محمد الجوادي

محمد الجوادي

محمد الجوادي, أديب وكاتب ومؤرخ وأستاذ طب، وله إنتاج فكري خصب في مجالات التربية والآداب والفكر السياسي



ليس هذا المقال تبشيرا بسقوط الانقلاب العسكري هنا أو هناك، وهو كذلك ليس تنبيها إلى أخطاء الانقلاب هنا أو هناك، لكنه في حقيقة الأمر يتأمل في ظاهرة سياسية تمثلت للتاريخ على هيئة أسوأ باب ملتبس للوصول إلى السلطة.

وقد تم إنعاش هذه الظاهرة -ولا نقول اختراعها- على يد الأميركيين، ثم تم إخفاؤها أو بالأحرى خفوتها على يد الأميركيين أيضا.

وإن لم يكن الأميركيون الأولون هم الأميركيون الآخرون، فالأولون الذين اخترعوا الانقلابات كانوا إمبرياليين أقحاحا تماما، أما الأميركيون الآخرون الذين ساعدوا على إنهاء عهد الانقلابات العسكرية فهم بلا جدال أنبل من في تاريخ أميركا المعاصر خلقا ودوافع.

وربما كان الأكثر فائدة للناس ولقراء هذا المقال أن نمضي مباشرة إلى ذكر سببين من الأسباب التي تجعل النجاح مستحيلا، فذلك أدعى لفهم الفكرة التي نريد أن نجلوها.

السبب الأول: هو عجز قدرة العسكريين على استيعاب الطفرات الحضارية التي وصلت إليها الإنسانية، وهنا يمكن لنا أن نشير إلى المفارقة بين فهم الفطرة وفهم الطفرة.

ففهم الفطرة لا يستلزم أكثر من وعي بالتاريخ والاجتماع والسياسة والجغرافيا مع إلمام بفلسفة سياسية ما حتى لو كانت هي فلسفة ميكافيلي.

بجملة إجراءات من القمع المنظم والاستخبارات الدائبة والعلاج المتجدد، أمكن لكثير من النظم الشمولية في العالم الثالث الاستقرار والاستمرار حتى أصابتها الشيخوخة
أو المرض 

وهكذا كان من الممكن لكثيرين من زعماء الانقلابات العسكرية في الخمسينيات والستينيات أن يسيطروا تماما بل وأن يقصوا غيرهم سريعا، ثم أن يبنوا دولة أمنية قوية تتصدى للمنافسين، وأن يستبقوا الانقلابات المضادة:

- بإجراءات قمعية قادرة على أن تقمع بالفعل.

- وبإجراءات استخباراتية قادرة على أن تستطلع بالفعل، وبإجراءات استخباراتية مصاحبة قادرة على أن تستعلم بالفعل.

- وبإجراءات علاجية ثالثة قادرة على أن تنزع عن المعارضة أو الانقلاب المضاد مبررات الوجود ومبررات الضرورة.

وبهذه الإجراءات الثلاثة من القمع المنظم والاستخبارات الدائبة والعلاج المتجدد، أمكن لكثير من النظم الشمولية في العالم الثالث الاستقرار والاستمرار حتى أصابتها الشيخوخة، أو تقادم بها المرض، أو تقادم بأصحابها ولم يعد من الممكن لها بحكم طبائع الأشياء أن تعود إلى الشباب، ولا إلى الصبا.

وفي ظل هذا الاختلاف في أطراف المعادلة المتعلقة بالبقاء والحياة لم يكن من الممكن ولا من المتوقع أن تتجدد هذه الأنظمة مهما زودت أو تزودت بأدوات وآليات وأدوية الرعاية المركزة، والمثل البارز في سوريا ينبهنا إلى هذه الحقيقة الساطعة، على الرغم من أن انقلابيين آخرين رأوا فيه إمكانية ذكية لإحياء الميت أو لبعث الحياة في ميت أو للبعث بعد النشور.

ويكفيني لاختتام هذا الحديث العابر في هذه الجزئية أن أشير إلى ما روي من أن أحد الزعماء الكبار استمع إلى بعض الحقائق حول طفرة التواصل الاجتماعي وأثر الفيسبوك في دعم الثورات فما كان منه إلا أن أبدى استعداده لشراء الفيسبوك نفسه على نحو ما اشترت دولته من قبل صحفا مؤثرة وأدارتها في فلكها، لكن الحاشية أشارت عليه بإجراءات أخرى متعددة كانت نتيجتها الحتمية -وغير المتوقعة لمن أشاروا بها- أن تضاعف انتشار وأثر وسائل التواصل الاجتماعي في هذه الدولة أكثر من عشر مرات، وهو أمر علمي وتواصلي وتقني كان متوقعا ولا يزال متوقعا مع كل إجراء من هذا القبيل.

والسبب في هذا أن الطفرة التي وصلت إليها الإنسانية تفرض وجود مهارات تكنولوجية ومعلوماتية لم يعد من الممكن أن يحوزها فرد واحد، سواء أكان عالما نوبليا أم حاكما مدعوما إلى أقصى حد بمن يهولون من قدراته المتواضعة إلى درجة أن يصفوه بالرسالة أو بالنبوة إرهابا وتخويفا وإرصادا.

السبب الثاني هو أن هذا الكون المصنوع على يد البشر التفت بعد تقدمه إلى أنه لا يمكن له أن يعيش ولا أن ينتعش ولا أن يشع تأثيره إلا إذا سار على نسق الكوكب العظيم الذي براه الخالق العظيم، وهكذا أصبحت صناعة التكنولوجيا نفسها تتطور بحيث تكون أسرع فهما وتداولا، بل تكون في متناول الأميين، وليس فقط لذوي التعليم البسيط.

إذا كان مناخ اليوم مناخ وضوح فليس بوسعك توقع نجاح أو استمرار مناخ غموض نشأ ووجد بحكم انقلاب لا يدرك مسؤولوه حقائق ثورة المعلومات وما أتاحته من شفافية تتخطى حدود كل شيء

والمثل الواضح بين أيدينا هو أجهزة التلفون المحمول التي يدفع مصمموها المليارات طوعا وكرها من أجل الوصول إلى حل تقني يبسط التعامل ومن ثم فإنه -أي الحل الذي تدفع فيه المليارات- يمكن أن يوسع من قاعدة الراغبين في هذا التعامل، ومن ثم يضاعف من قاعدة المستهلكين لا المشترين فحسب، ومن ثم من العوائد والأرباح، وهي عوائد وأرباح فلكية، ومن الغريب أنها لا تتاح إلا مرتبطة بالخصم المواكب من عوائد وأرباح المنافسين.

ووصل الحد في هذا التوجه الذكي إلى أن أصحابه لم يمانعوا في ما وصفه به علماء فلسفة العلوم من أمثالي بأنه توجه منحاز للأمية، بل وجدوا في هذا الوصف العلمي ضالتهم للحديث عن احترامهم لحكم الشعوب والأغلبية والديمقراطية!

ومن العجيب أنه في الوقت الذي تتحول المطاعم الفخمة فيه إلى مثل هذا الأسلوب الديمقراطي الذي لا يفرق بين أصحاب المصلحة، فإن نزعة العسكريين الوطنيين تزداد في التجلي والتعسف في تكرار الحديث عن سرية المعلومات وضمان أمنها، وفي سرية تحركاتهم واختياراتهم، ودوافعهم لاختيار مساعديهم ومستشاريهم.

وهكذا يدخل العسكريون الانقلابيون دون دراية، ودون توقع ودون تخطيط إلى قوقعة البيات الشتوي في عصر بات يعتمد تماما على الوضوح لا على السرية.

ومن العجيب مرة أخرى أن الانقلابيين في عالمنا الثالث لا يصدقون ولا يريدون أن يصدقوا أن الصحف المتخصصة تنشر بصفة دورية أرقام مبيعات السلاح ومشترياته وتحركاته وتهريباته وتسريباته.

ويظن هؤلاء القادة أن هذا النشر يتم بلغة لا تقرأ، بينما أحفادهم في المدارس الابتدائية يستطيعون أن يقدموا لهم بحثا عن كل الأرقام التي لا يعرفونها هم عن تسليح الدولة التي قاموا بالانقلاب فيها، بل من الممكن لتلاميذ المدارس الابتدائية أن يطلعوا هؤلاء القادة على تطور محتويات مخازنهم من السلاح الشرقي والغربي، وبطريقة دقيقة ورقمية غير موجودة في أرشيف دولة الانقلاب نفسه.

وهكذا، فإنه إذا كان المناخ في العالم كله مناخ وضوح فإنه ليس بوسعك أن تتوقع نجاح أو استمرار مناخ غموض نشأ ووجد بحكم انقلاب تقصر مدارك مستشاريه ومساعديه عن إدراك حقائق ثورة المعلومات وما أتاحته من شفافية تتخطى حدود كل شيء.

ومن العجب أن العسكريين الذين يدركون بعض هذه الحقائق يواجهونني بأن هناك تزويرا في بعض الأرقام التي نشرت عن كذا في كذا، فأقول لهم إن حديثهم عن هذا التزوير الذي تم اكتشافه يضيف إلى رؤيتي القائلة باستحالة الغموض لسبب بسيط، وهو أن التزوير نفسه لم يتم اكتشافه إلا لأن مصادر الوضوح والصحة والتدقيق في المعلومات أصبحت أوسع وأرحب من أن تتيح فرصة أو ثغرة يجد التزوير فيها أرضا محتكرة يمارس فيها مهارته، بينما التجهيل وانعدام الشفافية يرفدان التزوير بكل خصوبة يطلبها.

وفي هذا السياق، فمن الطريف أن تلاميذ المدارس الإعدادية يتحدثون الآن بسخرية بالغة عن ذلك الصحفي الانقلابي العجوز الذي يتحدث مع التلفزيونية العصبية بثقة زائفة عن معلوماته، بينما كل ما يقوله منشور في الصحف الزرقاء والصفراء وبدقة أكبر، وهو لا يزال يظن نفسه الوحيد الذي قرأ "الجورنال" الذي صدر بالأمس في الولايات المتحدة، مع أنه يوزع عشرة ملايين نسخة، وتنقل عنه عشرة آلاف صحيفة وفضائية وموقع تواصل اجتماعي.

لكن الانقلابي العجوز لا يزال على ما تعود عليه من أن يراهن رهانا قديما على جو قديم لم يعد من الممكن أن يعود إلا إذا تصورنا البشرية مثلا وقد تخلت عن الكهرباء وعادت إلى إشعال الخشب للإضاءة والتدفئة والطبخ، وذلك حتى لا تشغل الكمبيوترات ووسائل الاتصالات التي تعمل بالكهرباء التي تجري في الشبكات المتاحة للجميع من خلال أسلاك الشبكة المتصلة والمتواصلة، وكأن العدول عن الكهرباء التي في الأسلاك كفيل باحتكار الخشب القديم لوسائل الطاقة!

يظن كثير من محبي اللغط والجدل والتدليس أن الأمر الشاذ يمكن أن يوصف بالطبيعي، إذا ما اجتمع على هذا الوصف عدد كبير ببطاقات مدفوعة الأجر مسبقا

ولا يمكن لنا والحال هكذا أن نتصور إمكانية نجاح انقلاب عسكري في 2014، إلا إذا أمكن لنا أن نتصور أن الحياة يمكن أن تمضي معتمدة في ما تحتاجه من الطاقة على تلك الطاقة المحدودة الناتجة عن إشعال الخشب القديم، ومتخلية في الوقت ذاته عن كل الصور الأخرى من صور الطاقة بما فيها الكهرباء.

وقل مثل هذا في كثير من التوجهات والتهويمات التي تطالعنا بها أبواق الانقلابيين صباح مساء في كل ما يعرض لهم من مستجدات أو أحلام.

وقد وصلت في ضرب الأمثلة على هذه الفكرة إلى أن سألت كثيرين عن إمكانية القيام بالطواف حول الكعبة في الحرم المكي من خلال الاتجاه المعاكس لاتجاه الطواف الحالي، فلم يجرؤ أحد على القول بإمكان ذلك على الرغم من أن التسمية الفيزيقية -المعروف سببها- لاتجاه الطواف الحالي أنه عكس عقارب الساعة، وعلى الرغم من أن هناك من العلماء من قال إن الطواف يمكن أن يكون في الاتجاه المعاكس.

ومع احترامنا لهذين القولين فإننا لا نستطيع أن نتصور الانقلاب قد استدعته حاجة ملحة أو أنه قد استقر لمجرد أن بعض القوى الوطنية لم تتحمل وجود رئيس منتخب، فذهبت إلى من يملكون تحريك الدبابة، وسألتهم أن ينقلبوا، فقال زعيم من هؤلاء الذين يحركون الدبابات بحكم وظيفتهم ساعدوني على الخروج إلى الشارع وأنا بعد ذلك أتحرك إليه، فقد كان التحركان آثمين، وإن كان الأول يمكن -مع التحفظ- وصفه بأنه جائز بحكم الديمقراطية التي تحتمل مثله، لكن الثاني لا يعدو أن يكون أمرا من الأمور المجرمة بحكم العسكرية التي من المعلوم أنها لا تسمح بمثله.

ومع هذا يظن كثير من محبي اللغط والجدل والتدليس أن الأمر الشاذ يمكن أن يوصف بالطبيعي، إذا ما اجتمع على هذا الوصف عدد كبير ببطاقات مدفوعة الأجر مسبقا، ولو كان الأمر كذلك ما احتاجت البشرية إلى أنبياء ولا إلى رسل ولا إلى مفكرين، ولكفاها صحفي انقلابي واحد يتصور أنه سيعيش ألف عام ولن يموت.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك