رشيد يلوح

رشيد يلوح

رشيد يلوح



بقدر ما استقطبت العلاقة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية أنظار المهتمين منذ عقود، أتاحت أيضا للباحثين فرصا للبحث وتنويع مناهج المعالجة من العلوم السياسية إلى العلوم الاجتماعية والدراسات الثقافية.

ومن هذا المنطلق، ستبدو الخصومة بين طهران وواشنطن مجرد وجه واحد من أوجه أخرى تبقى مفترضة في العلاقة بين الطرفين، والتي منها التنافس والتوافق والانجذاب، ويمثل المستوى الأخير -والذي هو موضوع المقال- مفارقة حقيقية يمكن للمُتابع الفاحص أن يُسجلها.

فعلى عكس ما توحي به الصورة الإعلامية النمطية عن العلاقة بين الطرفين والمحصورة غالبا في التعارض الوجودي بينهما، يبدوان من زوايا أخرى متقاربان ومؤهلان مستقبلا للتوافق الشامل والإستراتيجي لحماية مصالحهما.

إن ما نقصده تحديدا بالانجذاب الإيراني نحو النموذج الأميركي هو ذلك السعي المتواصل، الخفي والظاهر، من طرف مهندسي نظام الجمهورية الإسلامية لاستيراد بعض مظاهر وتوجهات التجربة الأميركية في تدبير الحكم وإدارة القوة، وهي الفرضية التي تؤكدها ملاحظات عديدة تتصل بمنهج وسلوك النظام الإيراني بعد ثورة 1979، لا سيما في عهد حكومة الرئيس الحالي حسن روحاني.

على عكس ما توحي به الصورة النمطية عن العلاقة بين الطرفين والمحصورة غالبا في التعارض الوجودي بينهما، يبدوان من زوايا أخرى متقاربان ومؤهلان مستقبلا للتوافق الشامل والإستراتيجي لحماية مصالحهما

وفي هذا الإطار سنحاول هنا عرض وتحليل سبع ملاحظات، ثم تقديم استنتاجات وتوقعات بخصوصها، علما أنني لا أقصد المقارنة بين النموذجين في طهران وواشنطن، فكل الملاحظات المرصودة هي جزئيات يمكن فهمها في سياق ادعاء المقال.

الملاحظة الأولى: التعقيد
تتميز هيكلية نظام الحُكم في الجمهورية الإسلامية بالتعقيد والتشابك، إلى درجة يصعب معها التحديد الدقيق لمصادر بعض القرارات والسياسات، هناك توزيع دستوري مُدَبَّر بمهارة لصناعة القرار وإدارة بعض الممارسات السياسية، وهي جزئية يتميز بها النظام السياسي الأميركي، حيث تَعدُّد مراكز القوة وتَنوُّع المؤسسات الحاكمة وآليات تدبير المواقف.

والخبراء يقدرون جيدا صعوبة تتبع مسارات الأحداث وتوقع مآلاتها في النموذجين. نلاحظ هذا التعقيد في بعده الشكلي بعيدا عن مضمون النظام السياسي ومدى ديمقراطيته وعدالة اتخاذ القرار داخله. فهل جاء هذا الاختيار الإيراني بعيدا عن النموذج الأميركي أم هو استلهام له؟

الملاحظة الثانية: التناوب
يبدو تنظيم التناوب على الحكومة في طهران بين مجموعتين رئيسيتين، واحدة معتدلة ومنفتحة، والأخرى متشددة ومنغلقة انعكاسا لنموذج الحزبين الجمهوري والديمقراطي في أميركا.

إن تصور تكتل سياسي في الولايات المتحدة خارج الحزبين الرئيسيين يستوجب حدوث تحول جوهري في بنية النظام السياسي هناك، وهذا ما ينطبق أيضا على نموذج الجمهورية الإسلامية، إذ من الصعب جدا الحديث عن تكتل سياسي خارج التيارين التاريخيين: الإصلاحي والأصولي (المحافظ).

ولعل ذلك هو السبب الأهم في موت ما عرف بـ"الحركة الخضراء" سنة 2009، والتي حاولت أن تؤسّسَ لتكتل ثالث فلم تنجح في ذلك، فاضطر معظم نشطائها إلى العودة ودعم حسن روحاني في انتخابات الرئاسة 2013 والذي اختار لحكومته شعار الاعتدال.

الملاحظة الثالثة: محورية السياسة الخارجية
يعطي النظام الإيراني أهمية محورية للسياسة الخارجية، وتبعا لذلك يرتبط نجاح أي تجربة حكومية داخليا بنجاحها في السياسة الخارجية، ومقارنة التجربة السابقة لحكومة الرئيس أحمدي نجاد بتجربة خلفه الحالي حسن روحاني تؤكد بجلاء هذا الدور الحيوي للملفات الإقليمية والدولية في السياسات الداخلية.

ويكفي أن نعلم أن وزارة الخارجية استحدثت أكثر من مرة في هيكلتها إدارة للتجارة والاقتصاد وكان دورها الأساس هو تحقيق الانسجام بين السياسة الخارجية والسياسة الاقتصادية داخليا وخارجيا، ومن المرجح أن تعود هذه الإدارة في وزارة محمد جواد ظريف الحالية.

هذه الخاصية حاضرة بقوة في النظام السياسي الأميركي، إذ من الصعب جدا الفصل بين السياستين الخارجية والداخلية في الولايات المتحدة، لذلك كان نجاح الحكومة في إحداهما مرتبطا بالنجاح في الأخرى.

وقد أوجدت محورية السياسة الخارجية هناك مؤسسات وتخصصات وأعرافا قائمة على الانشغال بكل ما هو خارج حدود الولايات المتحدة، وهو ما يحدث أيضا في بلاد فارس.

الملاحظة الرابعة: النزوع الكوني
هذه الملاحظة مرتبطة بسابقتها، فالنزوع الكوني واضح في طموحات طهران الخارجية، فحدود النفوذ الإيراني اليوم لا يمكن حصرها على الخريطة السياسية الرسمية. نحن نشاهد بوضوح كيف تمدد ذلك النفوذ وتنوعت أشكاله في البحرين والسعودية والعراق ولبنان وسوريا واليمن وأفغانستان وباكستان والهند وأفريقيا.

قال قاسم سليماني قائد فيلق القدس ومهندس هذا النفوذ داخل الحرس الثوري إن الخميني قام بتأمين القومية الإيرانية عندما جعل الإسلام ظهيرا لهذه القومية، مؤسسا بذلك مرجعية سياسة واحدة تجمع التشيع والقومية الإيرانية.

وأضاف سليماني الذي كان يتحدث قبل أسابيع في اجتماع بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين للثورة، أن هذا الجمع بين عُنصُري التّشيع والقومية الإيرانية هو الذي جعل من إيران اليوم قوة إقليمية حاضرة في العراق والخليج وشرق الأبيض المتوسط واليمن.

كلام سليماني يؤكد أن التطلعات الإيرانية إلى خارج حدودها تستند بالأساس إلى شرعية أيديولوجية تقوم على موعود الحكومة العالمية للإمام المهدي المنتظر، والتي ستكون إيران قاعدتها ومنطلقها.

وبدون عناء نستطيع فهم نفس المعنى من التبشير العالمي الأميركي بمقولات وشعارات من قبيل: الديمقراطية والحرية والقيم الكونية، والتي تُمثل المنظومة المرجعية -بحسب الفهم الغربي- لحكومة عالمية مفترضة نكتشفها كلما تحركت أميركا بجيوشها أو قوتها الاقتصادية والسياسية والإعلامية لمواجهة من ترى أنه يهددها.

وهكذا جمع النزوع نحو الكونية الشمولية بين أصحاب فكرة نهاية التاريخ عند قمة العظمة الأميركية ونظرائهم أصحاب فكرة حكومة الإمام المهدي بالرواية الإيرانية.

الخطاب الإيراني الموجه للخارج يقوم عموما على اعتبار أن من لا يقف إلى جانبها فهو بالضرورة في الصف الأميركي والإسرائيلي، وهو نفس خطاب من ليس معنا فهو ضدنا الذي تبناه بوش

إن الاهتمام الشديد باللغات العالمية وبناء مؤسسات إعلامية تخاطب أكبر قدر ممكن من البشرية بلغاتها الأصلية، سياسة أميركية عريقة، وقد اعتمدتها الجمهورية الإسلامية بدورها كآلية لتحقيق تطلعاتها العالمية.

الملاحظة الخامسة: الشعور بالتفوق
الشعور بالتفوق خاصية مترسخة في الشخصية الإيرانية، نجدها سائدة بتعبيرات متعددة، لكنها تتركز في الإحساس غير الطبيعي بالتميز على باقي الشعوب، وفي مواضع كثيرة يكون التعبير عن هذا الإحساس عنصريا واضحا، لا سيما عندما يكون الطرف الآخر هو العرب الذين يفضل الجزء الأوسع من النخبة الإيرانية تسميتهم تعمدا بـ"الأعراب" بالرغم من أن اللغة الفارسية تتيح لهم اختيار مفردة "عرب" كبديل.

يُلخِّص المثل الإيراني الدارج على ألسنة الإيرانيين عامتهم وخاصتهم، والقائل: "هنر نزد ايراينان وبس"، ومعناه: "الفن يوجد لدى الإيرانيين فحسب". تلك الاستعلائية التي يَنظر بها الإيرانيون إلى من سواهم.

الثَّقافة الأميركية -وبالرغم من كل ما راكمته من تراث إنساني- ما زالت تعاني من عقدة دفينة هي عقدة "التَّفوُّق الأميركي"، وأسطورة الثقافة الأميركية المُتعالية والعابرة للثقافات.

وكما تنظر أميركا باستعلائية إلى جيرانها وشركائها الحضاريين في القارتين الأميركية والأوروبية، تنظر إيران بدورها إلى جيرانها وشركائها مثل الأفغان والطاجيك والعرب.

وإذا كانت النظرة الاستعلائية الإيرانية مفهومة بحكم جُروح التاريخ والتعطش لقيادة الإقليم، فإنها غير مفهومة -إلى حد ما- عند الولايات المتحدة التي قطعت -على الأقل- مع شركائها الأوروبيين أشواطا كبيرة في تحالفهما الحضاري والتاريخي.

الملاحظة السادسة: ازدواجية الخطاب
وعلى مستوى الخطاب السياسي الموجه للخارج يبدو المسؤول السياسي الإيراني مولعا بتقليد النبرة الأميركية في مخاطبة الآخرين، والتي تنبني على مسارين رئيسيين، هما: التبشير أو التهديد.

بالنسبة للمسار الأول، نسمع كلاما من مصادر مختلفة في احترام حسن الجوار، بينما في المسار الثاني نستطيع أن نجد مثلا تهديدات الرئيس السابق أحمدي نجاد لدول مجلس التعاون الخليجي، أو تصريحات مشابهة لقادة عسكريين.

الخطاب السياسي الإيراني الموجه للخارج يقوم عموما على اعتبار أن من لا يقف إلى جانب الجمهورية الإسلامية فهو بالضرورة في الصف الأميركي والإسرائيلي، وبالتالي فهو عدو لها. يتم استهلاك هذه الفكرة داخليا أيضا، إذ يعتبر كل فاعل سياسي إيراني معارض للنظام عميلا لأميركا وخادما للأجندة الصهيونية.

هذا الأسلوب الإيراني في مخاطبة الآخرين هو انجذاب نحو الممارسة الخطابية الأميركية، والتي تقوم على المزاوجة بين لغة التبشير ولغة التهديد.

لاحظنا ذلك في مناسبات متعددة، ولعل عبارة جورج بوش الابن الشهيرة: "من ليس معنا فهو ضدنا" تلخص بتركيز شديد هذا الخطاب، كما تلخصها عبارات: "الخطوط الحمر" و"كل الخيارات موضوعة فوق الطاولة".

الملاحظة السابعة: لغة الصور والرموز
إن الملاحظة والتحليل السيميائي للصور والرموز مهم جدا في فهم الظواهر، لذلك كان من المفيد رصد الانجذاب الإيراني نحو النموذج الأميركي على هذا المستوى، ففي عهد الرئيس الحالي حسن روحاني، ولأول مرة في تاريخ إيران السياسي يتم تعيين ناطقة باسم الخارجية، هذا الحدث يجعلنا نكتشف بسهولة بروتوكولا دبلوماسيا جديدا في طهران مستنسخا بشكل شبه كامل من النموذج الأميركي.

فالعناصر المشتركة للفضاءين البروتوكوليين اللذين تظهر فيهما المتحدثتان لمخاطبة الصحافيين، هي: خريطة العالم، اللون الأزرق، العلم الوطني الرسمي، إضافة إلى شخصية المتحدثة باسم الخارجية نفسها، وهي السيدة مرضية أفخم زاده في الفضاء الإيراني، والسيدة جين ساكي المتحدثة في الفضاء الأميركي.

وفي السياق ذاته يندرج فيلم فيديو قصير نشره الموقع الشخصي للرئيس الإيراني حسن روحاني نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2013، ويعرض أغنية دعائية للرئيس بعنوان "نوسفر" أي "المسافر الجديد"، وذلك بمناسبة إتمامه مائة يوم من عمله في الرئاسة.

والفيلم هو استنساخ كامل شكلا ومضمونا للفيلم الدعائي الذي أنتجه فريق الحملة الرئاسية للرئيس الأميركي باراك أوباما قبل فوزه بمنصب الرئاسة سنة 2008. كاتب ومخرج الفيلم الدعائي أكد بالفعل أن عمله ليس أصيلا، وذلك ردا على تساؤلات معلقين على صفحته في الفيسبوك.

التوقع
لم تمنع الخصومة المستحكمة بين إيران والولايات المتحدة وجود حالة من الانجذاب لدى النظام السياسي الإيراني نحو النموذج الأميركي، وهو ما تؤكده في اعتقادي الملاحظات السبع لهذا المقال.
بعض تلك الملاحظات مرتبط بالأيديولوجية الحاكمة، والبعض الآخر متصل بتدبير العملية السياسية داخليا، أو بالسياسة الخارجية في أبعادها السلوكية والخطابية والرمزية.

ليس مستبعدا أن يتطور هذا الانجذاب إلى حالة من الاستلاب بأميركا كمنجز مدني، ولا يعني ذلك تحول إيران إلى نسخة من أميركا، لكن قد نكون أمام نموذج إيراني أكثر انفتاحا على المعايير الثقافية والسياسية الأميركية

وقد أخذ هذا الانجذاب مسارا تصاعديا في إطار التسارع التقاربي الإيراني الأميركي غير المسبوق منذ وصول الرئيس حسن روحاني إلى كرسي الرئاسة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية صيف سنة 2013.

إن هذا الوضوح الذي طبع مسار انجذاب طهران نحو واشنطن، والسرعة التي يسير بها، يؤكدان بأن هناك احتمالات كبيرة لانعقاد تفاهم تاريخي بين الطرفين، ذلك لأن المجال الإيراني الأميركي المتقاطع اجتماعيا وثقافيا وتاريخيا سيدفع بقوة في اتجاه ذلك التفاهم.

ففي الولايات المتحدة الأميركية يقيم أكبر تجمع بشري إيراني خارج إيران، قدَّرته بعض المصادر بحوالي مليون نسمة يحتلون المقدمة بين الجاليات الأجنبية الناجحة تعليميا واقتصاديا في الولايات المتحدة.

ومن المفارقات العجيبة في هذا الصدد أن يكون عدد الحاصلين على الدكتوراه من جامعات الولايات المتحدة الأميركية في حكومة حسن روحاني أكثر من الحاصلين عليها في حكومة الرئيس باراك أوباما نفسه، وهم أكثر عددا أيضا من نظرائهم في حكومات فرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وروسيا وإسبانيا.

يدرك قادة الجمهورية الإسلامية جيدا أن النموذج الأميركي والغربي عموما مليء بعناصر القوة، لذلك فهم يسعون إلى استعارة تلك العناصر بحذر شديد وبأقل تكلفة ثقافية واجتماعية.

ومن هذا المنطلق، أظن أن حالة المد الحاصلة حاليا في العلاقات الإيرانية الأميركية ستؤثر إيجابا في تعميق الانجذاب الإيراني نحو النموذج الأميركي الذي أصبح اليوم حاضرا بنسب متفاوتة في مجالات السياسة والعلوم والثقافة داخل المجتمع الإيراني.

وليس مستبعدا أن يتطور هذا الانجذاب في العقود القادمة إلى حالة من الاستلاب بأميركا كمنجز مدني، وهذا لا يعني طبعا أن تتحول إيران إلى نسخة من الولايات المتحدة، لكن قد نكون أمام نموذج إيراني أكثر انفتاحا مع المعايير الثقافية والسياسية الأميركية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك