محمد المنشاوي

محمد المنشاوي

خبير بمعهد الشرق الأوسط في العاصمة الأميركية



توقيت الزيارة
هل اهتزت ثوابت العلاقات؟
توازنات ومصالح

تجيء زيارة الرئيس الأميركي للمملكة السعودية قبيل الذكرى الثانية عشرة لتقديم ولي العهد السعودي حينذاك والملك الحالي عبد الله بن عبد العزير مبادرة السلام العربية التي أعلن عنها خلال مؤتمر للقمة العربية عقد في العاصمة اللبنانية يوم 28 مارس/آذار 2002.

وشهدت طبيعة علاقات الدولتين بين عامي 2002 و2014 تغيرات كبيرة نتجت بالدرجة الأولى عن تغير البيئة الإقليمية والدولية بصورة دراماتيكية لم تقدر معها الشراكة السعودية الأميركية على امتصاص حجم الخلافات وتناقضات الرؤى والمصالح والأهداف.

تمر العلاقات بين واشنطن والرياض اليوم بأدق مراحلها منذ وقوع أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي شارك فيها 15 شابا سعوديا.

ورغم نجاح الدولتين في احتواء تبعات هذه الأزمة التي اهتزت معها مكانة وسمعة المملكة العربية السعودية في الأوساط الأميركية المختلفة، فإن صورة السعودية ما زالت غير جيدة في الداخل الأميركي.

رغم نجاح الدولتين في احتواء تبعات هذه الأزمة التي اهتزت معها مكانة وسمعة المملكة العربية السعودية في الأوساط الأميركية المختلفة، فإن صورة السعودية ما زالت غير جيدة في الداخل الأميركي

ورغم الاستثمار السعودي الكبير في الداخل الأميركي، والذي وصل معه عدد الطلبة السعوديين الدارسين في الجامعات الأميركية لما يزيد عن 70 ألف طالب وطالبة، فإن الصورة الذهنية الأميركية عن السعودية ما زالت شديدة السلبية.

وبلغت نسبة المواطنين الأميركيين ممن لديهم نظرة إيجابية تجاه السعودية 35% فقط، في حين بلغت نسبة من لديهم نظرة سلبية 65% طبقا لاستطلاع للرأي أجرته العام الماضي مؤسسة جالوب.

توقيت الزيارة
قبل أن ينتهي عام 2013، وفي خطوة مفاجأة وغير مسبوقة رفضت السعودية مقعدها غير الدائم في مجلس الأمن، فيما بدا وكأنه موقف احتجاجي ليس فقط على ما ذكره البيان الرسمي للخارجية السعودية من أن "أسلوب وآليات العمل وازدواجية المعايير الحالية في مجلس الأمن تحول دون قيام المجلس بأداء واجباته وتحمُّل مسؤولياته تجاه حفظ الأمن والسلم العالميَين على النحو المطلوب، الأمر الذي أدى إلى استمرار اضطراب الأمن والسلم، واتساع رقعة مظالم الشعوب، واغتصاب الحقوق، وانتشار النزاعات والحروب في أنحاء العالم".

ورأى عدد من المحليين الخطوة السعودية بوصفها موقفا احتجاجيا ضد المواقف الأميركية التي أغضبت الرياض في ملفات هامة مثل إيران وسوريا وقبلهما مصر.

والتقارب الأميركي الإيراني، الذي أخذ طريق بدء مفاوضات جادة بشأن الملف النووي الإيراني التي يمكن معها أن تنتهي الأزمة التاريخية بين واشنطن ونظام الحكم الإيراني، قد أغضب السعودية كثيرا.

وتجدد الحديث عن تدهور في العلاقات الأميركية السعودية بعد توقيع الولايات المتحدة والدول الخمس الكبرى اتفاقا مع إيران بشأن برنامجها النووي في جنيف. وعبر كثير من الأكاديميين والصحفيين السعوديين عن غضب بلادهم من التقارب الأميركي الإيراني، وعبرت كذلك عن إحساس سعودي من خذلان الرئيس أوباما لأبرز حليف له في المنطقة بعد إسرائيل.

وارتبط الغضب من علاقات واشنطن بطهران بغضب أكبر من انتقاد الإدارة الأميركية المتكرر للحكومة البحرينية لما تقوم به ضد الانتفاضة الشعبية الشيعية.

وقبل ذلك مثل الموقف الأميركي من الأزمة السورية سببا آخر لإغضاب الحكومة السعودية من قبل الإدارة الأميركية بسبب اختلاف الآراء بشأن كيفية التعامل مع نظام بشار الأسد، خاصة بعد رفض واشنطن استخدام القوة في ضوء أنباء عن استخدام النظام السوري أسلحة كيميائية ضد معارضيه.

واستدعى ذلك أن يهاجم تركي الفيصل رئيس المخابرات السعودي الأسبق، والأخ الأصغر لوزير الخارجية الحالي سعود الفيصل، الرئيس باراك أوباما لأن الرئيس الأميركي اعتبر استخدام نظام بشار الأسد في سوريا للأسلحة الكيميائية "خطا أحمر"، ومن ثم عجز عن التصرف حيال ذلك.

وذكر تركي في حوار نشر منذ أسبوعين مع صحيفة فايننشال تايمز البريطانية "أن الخط تحول فيما بعد إلى اللون الوردي وفى نهاية المطاف إلى الأبيض".

وأضاف تركي الآن "إذا كنت ستضع حدا من نوع الخط الأحمر، فعليك التصرف بناء على ذلك. وهذا ما يتقنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كثيرا، فأنت لا تسمعه يحدث زئيرا، أو يتفاخر، أو أي شيء من هذا القبيل".

مع مطالبة واشنطن بحل سياسي يشمل الجميع في مصر، وبحل معضلة المستقبل السياسي للإخوان، اتخذت الرياض قرارا هاما باعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وهو ما سيعقد الملف المصري
وعلى النقيض من موقف الفيصل، يرى نائب مستشار الأمن القومي الأميركي لشؤون الاتصالات الإستراتيجية بن رودس أن اجتماع أوباما مع العاهل السعودي يمثل "فرصة مهمة للاستثمار في إحدى أهم علاقاتنا في منطقة الشرق الأوسط وبالتأكيد في منطقة الخليج، لمناقشة جدول أعمال واسع جدا يتعلق بدعمنا المستمر لأمن الخليج ودعمنا للمعارضة السورية الذي كان لدينا تنسيق كبير بشأنه مع السعوديين".

وبسبب محورية مصر للسعودية، أصبح الشأن المصري ذا أهمية كبيرة لعلاقات الرياض بأميركا. ولهذا السبب تحديدا زاد ارتباك إدارة أوباما أثناء ثورة 25 يناير مع تواصل تلقي مكالمات من ملك السعودية عبد الله بن عبد العزيز الذي أكد لأوباما ضرورة الوقوف بجانب الرئيس مبارك، وذلك خوفا من تأثير ما تشهده ميادين مصر على المملكة واحتمال انتقال العدوى للرياض.

وصدمت الأسرة المالكة السعودية لاضطرار الرئيس الأسبق مبارك للتنحي عن الحكم، وألقت باللوم جزئيا على ما اعتقدت أنه تخلي أميركا وإدارة أوباما عن الحليف المصري المهم.

وصدمت الحكومة السعودية ثانية من عدم دعم إدارة الرئيس أوباما العلنية لتدخل الجيش وإزاحة الرئيس محمد مرسي، التي على أثرها اهتزت علاقات الجيشين الأكثر أهمية للسعودية.

لذا تستخدم الرياض كل مواردها في العاصمة الأميركية وخارجها لإعادة خصوصية العلاقات بين المؤسستين العسكريتين الأميركية والمصرية لما يمثله هذا من ضمان لمصالحها الإقليمية الواسعة.

خلال السنوات الثلاث الماضية كان الشأن المصري الداخلي حاضرا في جدول أعمال كل لقاءات المسؤولين السعوديين بنظرائهم الأميركيين، إلا أن تلك اللقاءات أصبحت لها ديناميكية مختلفة بعد إطاحة الجيش بالرئيس محمد مرسي في الثالث من يوليو/تموز الماضي.

وتعهدت الرياض بسد أي نقص نتيجة وقف المساعدات الأميركية لمصر، وهو ما حدث إذ أوقف أوباما معظم المساعدات العسكرية للجيش المصري عقب استخدام العنف لفض اعتصامات جماعة الإخوان في ميداني النهضة ورابعة العدوية.

ومع مطالبة واشنطن بحل سياسي يشمل الجميع في الداخل المصري، ويحل معضلة المستقبل السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، اتخذت الرياض قرارا هاما باعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية في الأسبوع الأول من شهر مارس/آذار الجاري، وهو ما يزيد من تعقيد الملف المصري.

هل اهتزت ثوابت العلاقات؟
للولايات المتحدة وجود عسكري يشمل ما يزيد على 35 ألف جندي من القوات البرية والجوية والبحرية في أكثر من 12 قاعدة عسكرية في الخليج وحوله بما فيها المملكة السعودية.

ونشرت واشنطن هناك أحدث نظم الأسلحة الأميركية تطورا، بما فيها من طائرات، وأنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، ونظم الدفاع الصاروخي.

وتعتمد العقيدة العسكرية السعودية على علاقة خاصة جدا مع واشنطن، كما أسس لها في اجتماع شهدته الأراضي المصرية أثناء الحرب العالمية الثانية.

ففي فبراير/شباط 1945 اجتمع ملك السعودية حينذاك عبد العزيز مع الرئيس الأميركي روزفلت على ظهر المدمرة الأميركية كوينسي أثناء مرورها بقناة السويس.

وتم في اللقاء إرساء قواعد خاصة بالعلاقات بين الدولتين، تقوم على تأمين المصالح النفطية للولايات المتحدة في المملكة السعودية مقابل علاقة تحالف تؤمن العائلة الحاكمة السعودية من أي مخاطر إقليمية.

وسمح للطائرات العسكرية الأميركية بالمرور في الأجواء السعودية، واستخدام مطار الظهران، إضافة لوجود عسكري أميركي يشمل قاعدة لإطلاق طائرات من دون طيار تنفذ هجمات كلما اقتضت الضرورة داخل اليمن.

رأى البعض أن السعودية توجه رسالة إلى الإدارة الأميركية من خلال البحث عن بدائل من بين القوى الدولية المؤثرة. إلا أن طبيعة وتشابك المصالح الأميركية السعودية لا يسمح بتغير توازن تحالفهما في أي وقت قريب

ولا يزال النفط يمثل أهمية كبيرة في علاقات الدولتين رغم ما تثيره بعض التقارير لوكالة الطاقة الدولية التي تتوقع أن تتفوق الولايات المتحدة على السعودية وروسيا لتصبح أكبر منتج للنفط في العالم في 2015، وهو ما يثير الجدل مجددا بشأن استغناء واشنطن عن النفط السعودي، واقترابها من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة.

توازنات ومصالح
في النهاية، قد انتهت منذ أيام جولة ولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبد العزير لعدة دول في شرق آسيا من بينها الصين.

البعض رأى أن السعودية توجه رسالة إلى الإدارة الأميركية من خلال البحث عن بدائل من بين القوى الدولية المؤثرة. إلا أن طبيعة وتشابك المصالح الأميركية السعودية لا يسمح بتغير توازن تحالفهما في أي وقت قريب.

لا أحد يتوقع انهيار العلاقة الخاصة بين ساكن البيت الأبيض مع من يشغل رأس الأسرة الحاكمة في الرياض، فقد تشكلت إستراتيجية ومصالح مشتركة على مدار أكثر من نصف قرن أحد أركان السياسة الأميركية في المنطقة.

وما تشهده علاقات الدولتين يعبر عن تناقض في الرؤى واهتزاز، إلا أنه لا يعبر عن كسر في علاقات التحالف. وستكون الزيارة اختبارا هاما للرئيس الأميركي أوباما الذي سيحاول أن يمتص الغضب السعودي بعد إظهاره استعدادا للمجازفة بتوتر العلاقات مع أحد أهم حلفاء واشنطن في المنطقة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك