منى عبد الفتاح

منى عبد الفتاح

كاتبة وصحفية سودانية



علاقات هشة
موسيفيني وعهود الحرب
مغبة الوقوف مع سلفاكير

في خضم رحلة طويلة من الصراع قطعها السودان مع دولة جنوب السودان للوصول إلى اتفاق تعاون وسلام ناجز بين البلدين، تدخلت أوغندا بعتادها العسكري في دولة الجنوب محدثة ربكة في الحسابات السياسية، وغير حاسمة للصراع العسكري والقبلي الدائر هناك.

لم يكن تدخل القوات الأوغندية في جنوب السودان وحده هو ما أجج مشاعر الحرب القديمة، خاصة وأنّ تطور الصراعات بين البلدين لم يسترخ يوما، بل أخذ بهذا الموقف الأخير (التدخل) منعطفا مهما بالنظر إلى كيان دولة جنوب السودان وسيادتها ومكانتها الإقليمية وتشعب علاقاتها وخطورة ممارساتها على أمن مواطنيها وأمن السودان الشمالي.

علاقات هشة
منذ خمسينيات القرن الماضي والعلاقات السودانية الأوغندية تتراوح بين مد وجزر. ومنذ الثمانينيات من نفس القرن كانت أوغندا تدعم الزعيم الراحل للحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق ضد الجيش السوداني، واستمر هذا العداء بعد انقلاب يوري موسيفيني على سلفه نيتو أوكلو في 1987 واستيلائه على الحكم ليبلغ العداء أوجهه في عام 1995 حيث تم قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

كان منطلق موسيفيني المعلن لدعم الجيش الشعبي لتحرير السودان هو تحرير السودان من الاستعمار العربي، بالإضافة إلى اتهامه الخرطوم بدعم جيش الرب المتمرد على نظامه بقيادة الجنرال جوزيف كوني

كان منطلق موسيفيني المعلن لدعم الجيش الشعبي لتحرير السودان بغرض تحرير السودان من الاستعمار العربي، بالإضافة إلى اتهامه الخرطوم بدعم جيش الرب المتمرد على نظامه بقيادة الجنرال جوزيف كوني.

دعم ذلك التوتر في العلاقات، لعوامل داخلية وإقليمية ودولية، فإن نوعا من التقارب تم بالتوقيع على الاتفاقية الأمنية بوساطة أميركية عام 1999، وهي التي قضت بعدم دعم أي من البلدين للمعارضة المسلحة في البلد الآخر.

ثم شهدت العلاقات بين البلدين تقاربا متزايدا، ظهر بوضوح خلال قمة الإيغاد التي عقدت بالخرطوم عام 2001، وتم بعدها تبادل الدبلوماسيين، كما اتفقا في القمة على مزيد من دعم العلاقات الثنائية بينهما.

كان تقارب البلدين في تلك الفترة محكوما بعدة عوامل، بالنسبة للسودان فقد أهدته ظروف أوغندا فرصة للخروج من حالة العزلة الإقليمية والدولية المفروضة بفعل العقوبات الأميركية.

وعلى الرغم من وجود بعض العوامل المحفزة للصدام، فقد كان تحسين علاقاته مع أوغندا مواصلة لمساعيه التي بدأها بكسر حالة العزلة هذه وذلك بتحسين علاقاته مع العديد من الدول الإقليمية مثل إريتريا وإثيوبيا والكونغو ومصر.

أما أوغندا ففي الوقت الذي تعاني فيه داخليا من مواجهة ثلاث حركات متمردة، تجد نفسها متورطة في حروب إقليمية مع ست دول أفريقية منذ العام 1998، مما أدى إلى تدهور الأحوال الاقتصادية وانعدام الأمن للدرجة التي خشي فيها النظام الأوغندي تحالف القوات الكونغولية عبر الحدود مع القوات المتمردة الداخلية، فلم يكن له من خيار غير عقد هدنة مع السودان.

ولم يكتمل احتفاء الخرطوم بعودة العلاقات وتأسيس لجنة سياسية مشتركة لحل الخلافات وإزالة التوترات بين البلدين. فقد شهد عام 2010 تصاعد الخلافات بين السودان وأوغندا.

فبالإضافة لتجديد أوغندا اتهامها للسودان بدعم جيش الرب، ازدادت التعقيدات الخاصة بقضية مياه النيل وذلك بإقامة مؤتمر لمياه النيل بأوغندا حيث تم توقيع اتفاق عنتيبي ولم يكن السودان طرفا فيه لعدم اعترافه بالاتفاقية.

ثم جاء في نفس العام مؤتمر مراجعة المحكمة الجنائية الدولية في قرارها القاضي بالقبض على الرئيس السوداني عمر البشير والذي تم عقده في كمبالا.

وشهدت كمبالا أيضا البيان الذي أصدرته الحكومة الأوغندية والذي ينص على عدم دعوة الرئيس السوداني عمر البشير لحضور مؤتمر القمة الأفريقية هناك.

وإن كان العامل الأكبر في تأزم العلاقات بين البلدين على مدى العقود الماضية هو دعم البلدين للمعارضة المسلحة على الحدود بينهما، فإنّ معارضي البلدين يقفان على أرضيات وتوجهات مختلفة لنظاميهما بدرجة تقرّب معارضة نظام الخرطوم إلى النظام الأوغندي والعكس.

كما أنّ السودان في تلك الفترة كسب عداوات وخلافات مع كثير من الدول المكونة لمحيطه الإقليمي، فأصبح بعيدا عن أي دعم إقليمي يمكن أن يؤثر على طبيعة الخلاف أو يردم الهوة بين البلدين.

ودوليا فقد ألقى الصراع الأميركي الفرنسي في منطقة البحيرات العظمى بظلاله السالبة على علاقات البلدين المتوترة أصلا.

ولكن ازدادت هذه الحلقات ضيقا في عهد الحكومة الحالية لأنّ عدة أشياء تداخلت فدعمت من تحكم المصالح فيها. وسرعان ما قامت أوغندا باحتضان الحركات المتمردة في دارفور مع قوى المعارضة في التوقيع على وثيقة تم التعارف عليها بوثيقة كمبالا أو "الفجر الجديد" في يناير/كانون الثاني 2013.

موسيفيني وعهود الحرب
برّر الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني تدخل قواته منذ 15 ديسمبر/كانون الأول 2013 بعد اشتعال المعارك بين الجيش الشعبي ومتمردي حكومة الجنوب بأنها بغرض إخلاء حوالي 200 ألف من المواطنين الأوغنديين.

أما السبب الآخر فهو مساعدة رئيس جنوب السودان سلفاكير في تأمين بلاده ضد ضربات المتمردين بقيادة رياك مشار، الذي يتردد في الأوساط الأوغندية أنه تربطه صلة وشيجة بزعيم متمري جيش الرب جوزيف كوني، كما تربطه علاقة جيدة بالرئيس السوداني عمر البشير.

ما زالت القوات الأوغندية تحول دون وصول الرئيس سلفاكير إلى تسوية سلمية مع المتمردين على حكومته الذين يرون أن ما يتم بين سلفاكير وأوغندا من تعاون لا يخص جنوب السودان وإنما يخص ذاته فقط

ولهذا يُشكّل بقاء رياك مشار في منصب نائب الرئيس ومنافسته على كرسي الحكم مع سلفاكير في الانتخابات القادمة خطرا على أوغندا وأيضا على الرئيس سلفاكير.

وبعد اعتراف الرئيس الأوغندي بذلك، وإعلانه مقتل جنود أوغنديين كانوا يقاتلون إلى جانب جيش جنوب السودان، كان لزاما على الرئيس الجنوبي سلفاكير أن يعترف هو أيضا باستعانته بالقوات الأوغندية حتى لو حمل متمرديه مسؤولية القسم الأكبر من تجدد الصراع والاقتتال.

وما زالت القوات الأوغندية تحول دون وصول الرئيس سلفاكير إلى تسوية سلمية مع المتمردين على حكومته الذين يرون أن ما يتم بين رئيس بلادهم وأوغندا من تعاون لا يخص جنوب السودان وإنما يخص الرئيس الجنوبي وحده الذي فقد شرعيته بإدخاله قوات أجنبية لإبادة شعبه.

لم ينس الرئيس الأوغندي كذلك أن يعدد بنود أفضاله القديمة من دعم قدمه للحركة الشعبية لتحرير السودان والرئيس سلفاكير أحد قادتها، واستعانة جنوب السودان بالمنهج الأوغندي للتدريس حتى لا يقع الجنوب فريسة للثقافة الشمالية، واستعانته بالعمالة الأوغندية للبناء وأعمال المنشآت.

وما انتظره موسيفيني نظير ما حققه من نصر مزعوم تكلّل على أشلاء المواطنين الجنوبيين في بوابات مدن بور وياي ونيمولي، لم يتوقع أن يقابله سلفاكير بخطوة نحو اجتماع قمة الإيغاد التي كان من المفترض عقدها يوم 23 يناير/كانون الثاني بأديس أبابا.

وهذه القمة الخاصة بانسحاب القوات الأوغندية من دولة الجنوب، استدعتها ضرورة فصل الرئيس سلفاكير بين رد الجميل وسيادة الدولة ومسحتها لمحة عتاب من الرئيس موسيفيني.

ليس بغريب على الرئيس الأوغندي موسيفيني الذي أثار حروبا عديدة من قبل في الصومال، وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى ورواندا، أن يدخل بعتاده الحربي إلى حرم دولة أخرى داكًا ولاياتها الواحدة تلو الأخرى.

ولكن الغريب أن يقف رغم هذا التدخل ويُلقي باللوم على زعيم المتمردين رياك مشار لتحويله الخلاف السياسي إلى مواجهة عسكرية، وليس مشار بأقل تعنتا وهو الذي وضع عقدة انسحاب الجيش الأوغندي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين في منشار سلفاكير الرافض، كأحد الشروط للموافقة على وقف إطلاق النار.

مغبة الوقوف مع سلفاكير
رغم احتضان أوغندا لمتمردي دارفور والمعارضة السودانية، فإنّ الحكومة السودانية تسعى إلى اتخاذ مذهب تصالحي معها من خلال خارجيتها التي ظهر عليها مؤخرا ضعف الأداء والرؤية الثاقبة لحقائق الأشياء.

هذه المصالحة لا تخرج عن إطار تأييدها لسلفاكير، رغم تقليلها من الانتقادات الموجهة لها بهذا الشأن.
هناك إستراتيجية مرسومة تتحرك وفقها أوغندا لا تغلّب فيها غير مصلحتها السياسية والاقتصادية، وإن كان السودان يرفض من قبل تدخل أوغندا في جنوب السودان عندما كان جزءا من الدولة، فاليوم وبالتقارب المحفوف بالشك بين حكومتي الدولتين فإنّ السودان الشمالي لا يعترض بنفس حماسه القديم على وجود الجيش الأوغندي في العمق الجنوبي لدولة الجنوب.

الشيء الآخر أنّ التوغل الأوغندي قديما كان بحجة ملاحقة المتمردين من جيش الرب، وبعد أن تسلل جيش الرب إلى دارفور عبر أفريقيا الوسطى لم يبق لموسيفيني غير الاعتراف بأنّه يقف مع حليفه سلفاكير.

في ظل عدم مراعاة موسيفيني إلّا لما يرجح كفة مصالحه، فإنه لن يحسب حسابا لتأييد الحكومة السودانية أو تأييد قوات معارضتها، ولكن ما يضع موقف هاتين الجهتين في الميزان الأخلاقي هو علاقة أي منهما بأوغندا المعروف عنها تجاوزاتها في مسائل حقوق الإنسان وتجنيد الأطفال والمشاركة عنوة في صراع حكومة الجنوب ضد المتمردين بعيدا عن أي مظلة إقليمية أو دولية.

كل هذه الأمور تضع الحكومة السودانية إن فكرت في تطبيع علاقاتها مع أوغندا إكراما لحليف الظل سلفاكير، في مغبة الخيارات الإستراتيجية.

كما تضع المعارضة السودانية إن هي ما زالت تنوي البقاء في أحضان أوغندا، في مأزق خيارات سياسية كان لا بد أن يتوفر معها المقوم الأخلاقي المفضي إلى كينونة ديمقراطية وحرية تنادي بها هذه القوى.

ترى الحكومة السودانية على لسان وزير الإعلام أحمد بلال أنّ أوغندا تريد تحقيق هدفها المتمثل في مرور نفط الجنوب عبر أراضيها دون أراضي السودان.

وفي الاعتقاد العام الرسمي أنّ هذا هو ما جعل أوغندا تقبل بالعرض الأميركي الذي اقترح تكوين أوغندا لاتحاد كونفدرالي مع دولة جنوب السودان بعد الانفصال والدمج بين قبائل التداخل الحدودي.

التوغل الأوغندي قديما كان بحجة ملاحقة المتمردين من جيش الرب، وبعد أن تسلل جيش الرب إلى دارفور عبر أفريقيا الوسطى لم يبق لموسيفيني غير الاعتراف بأنّه يقف مع حليفه سلفاكير
ولذا تحمست أوغندا إلى تقرير مصير الجنوبيين لما سيوفره لها وجود دولة جديدة حليفة من مكاسب على الأرض وفي الفضاء السياسي.

ووافق هذا هوى عند الجنوبيين، فأخذوا يتجهون نحو بناء علاقات متينة مع دول الجوار الأفريقي خاصة أوغندا رغبة في فك الارتباط بأي صلة تربطهم بالشمال، ولكن حكومة الجنوب رفضت عرض الاتحاد الكونفدرالي مع أوغندا بحجة أنّ شعب الجنوب رفض الارتباط بالشمال رغم المصالح التاريخية، وذلك ليحقق لنفسه دولة خاصة به.

تعاطف الخرطوم الآني مع سلفاكير المستمسك بأكثر الأطراف عداوة لحكومة الخرطوم قد يكون مغبة، ففي ظل الوجود الأوغندي في دولة جنوب السودان، والدعم اللوجستي الذي تقدمه له، وفي ظل تأييد بعض الحركات الدارفورية المسلحة، يصعب أن تتفق معها الخرطوم أو تتخذ وجهة نظر مغايرة معلنة.
كان من الممكن أن تحول دولة جنوب السودان بين أوغندا ودولة السودان وتدرأ كحاجز جغرافي كثيرا من التأزم في العلاقات بين البلدين. لكن ورغم الانفصال فإنه ما زال ما تتعرض له دولة جنوب السودان من مخاطر تشتكي منه سائر دولة السودان الشمالي.

هذه الرحلة المضنية التي قطعها السودان في صراعه مع جنوبه تحت ظلال أوغندا، وبعد فوضى مدمرة عصفت بذاك الجزء من الوطن، تقودنا إلى نتيجة ماثلة أمامنا.

هذه النتيجة تنطلق من رؤية مفادها أنّ دعائم الأمن التي لم تستطع دولة جنوب السودان بسطها على أرضها، وهي غير المنفصلة عن البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لا تهيئها لحماية أراض أخرى حتى لو جرت خطوط نفطها شمالا بمحاذاة النيل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك