عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي



وصل وزير الخارجية الأميركي جون كيري -وبعد أكثر من عشر زيارات قام بها إلى الشرق الأوسط- إلى طريق مسدود حسبما يبدو.

وكان وزير الخارجية الأميركي قد صرّح بأن الفشل في الوصول إلى اتفاقية سلام مع الجانب الفلسطيني سيؤثر بشكل سلبي في ديمقراطية "إسرائيل" وسيؤدي إلى المزيد من "العزلة"، واعتبر نتنياهو أن هذه التصريحات تصب في تشجيع العناد الفلسطيني ولا تنفع عملية السلام، وقال "لن تجبرني أية ضغوطات على التضحية بمصالح إسرائيل وأولها أمن المواطنين الإسرائيليين".

وإذا كان وراء كل مسألة قانونية هناك مسألة سياسية تنطلق منها وإليها تعود الحلول والتوافقات، الاّ أن الحقوق لا تُبطل، حتى وإن تجاوزت عليها القوانين، لا سيّما إذا كانت متعسفة، بالاحتلال أو غيره.

فثمة فوارق أحيانا وقد تكون كبيرة بين فكرة الحق وآلية القانون في المحتوى والهدف، وإن كان الأخير وسيلة، فلا بدّ من تطابقها مع الغاية، ولعلّ هذه المسألة تنطبق على نحو كبير على الوضع الفلسطيني.

ارتبط الظهور القانوني لفكرة حق تقرير المصير  بصعود فكرة الدولة القومية، ولا سيّما في أوروبا في مرحلتها الأولى، وإثر اندلاع الحرب العالمية الأولى في العام 1914
وإذ نكتب اليوم فلأننا نتابع ما يجري من مسعى تفاوضي تحريكي، بعد ركود دام سنوات، فقد بدأت جولات وزير الخارجية الأميركية جون كيري المكوكية لكنها اصطدمت مرّة أخرى بالتعنّت "الإسرائيلي" والتنكّر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، ولا سيما لحقه في تقرير المصير، حتى وإن كانت بحدّه الأدنى (العودة لحدود 4 يونيو/حزيران 1967) وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية وعاصمتها القدس، ولا بدّ هنا من توضيح ما الذي نقصده بحق تقرير المصير ومتى ظهر وكيف يمكن أن يتجلّى قانونيا؟

كان الظهور القانوني لفكرة حق تقرير المصير قد ارتبط بصعود فكرة الدولة القومية، ولا سيّما في أوروبا في مرحلتها الأولى، وإثر اندلاع الحرب العالمية الأولى في العام 1914 وبعد انعقاد مؤتمر السلام الذي أعقبها راجت فكرة حق تقرير المصير، خصوصا لدى الشعوب والجماعات الإثنية من أجل نيل استقلالها.

رافعتان أساسيتان ساهمتا في الإعلاء من مبدأ حق تقرير المصير: الرافعة الأولى هي الحركة اليسارية الاشتراكية وتيارها الأساسي الماركسي الذي تجسّد في مؤتمر الأممية الثانية المنعقد في لندن العام 1896 الذي اتّخذ قرارا بشأن حق تقرير المصير حين أعلن "تأييده لحق جميع الأمم التام في حرية تقرير مصيرها"، كما أعرب عن تعاطفه مع: "كل بلد يقاسي حاليا من نير الاستبداد العسكري والقومي أو غيرهما".

ودعا "عمّال جميع البلدان للانضمام إلى صفوف العمال الواعين طبقيا في العالم أجمع، للنضال معهم في سبيل تحطيم الرأسمالية العالمية وتحقيق أهداف الاشتراكية الديمقراطية".

وقد أوضح لينين المقصود من فكرة حق الأمم في تقرير مصيرها، حين أشار إلى أنه "يعني بوجه الحصر حق الأمم في الاستقلال بالمعنى السياسي، في حرية الانفصال السياسي عن الأمة المتسلّطة المضطهِدة".

ووصف الذين انتقدوا الفقرة التاسعة من برنامج حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي (البلشفي) -التي أكّدت على حق تقرير المصير- بالنفاق السياسي وخداع جماهير الشغيلة وتسهيل وتمرير سياسة الإمبريالية، مبيّنا ثلاثة نماذج من البلدان من حيث حق الأمم في تقرير مصيرها.

ومن الناحية العملية أيّد البلاشفة استقلال بولونيا وفنلندا وأوكرانيا وليتوانيا، وكان لينين مثل سائر الماركسيين آنذاك الذين يعتقدون أن القوميات إحدى مظاهر الحقبة الرأسمالية التي ستزول مع زوال الرأسمالية نفسها، ولذلك فقد كان خياره قيام الدولة الأمة التي هي الخطوة الحيوية للوصول إلى بناء المجتمع الاشتراكي.

وهو الأمر الذي يحتاج اليوم إلى قراءة جديدة في ضوء التجربة التاريخية المتراكمة، وما أفرزه الواقع من ظواهر جديدة، متداخلة ومتشابكة، بما فيها التطبيقات الاشتراكية البيروقراطية الضارّة والتي زادت المسألة القومية والتعددية والثقافية تعقيدا.

وكان مرسوم السلام الذي صدر غداة ثورة أكتوبر قد دعا حكومات البلدان المتحاربة وشعوبها للبدء فورا بمباحثات سلام عادل وديمقراطي، وهو السلام الذي فسّرته الحكومة السوفياتية بأنه: سلام بلا ضم أو استيلاء على أراضي الغير أو إلحاق شعوب أجنبية بالقوة بها.

كانت الرافعة الثانية لمبدأ حق تقرير المصير هي إعلان الرئيس الأميركي وودرو ويلسون مبادءه الأربعة عشر، حيث لعبت وجهات نظره دورا مركزيا بشأن تقرير المصير، لا سيّما بعد دخول بلاده الحرب في العام 1917
واعتبر المرسوم أن الحرب جريمة ضد الإنسانية، وألغى الدبلوماسية السرية والمعاهدات غير المتكافئة ومن ضمنها معاهدة سايكس بيكو التي قامت بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصيرية، بخصوص البلدان العربية، المبرمة العام 1916.

وأقرّت السلطة البلشفية حق تقرير المصير في أول دستور سوفياتي صدر في العام 1918 باعتباره ركنا أساسيا من أركان المبادئ القانونية للدولة الجديدة وبعد ثورة أكتوبر طبّق لينين مبدأ حق تقرير المصير على الإمبراطورية الروسية، حيث أصدر في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 1917 "إعلان حقوق شعوب روسيا الذي تضمن حق تقرير المصير بما فيه حق الانفصال وتكوين دولة مستقلة.
 
وبغض النظر عن التطبيقات المشوهة وما آلت إليه الاشتراكية المطبّقة من نكوص وتراجع، فقد كانت رافعة ثورة أكتوبر مهمة جدا لجهة حق الأمم والشعوب في تقرير مصيرها، لا سيّما في النضال على المستوى الدولي، ضد الكولونيالية، وخصوصا في جانبها النظري.

أما الرافعة الثانية لمبدأ حق تقرير المصير فقد كانت إعلان الرئيس الأميركي وودرو ويلسون مبادءه الأربعة عشر، حيث لعبت وجهات نظره دورا مركزيا بشأن تقرير المصير، لا سيّما بعد دخول الولايات المتحدة الحرب في العام 1917.

وكان ويلسون قد أعلن أن الولايات المتحدة دخلت الحرب "دفاعا عن الحرية" والتطوّر الحر للشعوب وعدم إرغام أي شعب للعيش تحت سيادة لا يرغب فيها ودفاعا عن الحكم الذاتي الذي تطور إلى فكرة حق تقرير المصير، وذلك أثناء إلقاء خطابه الشهير في الكونغرس (في 8 يناير/كانون الثاني 1918) الذي تضمن النقاط الأربع عشرة المشار إليها.

وكانت مادة حق تقرير المصير ضمن النقطة الثالثة عشرة، وذلك في معرض دعوته لقيام دولة بولونية مستقلة، وعاد وأكّد ذلك صراحة في خطاب له ألقاه في فبراير/شباط من العام ذاته 1918 مشيرا إلى أن حق تقرير المصير ليس مجرد عبارة، بل هو مبدأ واجب التطبيق.

وقد حاول الرئيس ويلسون إدخال فقرة خاصة بمبدأ حق تقرير المصير في عهد عصبة الأمم 1919، لكنه لم يفلح في ذلك، حيث قوبل هذا الحق منذ إعلانه ببعض التحفظات الهادفة إلى حماية كيانات الدول القائمة ومصالحها.

وبغضّ النظر عن مواقف الولايات المتحدة السلبية لاحقا، فإن مبادئ الرئيس ويلسون كانت إحدى الرافعتين الأساسيتين على المستوى الدولي لمطالبات الشعوب والأمم بحقها في تقرير مصيرها، لا سيما البلدان المستعمَرة والتابعة.

ولعلّ مبدأ حق تقرير المصير لا يزال يجابه عقبات كبيرة على الرغم من التطور الكوني، ولا سيّما ما يتعلق بحقوق الشعب العربي الفلسطيني وهي حقوق ثابتة وغير قابلة للتصرّف باعتبارها جزءا لا يتجزأ من القواعد الآمرة في القانون الدولي.

في حين أن الجدل أخذ يشمل المناطق التي تضمّ خليطا من السكان والشعوب والأقوام، ذلك أن إنشاء دول جديدة قابلة للحياة، يعتمد على عوامل واعتبارات اقتصادية وجغرافية وإستراتيجية عديدة، على الرغم من الصعوبات والكوابح العملية، فضلا عن مصالح وتبريرات تقف حجر عثرة أمام تطبيق حق تقرير المصير في دول متعددة القوميات، بذرائع الوحدة الإقليمية ومبادئ السيادة وغيرها، ناهيكم عن ازدواجية المعايير بالنسبة للقوى المتنفذة في العلاقات الدولية، ففي حين تؤيدها في منطقة تعارضها في مناطق أخرى.

وقد ظلّ مبدأ حق تقرير المصير خلال الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين أقرب إلى مبدأ أخلاقي أو قيمي، أو مطلب سياسي منه إلى الصيغة القانونية، ولكن تطورا مهما مهد لاحقا لقبول مبدأ حق تقرير المصير لإدراجه في ميثاق الأمم المتحدة، لا سيّما ما تعرّضت له البشرية من مآس خلال الحرب العالمية الثانية 1939- 1945.

ظلّ مبدأ حق تقرير المصير خلال الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين أقرب إلى مبدأ أخلاقي أو قيمي، أو مطلب سياسي منه إلى الصيغة القانونية، ولكن ما تعرّضت له البشرية من مآس خلال الحرب العالمية الثانية مهد لقبول مبدأ حق تقرير المصير
وكانت وثيقة الأطلسي الصادرة عن الرئيس روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني تشرشل في العام 1941 قد لحظت في إحدى بنودها "مبدأ الحقوق المتساوية وحق تقرير المصير للشعوب".

ولكن هذا الحق لم يكتسب صفته القانونية، الملزمة إلاّ في العام 1945 بعد قيام الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، ثم استقرّ مبدأ حق تقرير المصير ليصبح قاعدة ثابتة في القانون الدولي المعاصر بعد قيام الأمم المتحدة، خصوصا بعد إعلان الجمعية العامة رقم 1514 إقرارها مبدأ تصفية الكولونيالية، الصادر في 14 ديسمبر/كانون الأول 1960، الذي تم الاحتفال بذكراه الثالثة والخمسين.

وهو الأمر الذي فتح الباب أمام تطورات لاحقة، خصوصا وقد جاء العهدان الدوليان لحقوق الإنسان العام 1966 واللذان دخلا حيز التنفيذ العام 1976، ليصبحا ركنين أساسيين من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، باعتبار حق تقرير المصير قاعدة آمرة، أي ملزمة في القانون الدولي، وهذان العهدان يعتبران اتفاقيتين دوليتين شارعتين أي منشئتين لقاعدة دولية جديدة أو مثبتتين لها.

وإذا كانت الدبلوماسية الأميركية قد أعطت اهتماما كبيرا منذ أواسط العام الماضي للوصول إلى تسوية بحكم الأمر الواقع، فإن ما يحتاجه العرب والفلسطينيون هو تحرك دولي ودبلوماسي فلسطيني وعربي وإسلامي، لإعادة بحث هذا الملف طبقا للتطور العالمي لفكرة حق تقرير المصير.

وتلك هي النقطة الأضعف في القضية الفلسطينية منذ أن تحققت لها انتصارات في الأمم المتحدة في العام 1974، بما فيها الانتصار الذي أحرزته في العام 2012 في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، بخصوص الاعتراف بـ"دولة فلسطين"، لكنه في الوقت نفسه يحتاج أيضا إلى مشاركة منظمات المجتمع المدني، التي لعبت دورا كبيرا في مؤتمر ديربن العام 2001 وهو الذي دمغ الممارسات الإسرائيلية بالعنصرية في محفل دولي كبير ضم أكثر من ثلاثة آلاف منظمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك