أسامة الترابي

أسامة الترابي

إعلامي وأكاديمي متخصص في الشؤون الأوكرانية



التخلي عن الردع
مأساة السكان الأصليين
التاريخ يعيد نفسه
من سلّم القرم؟
المصالح الغربية

إن الصراع على أوكرانيا عموما وشبه جزيرة القرم على وجه الخصوص لم يكن وليد اللحظة, بل جاء نتيجة تراكمات تاريخية، حيث كانت أوكرانيا قديما وحديثا حلبة لصراع الأنداد وتصفية الحسابات، فروسيا وليتوانيا وبولندا, إضافة إلى النمسا وتركيا احتلت أجزاء من أوكرانيا في فترات تاريخية مختلفة، ترتب على ذلك حقيقة مفادها أن المصير الأوكراني عبر التاريخ لم يكن بأيدي أبنائها, بل كان بأيدي لاعبين من خارجها.

وإذا كان هذا الواقع تشكل وترسخ عبر عدة قرون فمن الطبيعي ألا نتوقع له تغييرا خلال 23 عاما من حقبة الاستقلال.

التخلي عن الردع
بامتلاكها 176 صاروخا بالستيا عابرا للقارات, وقرابة ثلاثة آلاف وحدة من الأسلحة النووية التكتيكية وجيشا قوامه سبعمائة ألف فرد استقلت أوكرانيا عام 1991 كثالث دولة نووية في العالم.
يزعم بوتين أن اضطهادا إثنيا ولغويا وقع على القومية الروسية في الشرق والجنوب الأوكراني,  وهي الذريعة ذاتها التي برر بها هتلر غزو تشيكوسلوفاكيا  عام 1938, لحماية الأقلية الألمانية من الاضطهاد

تخلت أوكرانيا طواعية عن ترسانتها النووية نتيجة مباحثات مضنية مع الولايات المتحدة بقيادة بيل كلنتون, أفضت إلى توقيع مذكرة تفاهم في بودابست (1994)، أعطيت بموجبها أوكرانيا ضمانات بوحدة وسلامة أراضيها مقابل تخليها عن أسلحة الردع النووي، ووقعت على المذكرة
كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا, ثم انضمت إليها فرنسا والصين لاحقا.

ويزعم بوتين أن اضطهادا إثنيا ولغويا وقع على القومية الروسية في الشرق والجنوب الأوكراني -بما في ذلك شبه جزيرة القرم- وهي الذريعة ذاتها التي برر بها أدولف هتلر غزو تشيكوسلوفاكيا عام 1938, لحماية الأقلية الألمانية من الاضطهاد.

مأساة السكان الأصليين
وكان الأولى بروسيا أن تعتذر للسكان الأصليين -تتار القرم المسلمين- على تهجيرهم القسري إلى آسيا الوسطى في مايو/أيار عام 1944, في واحدة من أكبر جرائم الحرب التي يندى لها جبين التاريخ وتؤرق الضمير الإنساني الحي، أكثر من نصف مليون تتري هُجِّروا قسريا ولم يسمح لهم بالعودة إلا بعد تبني غورباتشوف سياسية "غلاسنوست" عام 1988.

استحضرنا هذه المأساة الأسيفة الأليمة لننتهي منها إلى حقيقة أن العلاقة بين تتار القرم والأوكرانيين في تاريخها الحديث ليست عدائية، يدل على ذلك تخندق مجلس التتار القومي إلى جانب الأحزاب الأوكرانية الداعية للتكامل الأوروبي والنأي بأوكرانيا عن الدوران في الفلك الروسي.

ما حدث للتتار من تهجير تتحمل وزره روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي، ورغم ذلك يؤخذ على الحكومات الأوكرانية المركزية المتعاقبة منذ الاستقلال أنها لم تتبنَ قضية إنصاف التتار وتسهيل عودتهم إلى موطنهم الأصلي، بل ربما تواطأت أحيانا مع حكومة جمهورية القرم -التي تتحكم فيها الإثنية الروسية- على وضع العقبات في طريق عودتهم.

ساعد على ذلك أن دول مهجرهم في آسيا الوسطى سنت قوانين -بتواطؤ مع روسيا- عقّدت عودتهم إلى أوكرانيا وجعلتها شبه مستحيلة.

فوتت الحكومات الأوكرانية على نفسها إعادة توطين سبعمائة ألف من التتار المسلمين المهجرين كان من الممكن أن يغيروا كثيرا في التوازن الإثني اليوم، لكن ها هي نار الظلم التي اكتوى بها تتار القرم تحرق أوكرانيا نفسها.

دخل الإقليم الاستفتاء بتركيبة إثنية يمثل الروس الموالون لموسكو 58%، والأوكرانيون 24% والتتار المسلمون الموالون للحكومة الأوكرانية 12%, وهو رقم صغير لا يغير في موازين المعادلة الاستفتائية شيئا.

واليوم عاد البرلمان الأوكراني ليغسل عن نفسه بعض العار بإجازته قانونا يعرّف التتار ضمن السكان الأصليين لشبه جزيرة القرم.

واقترح بعض النواب ترشيح المناضل التتري مصطفى جميلوف -الذي سجن سياسيا إبان الحقبة السوفياتية مع المناضل الحقوقي الراحل أندريه ساخوروف- لجائزة نوبل للسلام، وهي خطوات موفقة إلا أنها جاءت متأخرة جدا, لكنْ عزاؤها في المثل الروسي القائل "أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا".

التاريخ يعيد نفسه
اعترف المجتمع الدولي في تسعينيات القرن الماضي باستمرارية الدولة الروسية وفق أحكام القانون الدولي، بمعنى أن روسيا القيصرية والاتحاد السوفياتي وجمهورية روسيا الفدرالية السوفياتية كلها دولة واحدة مستمرة في التواجد عبر التاريخ.

يدور همس في كييف بأن الأوروبيين اشترطوا في اتفاق سري مع الحكومة الجديدة تفادي الاقتتال وإن كان الثمن ضياع القرم مؤقتا مقابل التوقيع على القسم السياسي من اتفاقية التعاون

وعلى هذا الأساس استمرت روسيا عضوا دائما في مجلس الأمن متمتعة بحق النقض, خلافا لأوكرانيا وبيلاروسيا.

هذا التأطير القانوني ينتهي بنا إلى حقيقة أن روسيا -متمثلة في الاتحاد السوفياتي- عقدت معاهدات تعاون مع كل من إستونيا ولاتفيا وليتوانيا خريف عام 1939, رابطت بموجبها القوات العسكرية السوفياتية في أراضي جمهوريات البلطيق وبنت قواعدها، إلا أن روسيا ضربت بالمعاهدات عرض الحائط ووجهت في 17 يونيو/حزيران عام 1940 الإنذار الأخير لدول البلطيق وطالبتها بإقالة الحكومات غير الصديقة للاتحاد السوفياتي والموافقة على إدخال التشكيلات الإضافية إلى القوات السوفياتية إلى أراضيها.

جرت الانتخابات البرلمانية في منتصف يوليو/تموز من عام 1940 في كل من إستونيا ولاتفيا وليتوانيا, ثم وجهت البرلمانات الجديدة في تلك الدول طلبا بالانضمام إلى الاتحاد السوفياتي.

وفي أغسطس/آب عام 1940 تم تشكيل جمهوريات سوفياتية اشتراكية في ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا كأجزاء من الاتحاد السوفياتي.

ظلت الولايات المتحدة وحلفاؤها لا يعترفون بالوضع الجديد لأكثر من أربعين عاما, ومع ذلك لم تستقل دول البلطيق إلا بتفكك الاتحاد السوفياتي.

بعد أكثر من سبعين عاما تعيد روسيا السيناريو نفسه، استغلت قاعدتها العسكرية في مدينة سيفاستوبول لإدخال القوات الغازية, وبقوة السلاح فرضت على برلمان جمهورية القرم تغيير الحكومة وإعلان الاستفتاء على الانضمام لروسيا.

في اليوم التالي لظهور نتائج الاستفتاء سارعت روسيا بضم الإقليم ومدينة سيفاستوبول.

على الرغم من أن الولايات المتحدة وحلفاءها أعلنوا عدم اعترافهم بكل ما جرى فإن من المرجح 
بقاء الإقليم لعدة سنوات ضمن المكونات الفدرالية لروسيا الاتحادية، حتى أن الرئيس الأوكراني الأول ليونيد كرافتشوك توقع عودة الإقليم إلى أوكرانيا مع تفكك روسيا, مثلما استقلت جمهوريات البلطيق مع تفكك الاتحاد السوفياتي.

من سلّم القرم؟
إذا كانت قناعة النخب الأوكرانية على النحو الذي صرح به الرئيس الأسبق كرافتشوك, فكيف تم تسليم الإقليم دون أدنى مقاومة ولم تخرج مظاهرة واحدة في أوكرانيا, في حين تظاهر الآلاف في موسكو والمدن الروسية الأخرى ضد عدوان بلادهم.

تم الاستيلاء على القواعد العسكرية والبواخر البحرية الواحدة تلو الأخرى، وتم اختطاف بعض قادتها حتى شمل الاختطاف قائد القوات البحرية سيرغيه غايدوك.

يدور همس -هنا في كييف- بأن الأوروبيين اشترطوا في اتفاق سري مع الحكومة الجديدة تفادي الاقتتال وإن كان الثمن ضياع القرم مؤقتا مقابل التوقيع على القسم السياسي من اتفاقية التعاون، وبذلك وضعت الحكومة أمام خيار صعب, فهي لا تقوى على تبني خيار الحرب بقرار فردي.
تحدث وزير الدفاع الأسبق أناتولي غريتسينكو أنه كان بالإمكان القيام بعملية مكافحة الإرهاب في الأسبوع الأول من مارس/آذار بمحاصرة البرلمان في جمهورية القرم وتصفية المسلحين الذين استولوا عليه, والقبض على القادة السياسيين الانفصاليين.

لكن الخطة انطوت على سقوط ضحايا, مما قد يسوغ لروسيا تجريد حملة عسكرية واسعة النطاق على نحو ما فعلت في جورجيا عام 2008, وربما وصلت قواتها إلى العاصمة كييف في غضون ساعات، وقد حذر الرئيس الجورجي السابق ميخائيل سكاشفيلي من مغبة القيام بعملية كهذه.

المصالح الغربية
إذاً تحقق الهدف الأوروبي الأميركي بتوريط بوتين في القرم, مثلما تورط صدام حسين في الكويت، ومما لا شك فيه أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سيستثمران الأزمة بأقصى ما يكون, لخدمة مصالحهما وتحريك ملفاتهما الراكدة اقتصاديا وعسكريا.

من ذلك, زحزحة روسيا من موقعها المتحكم في جزء كبير من مصادر الطاقة التي تعتمد عليها أوروبا، إضافة إلى نشر منظومة الدفاع الصاروخي في كل من التشيك وبولندا, وتوسيع الناتو بضم أوكرانيا ومولدافيا وجورجيا.

أدت أزمة الغاز بين روسيا وأوكرانيا عام 2009 -والتي قطعت إمدادات الغاز عن أوروبا 19 يوما- إلى تبلور قناعة لدى الأوروبيين بضرورة تنويع مصادر الطاقة وتقليل الحصة الروسية
(29%) رغم أسعارها التنافسية.

جاءت الأزمة الراهنة لتكرس هذه القناعة وتحولها إلى إرادة سياسية تقاطعت مع مصالح اللوبي الأميركي المتحكم في قطاع النفط والغاز, والذي كان يسعى في السنوات الأخيرة إلى استصدار قرار يسمح بتصدير الغاز الأميركي الذي أُوقف بقرار سابق عام 1970.

تدور في الغرب حرب إعلامية لـ"هتلرة" بوتين وشيطنته, لزيادة اليقين لدى شعوب أوروبا الشرقية بأهمية نشر منظومة الدفاع الصاروخي في بولندا والتشيك وربما رومانيا وليتوانيا، وأهمية توسع الناتو ليشمل أوكرانيا ومولدافيا وجورجيا

وفي المحصلة يمكن التأكيد على ما يلي:

1- الحكومة الأوكرانية تعوّل على الولايات المتحدة وبريطانيا في الالتزام بتعهداتهما بوحدة الأراضي الأوكرانية.

2- من الواضح أن الأوروبيين والأميركيين غير مستعجلين في إخراج بوتين من القرم، فوجوده هناك منحهم فرصة تاريخية ومسوغا لعزله و"هتلرته" في نظر العالم، فقد صبر الحلفاء الغربيون على ضم الاتحاد السوفياتي جمهوريات البلطيق أربعين عاما، وصبرت أميركا على الإطاحة بصدام حسين 13عاما.

3- الإبقاء على بوتين فترة طويلة على سدة الحكم في روسيا يوسع من فرص عزلتها, فإضعافها, ثم تفتيتها إلى دويلات بطريقة تدريجية على غرار تفتيت الاتحاد السوفياتي.

4- بقاء القرم خارج أوكرانيا سيطيل الحرب الإعلامية على نظام بوتين، فالأزمة الراهنة لفتت انتباه أوكرانيا وحلفائها في الغرب إلى أهمية نقل الحرب الإعلامية إلى داخل روسيا، وتغيير البُنى الفكرية لمواطنيها والفصل بين بوتين والدولة الروسية.

5- تدور في أوروبا وأميركا حرب إعلامية لـ"هتلرة" بوتين وشيطنته في نظر الرأي العام, لزيادة اليقين لدى شعوب أوروبا الشرقية بأهمية نشر منظومة الدفاع الصاروخي في بولندا والتشيك وربما رومانيا وليتوانيا، وأهمية توسيع الناتو ليشمل أوكرانيا ومولدافيا وجورجيا.

6- موانئ الولايات المتحدة غير جاهزة لتصدير الغاز، كما أن الموانئ الأوروبية غير جاهزة لاستقباله, الشيء الذي سيجعل العقوبات تتنزل تدريجيا على روسيا حتى يتسنى لأوروبا التخلي التدريجي عن الاعتماد على الغاز الروسي.

7- العزلة الدولية التي دخلت فيها روسيا تضع مجموعة الـ"بريكس" على المحك، أما مجموعة الثماني فقد دُق المسمار الأخير في نعشها, كما يبدو.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك