حسين عبد العزيز

حسين عبد العزيز

كاتب ومنتج أخبار في قنوات فضائية



أهمية القلمون
عاصمة ثورة القلمون
خيارات النظام

مع الدعم العسكري والبشري الكبيرين اللذين يتلقاهما منذ بداية 2013 من حلفائه في إيران ولبنان والعراق، بدأ النظام السوري تغيير أسلوبه العسكري إن على مستوى التكتيك أو على المستوى الإستراتيجي، فبدلا من نشر القوات في كل الأراضي والدخول في مئات الاشتباكات العسكرية، قرر النظام وضع أهداف قريبة وأخرى بعيدة يمكن تحقيقها، ولذلك انسحب من بعض المناطق وركز قوته في مناطق أخرى.

كانت أولوية النظام تأمين العاصمة بعد أحداث يوليو/تموز 2012 باعتبارها رمزا سياسيا له، ثم السيطرة على محيط دمشق كهدف ثان، ثم تأمين المناطق الخلفية لضواحي دمشق كهدف ثالث في الجنوب والجنوب الشرقي على بعد 20 كلم من دمشق.
كانت الأولوية الثانية للنظام بعد دمشق السيطرة على مدينة حمص بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط جنوب سوريا بشماله، ثم السيطرة على ريفها كهدف ثان بسبب ملاصقته للبقاع اللبناني وملاصقته لمنطقة القلمون شمالا

وكانت الأولوية الثانية للنظام السيطرة على مدينة حمص بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط جنوب سوريا بشماله، ثم السيطرة على ريفها كهدف ثان بسبب ملاصقته للبقاع اللبناني وملاصقته لمنطقة القلمون من الناحية الشمالية.

أهمية القلمون
تنبع أهمية القلمون من أنها القاعدة الخلفية وخزان الإمداد الرئيسي (البشري والعتادي) لدمشق وريفها وللمنطقة الوسطى في سوريا (حمص وريفها) ولمناطق في البادية شرقا، إنها منطقة تمتد من الدريج جنوبا على بعد بضعة كيلومترات من دمشق وحتى البريج شمالا قبيل القصير بكيلومترات.

وهي إلى ذلك عبارة عن شريط إستراتيجي بطول نحو 120 كلم وعرض نحو عشرة كيلومترات في بعض المناطق ونحو 35 كلم في مناطق أخرى بمساحة تبلغ 25 ألف كلم مربع يحده من الغرب سلسلة جبال لبنان ومن الشرق الطرق المؤدية إلى بادية الشام، مع مجموعة كبيرة من القرى والمدن الصغيرة.

تقدر أعداد المقاتلين في هذه المنطقة بنحو عشرين ألف مقاتل موزعين في ثلاث مناطق رئيسية: رنكوس وعسال الورد ويبرود (مسقط رأس كاتب هذه السطور)، ويتبع المقاتلون لكثير من الفصائل، مثل لواء القادسية في رنكوس والجيش الحر والمجلس العسكري الثوري ولواء مغاوير القصير وجيش الإسلام وجبهة النصرة وغرباء الشام وعشرات الكتائب الصغيرة.

منذ العام 2013 بدأ الاهتمام يتجه إلى القلمون الفوقا الممتدة من رنكوس جنوبا على بعد 45 كلم من دمشق إلى البريج شمالا قبيل القصير بكيلومترات، وهي عبارة عن شريط إستراتيجي بطول نحو 70 كلم وعرض 10 كلم يتضمن مجموعة من المدن والبلدات: حوش عرب، عسال الورد، الجبة، المعرة بخعة/الصرخة، فليطة، يبرود، النبك، دير عطية، قارة، جراجير.

وما زاد من أهمية المنطقة صفقة الكيمياوي التي تتطلب نقل المواد والأسلحة الكيمياوية إلى الموانئ البحرية عبر الطريق الرئيسي الذي يمر بالقلمون الفوقا، ومن هنا اتجه النظام منتصف نوفمبر/تشرين الثاني لفتح معركة قارة ودير عطية والنبك، وهي مدن متاخمة مباشرة للأتوستراد الدولي لضمان نقل الكيمياوي، لكن النظام وعلى عكس ما هو متوقع أوقف العمليات العسكرية بعد السيطرة على النبك في 9 ديسمبر/كانون الأول الماضي، دون أن يستكمل العملية في مزارع ريما ويبرود لبعدهما عن الطريق الرئيسي من ناحية الشرق 3 كلم ومن الشمال 2 كلم.

عاصمة ثورة القلمون
تحولت يبرود إلى عاصمة الثورة في القلمون، بسبب كونها مركزا رئيسيا للإمداد والخزان الخلفي لباقي المناطق المحيطة، ومركزا للتصنيع حيث تنتشر فيها ورشات الخراطة المخصصة لصنع الأسلحة، ولذلك كانت في الأشهر الماضية المدينة الأكثر تعرضا للقصف من قبل النظام بشكل شبه يومي.

السيطرة على يبرود تعني للنظام إخراج هذه المنطقة من معادلة الصراع من خلال قطع الطرق الرئيسية بين فصائل المعارضة في شمال سوريا وجنوبها، فضلا عن إخراج هذه المنطقة من المعادلة اللبنانية وتأمين سلسلة جبال القلمون (السلسلة الشرقية للبنان).

تحولت يبرود إلى عاصمة الثورة في القلمون، بسبب كونها مركزا رئيسيا للإمداد والخزان الخلفي لباقي المناطق المحيطة، ومركزا للتصنيع حيث تنتشر فيها ورشات الخراطة المخصصة لصنع الأسلحة
لكن عملية إقصاء يبرود عملية صعبة حيث يتمركز فيها أكثر من 5000 مقاتل، وذات طبيعة جغرافية خاصة، فهي تقع في واد يفصل بين هضبتين كبيرتين ضمن سلسلة جبال القلمون، ومحاطة بجبال تعلوها تيجان صخرية تكاد تنفرد فيها دون غيرها، كجبل مار مارون المرتفع وجبل العريض وخلفها جبال الجرد الشرقية.
 
تضيق جبال يبرود من الناحية الجنوبية بشكل كبير مما يجعل اقتحامها من هذه النقطة يبدو مستحيلا، ثم تتسع نحو الشمال عند مزارع ريما حيث يتمركز آلاف المقاتلين، أما من الناحية الغربية فثمة التقاء جبلين تاجيين بينهما ممر ضيق لا يمكن اقتحامه، وأما من الشرق فلا يوجد سوى ممر واحد يؤدي إلى الطريق الرئيسي للمدينة، وهو عبارة عن فتحة ضيقة بين جبلين، وتبقى النقطة الأضعف من الجهة الشمالية الغربية عند بلدة السحل التي تبعد عن حدود يبرود 3 كلم، هذه التضاريس وفرت للمقاتلين معابر مهمة وسهلة لتهريب السلاح والإمدادات وسرعة الحركة.
 
بدأت معركة يبرود في الثاني عشر من الشهر الماضي مع نشر الجيش قواته عند مدخل يبرود الشرقي في أسفل تلة العقبة وعند مفرق النبك يبرود على الأتوستراد الدولي شمال المدينة ثم نشر جزء آخر من قواته مع عناصر من حزب الله في الشمال الغربي خارج منطقة يبرود الإدارية والجغرافية.
 
استخدم النظام منذ البداية إستراتيجية تكثيف القصف داخل يبرود من جهة، وعلى مواقع المقاتلين من جهة ثانية حيث أطلق أكثر من 200 غارة جوية، أي بمعدل 20 غارة يوميا لتحقيق هدفين مهمين:

- ضرب إسفين بين المقاتلين وأهالي يبرود من أجل تحميل المقاتلين المسؤولية الأخلاقية أمام أهالي المدينة لزجهم في أتون المعركة.

- إجبار المقاتلين على الخروج من مواقعهم المحصنة للرد على مصادر النيران الأرضية والجوية ليصبحوا في العراء مما يسهل استهدافهم.

لكن النظام فشل في تحقيق الهدف الأول، حيث تحول معظم سكان المدينة إلى حاضن شعبي للمقاتلين، بمن فيهم أهالي القصير وحمص القاطنون في يبرود الذين يحملون حقدا كبيرا على النظام، كما فشل في تحقيق الهدف الثاني، فالمقاتلون المدركون لقواعد اللعبة العسكرية التي يتبعها الجيش بقوا في مواقعهم مما أفشل مخطط النظام لاستدراجهم.

أمام هذا الوضع، عمد النظام إلى نقل المعركة إلى بلدة السحل المتاخمة ليبرود من الجهة الشمالية الغربية، وتركت عملية الاقتحام لعناصر حزب الله مع تعزيزات من فيلق بدر العراقي مدعومين من الخلف بعناصر من الجيش.

السيطرة على السحل تمنح النظام قدرة أفضل على إغلاق الممر الشمالي الغربي ليبرود وقدرة على مشاهدة تحركات المقاتلين في تلال ريما، وهذا تطور قد يغير من طبيعة المعركة لصالح النظام الذي يعمل منذ أيام على كسر صفوف المقاتلين عبر شراء بعضهم، كما حدث في عدة أماكن، ولا سيما القصير، وهو احتمال ليس مستحيلا مقارنة بالتجارب السابقة.

ولكن القدرة والصمود الكبيرين للمقاتلين في يبرود والتضاريس التي تخدمهم ستجعل من معركة يبرود أم المعارك في القلمون وستكون تكلفتها كبيرة على حلفاء النظام.

وحسب المعلومات الواردة من يبرود، قتل المئات من الجيش وعناصر حزب الله منذ بدء المعركة، حيث عج مستشفى النبك بالجثث، وكان آخرها قصف الجيش بالخطأ تجمعا لعناصر الحزب شمالي السحل مساء الاثنين 3/3/2014.
ما يروجه النظام من السيطرة على تلة الكويتي في ريما عار تماما عن الصحة، لأنها المعركة الأخيرة في يبرود ومن يفز فيها ينتصر في يبرود بغض النظر عمن يسيطر على المناطق الأخرى

يحاول النظام تطويق يبرود من الجهة الشرقية عند تلة العقبة المطلة على الأتوستراد الدولي مرورا بمفرق النبك-يبرود من الجهة الشمالية إلى السحل من الجهة الشمالية الغربية إلى فليطة من الجهة الغربية، ويسمح له هذا القوس بقطع الطرق التي يستخدمها المقاتلون بين يبرود وعرسال اللبنانية باستثناء الطرق الجبلية، وهي طرق صعبة لا تستطيع الآليات السير فيها، لكن الجهة الجنوبية من يبرود باتجاه رأس العين وبخعة/الصرخة ومعلولا إلى جبعدين ورنكوس، والجهة الجنوبية الغربية باتجاه المعرة والجبة وعسال الورد مفتوحتان، ويتطلب إغلاقهما أعدادا كبيرة من الجيش بسبب مساحتها الكبيرة وتضاريسها الصعبة.

خيارات النظام
في ظل هذا الوضع أمام النظام خياران:

- الاكتفاء بمحاصرة يبرود وتركها معزولة عن محيطها الجغرافي، وهذه عملية تتطلب وجودا عسكريا دائما وثابتا في الجبال المحيطة، مما يجعلها عرضة للهجوم من فصائل أخرى في القلمون.

- إكمال العملية العسكرية باقتحام يبرود ومزارع ريما، وإن كانت يبرود كمدينة أسهل للنظام، فإن مزارع وتلال ريما تبدو مسألة صعبة في ظل الانتشار الكثيف للمقاتلين وفيها وتحولها في العامين الماضيين إلى معقل عسكري فيه كثير من الخنادق والممرات بين التلال فضلا عن الأسلحة المتوسطة.

وما تروجه وسائل إعلام النظام من السيطرة على تلة الكويتي في ريما عار تماما عن الصحة، فحتى الآن لم يستطع الجيش ولا عناصر الحزب وفيلق بدر الوصول إلى ريما، لأنها المعركة الأخيرة في يبرود، ومن يفز فيها ينتصر في يبرود بغض النظر عن المناطق الأخرى المحيطة ومن يسيطر عليها.

المصدر : الجزيرة

التعليقات