في دردشة خاصة قبل فترة بيني وبين صحفي عربي مخضرم مقيم في العاصمة البريطانية، أبدى استغرابه من طبيعة شخصية بشار الأسد المتنقلة من شخصية "الجنتلمان" الذي التقاه فترة دراسته في لندن مختصا بطب العيون، ولاحقا في دمشق بعد أن أصبح رئيسا، إلى شخص "فاجأني بلجوئه للحل الأمني منذ ثلاث سنوات مستمرة لم يتوقف فيها عن القتل بكل أشكاله البشعة".
 
توقف الكاتب الصحفي عن الكلام وانتظر مني تعليقا لم أسعفه به بسرعة، إذ كنت أتخيل حجم الجرائم الذي أصاب السوريين وكمية الدماء التي لم ترو عطش "الطبيب الشاب" للانتقام، وفي ذهني رواية "دكتور جيكل ومستر هايد" للأديب الأسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون المنشورة عام 1886، الرواية التي قرأها العديد منا أو شاهدها فيلما أميركيا بالأبيض والأسود.
صحفي مخضرم  أبدى استغرابه من طبيعة شخصية بشار الأسد المتنقلة من شخصية "الجنتلمان" إلى شخص "فاجأني بلجوئه للحل الأمني منذ ثلاث سنوات مستمرة لم يتوقف فيها عن القتل بكل أشكاله البشعة"

في صيف هذا العام كتب بروكس نيومارك النائب في البرلمان البريطاني مقالة في صحيفة ديلي ميل تحت عنوان "فنجان شاي مع بشار الأسد كشف لي حقيقته"، قال فيها "رجل مثل بشار الأسد يذبح شعبه اليوم، كان يتحدث بهدوء وتحضّر عندما قابلته ودعاني للقاءات دورية مماثلة، كان آخرها عام 2011".

وأضاف "كانت إجابات الأسد على أسئلتي مفيدة، وأحيانا صادمة، فلقد كان مباشرا جدا في بعض إجاباته عندما سألته ما هو أهم هدف له، فأجاب في كلمتين "بقاء النظام". إجابته تلك كانت تختلف تماما عن كلامه المعلن في ذلك الوقت، إذ كان يصرح عن السعي الدائم للإصلاح السياسي. قلت له "هناك تناقض تام بين الإصلاح وبقاء النظام!"، لكنه لم يجب على سؤالي. وفعلا وكما أظهرت الأحداث الآن، فإن الأسد على استعداد لتدمير سوريا بالكامل وقتل شعبها لحماية نظامه".

تستحق شخصية الديكتاتور السوري الدراسة في أسباب تحولها من شخصية الرئيس الشاب الواعد بتحقيق مزيد من الانفتاح لمجتمع أغلق ثلاثة عقود، إلى الطاغية الذي لن تتعب روحه من الحلول الأمنية ثلاث سنوات على التوالي، من دون التفكير بأي حل سياسي أو إصلاحي حقيقي.

لقد ارتاد حاكم سوريا وزوجته العالم وظهرا على أغلفة الصحف والمجلات بمفرديهما أو مع الأولاد، ليبدو الحاكم وهو أعلى قمة الهرم في سوريا، راعي الأسرة العصرية السعيدة في البلاد من خلال ظهوره مع أسرته بعيدا عن الرسميات ببنطلونات جينز وتي شيرت ودراجة هوائية في الهواء الطلق على عكس صور الحكام التي تؤخذ في الأماكن المغلقة.

أما زوجة الرئيس الملاحقة للموضة، بقصات شعرها وإكسسواراتها المتطابقة مع حقائب وأحذية وحلي وكل مكملات الأناقة، فقد أسمتها إحدى المجلات النسائية الشهيرة "وردة في الصحراء" كأنما لتؤكد على استثنائيتها وريادتها.

لقد بدت سوريا من وحي تلك الصور الخادعة بلدا ينعم بالانفتاح والرئاسة الشابة والعصرية وسط مجموعة من الحكام المتقدمين في السن في عموم المنطقة العربية.

كان الرئيس يستقبل الزوار من أنحاء العالم ويدعو بعضهم إلى منزله ويدهشهم بتبسطه هو وزوجته، كما حدث مع مصورة بريطانية انبهرت عندما فتح لها بشار الباب بنفسه حين زارته في بيته (أو قصره) في مهمة عمل صحفية، وكان يرتدي ملابس سبور، ثم راح يستشيرها بربطات العنق المناسبة للتصوير.

بدا وكأن تحرك مجموعة أطفال في درعا شكل عقارا كافيا لبداية تغير شخصية الرئيس "الجنتلمان" إلى شخصية الرجل الذي لا يحمل أي شفقة، ويمكن أن يذهب في القتل إلى أبعد مدى
لاحقا راحت كذلك تستشيرها زوجته عن المكان الأنسب لوضع طاولة جديدة وصلت للتو من خارج سوريا ولم يحددا بعد موقعها داخل البيت. تتساءل هذه الأوروبية الشابة، حسب كاتبة وصديقة لبنانية مشتركة، كيف يقدم على القتل المستمر شخص بدا بكل هذه البساطة والعصرية؟
 
تقودنا الأسئلة إلى بطل رواية "دكتور جيكل ومستر هايد" الطبيب الذي يرد ذكره من وجهة نظر صديقه المحامي أترسون في بداية النص كالتالي: "لاحظ أترسون أن الدكتور جيكل لم يعد يتصرف كطبيب عاقل .. بل ويبدو أنه قد أصيب بالجنون وفقد عقله".

(هل يذكرنا هذا التعبير بطبيب آخر يعيش بيننا الآن؟).

نعرف في تفاصيل الرواية لاحقا وبعد أن يثير الكاتب خيال القارئ، سرّ هذا الطبيب وضيفه الغريب المتوحش الذي لا يتحدث إلى أحد بل يعيش في مختبر دكتور جيكل، يخرج ويعود صامتا متجهما لا يتفاعل مع أحد من محيطه.
 
وتخبرنا الرواية التي قصد منها أن تكون رواية رعب لكنها أثبتت كونها رواية لقراءة النفس البشرية أيضا، أن دكتور جيكل الطبيب المرموق والشخص المحترم في الحيّ، توصّل إلى عقار يستطيع بواسطته أن يفصل الجانب الشرير من شخصيته (مطبقا العقار على نفسه) لتتجلى الشخصية الجديدة في السيد هايد (الوجه الآخر للدكتور)، الخليع الفاسق الذي لا أخلاق تضبطه بالمرّة.

وكانت غاية الطبيب من العقار إثبات أن داخل كل إنسان شرا يمكن إطلاقه بمحرّضات معينة، فلا يعود يهتم لرقابة الأخلاق والمجتمع.

لقد انشق الطبيب جيكل إلى شخصيتين: واحدة محترمة طيبة وأخلاقية، والثانية شريرة شرا مطلقا، إذ يفقد مستر هايد كل تحكم في انفعالاته فلا يكون لقبح أفعاله حدود، كأن يهوي على رجل عجوز مار بالطريق بعصاه ليسقطه أرضا.
 
وتصف الرواية (ترجمة أحمد خالد توفيق عن سلسلة "روايات عالمية للجيب") قمة عدم الأخلاق وغياب الشفقة عن هذا الرجل الجديد (الوجه الآخر للدكتور المحترم) فتقول: "ثم في اللحظة التالية -وبجنون كجنون قرد- راح يدوس ضحيته بقدميه تحت وابل من الضربات حتى لتسمع بوضوح صوت تحطم العظام".

تمرّ علينا هذه العبارات عند القراءة، ونتساءل: هل هناك بشاعة أكثر إجراما مما أقدم عليه رجل شرير خرج من عقل وروح طبيب محترم ودمث؟
 
ينبهنا كلام النائب بروكس عن بشار الأسد إلى أن الشخصية اللطيفة المقبولة المبتسمة التي ترتدي أكثر الملابس أناقة وتقود السيارات بنفسها من دون سائق، الدكتور الـ"شبابلك" المدجج بالشباب والحيوية، كان النسخة المطروحة للتداول الإعلامي، دوليا ومحليا، تماما مثلما كان الدكتور جيكل محترما اجتماعيا في لندن فترة منتصف القرن التاسع عشر، يستقبل المرضى ويشتغل على التجارب العلمية.
من الواضح أن بشار مثل نظيره دكتور جيكل، لن يتمكن من العودة إلى شخصيته الأولى، فيكون الرئيس اللطيف والعصري الذي يستقبل الزوار الأجانب ويرتاد العالم مع زوجته المتطلعة مثله لحكم يدوم يُورّث للأبناء

وإن ظن الدكتور جيكل أن شخصية مستر هايد التي سيتقمصها ستكون له ملاذا من المسؤولية والضوابط الأخلاقية يمارس من خلالها نزواته لتبقى صورته الأصلية برّاقة بين الناس، فإن الدكتور السوري أظهر الشخصية الخفية المؤجلة المتأهبة لهذا الظرف منذ استلامه للسلطة على ما يبدو.

وبدا وكأن تحرك مجموعة أطفال في درعا شكل عقارا كافيا لبداية تغيّر شخصية الرئيس "الجنتلمان" إلى شخصية الرجل الذي لا يحمل أي شفقة، ويمكن أن يذهب في القتل الى أبعد مدى.

وكما أن شخصية مستر هايد تطغى على دكتور جيكل فلا يعود الثاني قادرا على الاحتفاظ بشخصيته الأصلية الخيّرة، فإن هذا ما حدث للدكتور الحاكم الذي تحول إلى الشخصية الاحتياطية واحتفظ بها لثلاث سنوات من القتل والتشريد والتدمير بكل الوسائل الممكنة من دون إحساس بعقدة الذنب أو الشفقة على بشر أو حجر.

ومن الواضح أنه مثل نظيره دكتور جيكل، لن يتمكن من العودة إلى شخصيته الأولى، فيكون الرئيس اللطيف والعصري الذي يستقبل الزوار الأجانب ويرتاد العالم مع زوجته المتطلعة مثله لحكم يدوم يُورّث للأبناء.

إن مصيره في النسخة الاحتياطية التي عاش في داخلها منذ ثلاث سنوات هو مصير مستر هايد الذي يقول في نهاية الرواية "عرفتُ مع أول شهيق من هذه الحياة الجديدة أنني صرت أكثر شرا.. صرت أكثر شرا عشر مرات.. صرت عبدا لشرّي الخاص.. وشعرت كأنما هذه الفكرة تُسكرني".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك