي، واستثماره إمكانات الدولة العراقية المختلفة لصالح نمو الحزب الذي يقوده (حزب الدعوة)، وفي الوقت ذاته تعميق جراحات خصومه السياسيين بمطبات وفخاخ ترتبط معظمها بتوريطهم بملفات فساد أبعدتهم عن دائرة المنافسة الحقيقية له من جهة، وأسقطتهم سياسيا وأخلاقيا من جهة أخرى.

كما استثمر المالكي تفرّده بقيادة ملفات الأمن والقوات المسلحة للتخلص من خصومه السياسيين الذين لم يستطع الإيقاع بهم بطرقه الأخرى، فكان أن أوصل البلاد وهي على أعتاب مرحلة حاسمة لانتخابات تشريعية تفضي لرئيس وزراء جديد للعراق الذي يئن شعبه من وطأة تدهور الأمن وغياب الخدمات واستشراء الفساد من قمة الهرم السياسي والإداري للدولة العراقية وحتى قاعدتها، لجو غريب من الكراهية والإحباط لدى كل مكونات الشعب.

استثمر المالكي إمكانات الدولة العراقية لتقوية حزبه، وتعميق جراح خصومه السياسيين بمطبات وفخاخ بتوريطهم بملفات فساد أبعدتهم عن دائرة المنافسة الحقيقية، وأسقطتهم سياسيا وأخلاقيا

ثم هو يدخل هذه المنازلة "الديمقراطية" وهو مسلح بقاعدة حزبية كبيرة ومنظمة اسمها "حزب الدعوة"، وما يمثله هذا الحزب من امتدادات جماهيرية في بعض محافظات العراق الجنوبية، وما تمثله أيضا قنوات التغذية التاريخية له من راعية فكره التنظيمي والتعبوي، الجارة اللدودة للعراق: إيران.

المشهد السياسي العراقي الآن اختلف كثيرا عما كان عليه عام 2009- 2010، ففي انتخابات 2014 سيتنافس نحو 9200 مرشح يمثلون 36 ائتلافا سياسيا و71 كيانا سياسيا، أبرزها دولة القانون، وكتلة المواطن، وكتلة الأحرار، ومتحدون للإصلاح، والعراقية العربية، والكردستانية، على مقاعد البرلمان العراقي الـ328 مقعدا.

ويبرز بوضوح موضوع تشتت الكتل الكبيرة إلى كيانات صغيرة جدا، حتى كتلة رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي نجدها تخوض الانتخابات الجديدة وقد خسرت أهم حلفائها، بل تحولوا إلى أشد الساعين لحرمانها، ككتلة، وحرمان زعيمها كشخص، من فرص الفوز وبالتالي إقصاء الآخرين من خلال حكومة الأغلبية التي ينادي بها رئيس الوزراء كل حين.

فهذا زعيم كتلة المواطن عمار الحكيم، وذاك زعيم كتلة الأحرار مقتدى الصدر، خرجا من تحت عباءة "التحالف الشيعي" لينضما إلى تحالفات جديدة مع إياد علاوي ورئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، في محاولة لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر وبالتالي تحقيق غاية رئيسية واحدة هي منع رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي من تحقيق أهدافه في البقاء بهذا المنصب لولاية ثالثة وتشكيل حكومة أغلبية تقصيهم من إدارة شؤون البلاد.

إيران من جهتها حاولت -وما زالت- إعادة تحالفات "الشيعة السياسية" في العراق لسابق عهدها، بما يمكّنها من الاستفراد بمجريات الأمور هناك، لكنها تعثرت، وربما بسبب تهورات المالكي مع حلفائه وشعوره الكبير بالقدرة على اكتساحهم عبر صناديق الاقتراع مستفيدا من ثلاثة أشياء هي تحديدا: الدعم الأميركي الإيراني لبقائه بهذا المنصب، ثم استخدامه للمال العام من أجل كسب ذمم بعض شيوخ العشائر والشخصيات العراقية، وأخيرا استعماله للقوة المفرطة بحق خصومه ليشل قدرتهم على الحراك السياسي التعبوي ضده لهذ الفترة على أقل تقدير.

إيران -رغم ما يعتري المشهد السياسي الشيعي في العراق- لم تتوقف عن المحاولة وهي ترسل باستمرار شخصيات رفيعة المستوى وكذلك سفيرها النشط في بغداد بالإضافة إلى رجلها القوي في المنطقة الجنرال قاسمي سليماني من أجل تحقيق لقاءات مع إياد علاوي والحكيم والبارزاني وغيرهم.

ورغم دعمها للمالكي وحزب الدعوة، فإنها أيضا استمعت لما يطمئنها من خصوم المالكي في حالة فوزهم بالانتخابات المقبلة، فعلاوي مثلا -أبرز المرشحين للفوز بالانتخابات- قال إن إيران أخذت منحى جديدا وإيجابيا مع القوى السياسية العراقية يستند إلى الحوار وعدم فرض خيار، وهو ما يدفع طهران للتفكير مليا في طريقة التعامل مع المنتصر الجديد بثقة الشعب العراقي بدل رهانها المطلق على المالكي وهي تعلم نظرة العراقيين العامة له ولفترة حكمه.

حتى الآن لا يقابل تكتل المالكي في الحملة الانتخابية سوى قائمة "متحدون" التي من المتوقع أن تكون أكبر مجموعة سنّية بعد أن كانت "العراقية" هي الأكبر في انتخابات 2010

ولكنها مع ذلك -وحسب ما يبدو- ستبقي على دعمها للمالكي خلال هذه الانتخابات ثم تنظر فيما بعدها، أي أنها لن تحرق كافة الأوراق رهانا على المالكي، فهي تعلم حقا أن المجلس الإسلامي الأعلى ضعيف، وتيار الصدر يعاني الآن من حالة كبيرة من الفوضى بسبب افتقار زعيمه للملكات السياسية لقيادته واستشراء الفساد بين أهم رموزه، كما أن السنة في العراق مفتتون بسبب عدم وجود تنظيم أو مرجعية تقودهم من جهة ولاستحكام القبضة العسكرية والأمنية عليهم في محافظات رئيسية كالأنبار ونينوى وديالى وصلاح الدين.

وأخيرا، القيادة الكردية التي هي بطبيعة الحال منقسمة بين الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني بقيادة الغائب جلال الطالباني، فأما الأخير فهو على مواثيق ومعاهدات أصيلة مع حزب الدعوة الذي يتزعمه المالكي، وأما البارزاني، فهو، وبالتجربة سيكون مع من يعطيه مكاسب أكثر سواء في الأرض (كركوك والمناطق المتنازع عليها) أو في التشريع أو نحو ذلك.

إن المشكلة الحقيقة للانتخابات البرلمانية العراقية هي اعتمادها على فرضية واحدة، محورها الأساسي نوري المالكي، هل سيبقى في السلطة أم لا؟ وهو الذي جعل جميع الكتل تبدو هشة وهزيلة لأنها في حقيقة الأمر تفتقر إلى الزعامة الحقة التي تأخذ عقول وقلوب العراقيين والمتابعين.

لقد جعلوا قضيتهم الرئيسية نوري المالكي، فمن باب أولى أن يجعل منها أيضا قضيته وقضية حزبه، وبالتالي يراهن على أن يحقق نصرا كاسحا بسبب عدم وجود زعامة واضحة تشكل ندا له يمكن أن يختارها العراقيون، وبحساباته هو فإنه يركز على الفوز بأكبر عدد من أبناء المذهب الشيعي من خلال تقديم نفسه نموذجا للبطل الشيعي المخلص الذي استطاع أن يوقف نمو وحراك المكون الآخر الذي وسم أعضاءه بـ"أبناء يزيد"، وأن غيابهم عن رأس السلطة سيعني عودتهم إلى حالة أزرى من تلك التي عاشوها خلال قرون (على حد تسويقه للفكرة).

حتى الآن لا يقابل تكتل المالكي في الحملة الانتخابية سوى قائمة "متحدون" التي من المتوقع أن تكون أكبر مجموعة سنية بعد أن كانت "العراقية" هي الأكبر في انتخابات 2010، لكن، ولأنها لم تجرّب، لا أحد يستطيع تخمين حجمها أو قدرتها على الفوز بأصوات تؤهلها لتمثيل العراقيين وقيادة الحكومة المقبلة.

وقد يغيب التأثير الدراماتيكي للرجل الذي فاز في الانتخابات السابقة "علاوي"، فهو بحسب استطلاع للرأي أجرته صحيفة واشنطن بوست سيمنى بخسارة ثقيلة.

وأرجع الاستطلاع الذي شمل مجموعة واسعة من المتابعين للشأن العراقي سبب فشل علاوي لخذلانه من انتخبوه قبل أربعة أعوام عندما قبل التنازل للمالكي عن تشكيل الحكومة مقابل وظيفة ليس لها معنى ولم يكن لها لاحقا.

أما رئيس ائتلاف قائمة "متحدون" ورئيس مجلس النواب العراقي أسامة النجيفي فهو يتهم المالكي بتدبير وتنفيذ مخطط "خبيث" لضرب السنة في العراق بهدف إبعادهم عن المشاركة في الانتخابات، فضلا عن الرغبة في تحقيق تغيير ديمغرافي في مناطقهم.

من مصلحة شيعة العراق قبل أي مكون آخر عدم إعادة انتخاب المالكي لأن حضوره في المشهد السياسي يعني مزيدا من الاحتقان الطائفي والاحتراب الأيديولوجي بين أبناء الوطن الواحد

وقال في مقابلة مع وكالة الأناضول التركية إن "هذا المخطط تنفذه المليشيات الطائفية، وما يقلق أنها تعمل وتتحرك برعاية ومعرفة بعض أجهزة الأمن التي يفترض أنها تعمل وفق القانون في حماية المواطن مهما كانت قوميته أو طائفته".

كما أشار إلى حدوث تغييرات في خريطة بغداد "هناك مناطق كاملة هجرّت". فإن كان ما يقوله النجيفي صحيحا -وهو في الغالب كذلك- فإن هذا مقدمة لاعتراف ضمني بعدم توقع فوز كبير في الانتخابات المقبلة.

إن الانتخابات البرلمانية لعام 2014 يمكن أن تشكل نقطة تحول مهمة في تاريخ العراق الحالي إذا ما أفضت إلى تغيير حقيقي في خريطة اللاعبين السياسيين في البلاد، وهي بيضة القبان في آخر عهود ثقة العراقيين بصناديق الاقتراع وبالانتقال السلمي للسلطة، إذ إن فقدان هذه الثقة سيجعل البديل الوحيد لها هو العمليات العسكرية بما تعنيه هذه العمليات من فتح أبواب التدخلات الإقليمية على مصاريعها واستشراء ثقافة العنف بشكل كبير في العراق وفي محيطه الإقليمي العربي وغير العربي.

لذلك فإني أرى أن من مصلحة شيعة العراق قبل أي مكون آخر عدم إعادة انتخاب المالكي لأن حضوره في المشهد السياسي يعني مزيدا من الاحتقان الطائفي والاحتراب الأيديولوجي بين أبناء الوطن الواحد.

ويبقى الرهان معقودا أيضا على نظرة أعمق وأبعد للإدارة الأميركية في موضوع القيادة العراقية طالما أن كل الساعين لهذه القيادة هم من الذين يؤمنون بالعملية السياسية التي أتت بها للعراق بعد احتلاله عام 2003.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك