خالد الطراولي

خالد الطراولي

كاتب وأستاذ جامعي تونسي



البداية "الثورية"
قصة الثورة والأيديولوجيا
البعد الأخلاقي

بين المكاسب والمثالب يترنح تقييم الثورات العربية، بين منتظر ومستعجل يتشكل خطاب النخبة والعامة.

الثورات العربية مسار وعملية، لحظة صفر وزحف نحو الآفاق، جمهور طويل عريض رفع الراية عاليا ودفع الثمن باهظا من أجل أن يعيش كرامته وحقوقه بعيدا عن الفساد والإفساد والاستبداد.

انطلقت الثورات العربية كأحلام وآمال، اشتركت فيها النخب والجماهير، فكانت الثورية والوطنية إطارها، وحقوق الناس وكرامتهم عنوانها البارز ويافطتها العليا، كان بعض النخبة تراكم فعلها النضالي عبر مسيرة شاقة وطويلة عبرت بها المشانق والمنافي والسجون سنوات جمر حمراء، وكان بعض العامة وقودا لهذا التدافع فساهم في النضال ودفع الثمن مرتفعا في نفسه وأهله.
تعثرت التجربة في سوريا، ترنحت في اليمن، لم تستوِ في مصر، ترنو إلى النجاح في تونس، هذه هي الثورات العربية في لحظة فارقة وحاسمة، أهداف ما زالت بعيدة عند البعض، ملموسة عند البعض الآخر

كانت الجماهير يعيش أغلبها -ولا شك- في صمت أو ركون، لكنه كان صمت العواصف والرياح العاتية، حتى إذا جاءت ساعة الصفر ولحظة الانفجار كانت العامة في الصدارة، وباغتت اللحظة النخب والأنظمة الحاكمة على السواء ووقع المنشود وانتصرت الثورة وولت رؤوس الاستبداد وسقطت الأقنعة، وكان ربيعا عربيا بامتياز يخطو خطوات البناء الأولى.

البداية "الثورية"
تعثرت التجربة في سوريا، ترنحت في اليمن، لم تستوِ في مصر، ترنو إلى النجاح في تونس، هذه هي الثورات العربية في لحظة فارقة وحاسمة، أهداف ما زالت بعيدة عند البعض، ملموسة عند البعض الآخر، لكنها ثورة والثورات مسار والمسار لم ينتهِ.

في هذه المسارات الثورية كان الطريق طويلا رغم محدودية الزمان
(ثلاث سنوات) غير أن المتغيرات كانت كثيرة ومتنوعة وصادمة، سقط البعض من النخب في الطريق، سقط رأس الاستبداد وبقيت منظومته تصول وتجول، في الخفاء أولا ومتنكرة، ثم تجرأت وأسقطت القناع، كانت النخبة رأس الحربة في مرحلة الثورة، وكانت الجماهير تستثير القيادة وترنو إلى جنان بابل المعلقة.

كان لقاء بين النخب لحمل مشعل الثورة وأهدافها وبنائها، تعددت المرجعيات وتوحد الهدف الثوري، تنوعت الأيديولوجيات والتقى الجميع على العرس الثوري ووهجه، لم يترك أحد كتابه خارجا ويضعه على الرف ويدخل الديوان عاريا من كل مرجع أو جذور، دخل الإسلامي المشهد حالما حاملا مشروعه، كانت عناوينه متعددة لكن اليافطة الكبرى تحمل شعارا بارزا جامعا شاملا عند البعض منهم أو حلما مخفيا عند آخرين "الإسلام هو الحل".

ودخل الليبرالي المشهد ولو بترنح في البداية، لأن من سبقه من أنظمة الفساد والاستبداد كان يحمل عنوانا ليبراليا في الاقتصاد وإن كان كاذبا في السياسة أو مغشوشا، فعلا سوطه ناقدا لمن سبق واعتبره انحرافا عميقا عن الليبرالية الحقة التي تعني تلازم الحرية في السياسة والاقتصاد.

ودخل اليساري المشهد بكل قوة، فالثورات والانتفاضات والرفض والمعارضة خبزه وإدامه، تاريخه ونضاله، مبادئه وثوابته، فكانت شعارات الثورة أقرب إليه كلمات ومطالب، وأهداف الثورة كانت أهدافه ولعلها من ممتلكاته.

كان لقاء العائلات الفكرية متجانسا، كانت حمية الثورة وجماهيريتها قد طفت وهيمنت فلم تدع أحدا يرفع صوته المرجعي أكثر من صوت الشعوب، ولا صوت يسمع غير صوت الثورة والجماهير العاتية، لم يتنكر أحد لأيديولوجيته ولم يضعها ولكنه أخفاها في جعبته إلى حين!

لن نغوص في تعريف الأيديولوجيا فهو ليس جوهر البحث، ولكنه عالم الأفكار عند البعض أو علم الحق، أو مجموعة نظم فكرية كلية ومغلقة عند آخرين.

لم تغب الأيديولوجيا في المراحل الأولى للثورات العربية، ولكنها لم تكن في الصدارة ثم ظهرت عاتية مدوية لما بدأ الصراع نحو السلطة، فالإسلامي تشبث بمرجعيته الدينية وقراءته وتأويله لها وأظهر ثوريتها، وبدأ يعلن مشروعه المستمد أساسا منها.

وعلت أصوات الليبراليين واليساريين في برامجهم الانتخابية من منطلق كتاب أيديولوجي مفتوح على الواقع المعيش، وأصبح الجميع يغني على ليلاه من منطلق أيديولوجي، ولهدف ثوري بارز تشكله أحلام الجماهير وتطلعاتها ليوم أفضل.
لم تغب الأيديولوجيا في المراحل الأولى للثورات العربية، ولكنها لم تكن في الصدارة ثم ظهرت عاتية مدوية لما بدأ الصراع على السلطة في بلدان الثورات
انتهت مرحلة الانتخابات، وكان الفوز حليف الإسلاميين في أغلبيتهم، حكموا منفردين في مصر، وتقاسموا السلطان في تونس، ودخل المشهد السياسي في طور جديد واستقطاب جديد فاجأ الجميع ليكتب بقلم يرتعش أحيانا قصة الثورات العربية ومنحنيات مساراتها.

قصة الثورة والأيديولوجيا
سقط الاستقطاب الأيديولوجي وانتهى الفرز الثوري إلى ضفتين، واختلفت الثورة التونسية والمصرية في تحديد الضفاف وعنونة مضامينها، واجتمعتا في تأكيد هذه الفجوة والقطيعة بين طرفين أساسيين في المشهد السياسي الجديد.

التحق أغلب اليسار التونسي ممثلا خاصة في حزب العمال وما يدور حوله من أحزاب صغيرة بالتحالف مع حزب نداء تونس، هذا الحزب الليبرالي الذي شمل عديدا من الوجوه التجمعية التابعة للنظام السابق مع مستقلين ودستوريين، ويترأسه السيد الباجي قايد السبسي أحد السياسيين البارزين الذي عايش كلا من فترتي بورقيبة وبن علي وكان وزيرا لهما.

فالتقت عائلة اليسار مع بعض أطراف العائلة التجمعية رغم اختلاف المرجعية والعداء المبدئي والصراع التاريخي بينهما، ووُضعت المعارك الأيديولوجية جانبا من أجل توحد الصف ضد حركة النهضة، وكان المشترك الحداثي باعثا أساسيا لهذا الانقلاب وهذا التوجه الجديد رغم اختلاف المرجعية والمسار التاريخي وحتى بناء المشروع المجتمعي.

والغريب حقا في تأكيد نهاية الفرز الأيديولوجي أن أحاديث تبرز من هنا وهناك من كل من الضفتين سواء حركة النهضة أو هذا الحزب الليبرالي تدعم فكرة تقاربهما، ولمَ لا؟ حكم البلاد معا وتقاسم منازل السلطة لاحقا!

الخارطة الجينية للمشهد السياسي في تونس تتشكل بين ضفتين: قوى الثورة تجتمع فيها أحزاب وجمعيات وحزبيون قدامى، سواء من حركة النهضة أو اليسار، ومن مستقلين من كل الأطياف المرجعية (يسار ويمين ووسط)، وكل هذا الطيف السياسي يرى أن الثورة اختطفت، وأن الثورة المضادة أصبحت لاعبا أساسيا وغير مخفي عن الساحة.

أما الضفة الأخرى فيرى البعض أنها تعمل على استرجاع المنظومة القديمة أو بناء منظومة جديدة بنفس رجال القديم ومصالحهم، ولعل هدف هؤلاء هو الغلق النهائي لقوسي الثورة وردم الربيع العربي في تونس إلى الأبد.

وكانت التجربة المصرية معبرة بعد عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي، حيث التقى الجيش والليبراليون وبعض اليسار ورموز دينية إسلامية في أعلى المقامات من شيخ الأزهر ومفتي جمهورية سابق، وحزب النور السلفي في صف واحد.

كان انقلابا على الشرعية ولا شك، ولكنه انقلاب جمع المتناقضات والمتشابهات، ترنحت الأيديولوجيا ثم سقطت بعيدا أو هكذا ظهرت للعيان واجتمع النقيض بالنقيض تحت لوحة مبررة: إنقاذ مصر، حماية مصر، الدفاع عن مصر، ونسي الجمع الكريم أن البناء جاء خارج الشرعية وبعون من مصالح مشتركة دفعت بالمرجعيات جانبا وجمعتها الإطاحة بضفة بأكملها تحت مظلة "الوطنية".

إن دخول حزب النور السلفي على الخط أو زعامات إسلامية معتبرة في دعم ضفة أقل ما يقال عنها إنها ليبرالية يسارية التوجه، ليبرالية يسارية المصير، في مواجهة ضفة تشترك معها في المرجعية والنسق العام، يبعث برسالة نعي للاستقطاب الأيديولوجي ويؤكد أن الفرز الحالي والمستقبلي لن يكون إلا ثوريا وطنيا خالصا أو لا يكون.

البعد الأخلاقي
أصبح الثوار الجدد أو المستبقون على روح الثورة لفيفا من النخب تحمل بعضها الهاجس الإسلامي وبعضها الهاجس اليساري أو حتى الليبرالي، وأصبحت الضفة المقابلة تحمل التنوع نفسه عمامة وقبعة، "برنسا" وبنطلونا.

بين من مع الثورة في أحلامها وأهدافها ويعتبر الثورة لم تنتهِ ووقع الاعتداء عليها ووجب الدفاع عنها وحمايتها من ثورة مضادة ممنهجة وضاربة، وبين من يسعى بوعي أو بغير وعي للعودة إلى الوراء وإعادة المنظومة القديمة بحرسها القديم أو برؤوس جديدة.
استجلاب الفرز الثوري في المشهد الجديد هو استجلاب لهذا الدور المنسي والمغيب للأخلاق في الحسم والفرز والبناء، فهل هي نهاية الأيديولوجيا وبداية عصر الإنسان؟

بين هذا وذاك يتشكل المشهد السياسي الجديد في كل من تونس ومصر على توترات نهاية الأيديولوجيا كتعبير عن فرز واستقطاب وريادة المنهج الثوري المثبت على السؤال المركزي والمحوري ولعله سؤال النهضة والبناء: من مع الثورة، ومن ضدها؟

لقد كانت الثورات العربية مصفاة جيدة للفرز، كانت سقوف الوعي المطلوبة مرتفعة نظرا لتجمع آلة الدهاء والمكر على صعيد واحد وبلغة ذكية مبرمجة وفاعلة، فلم يقف أمام سطوتها تدين مغشوش ولا علم منقوص، فكثر المتساقطون في الطريق من دعاة ومفكرين وسياسيين وقامات فكر وفقه، وكانت "البلية" عامة و"الفتنة" كبيرة واختلط الحابل بالنابل حتى أصبح شعار البعض "سلّم سلّم!".

لعلها البراغماتية المعلن عنها والتي جعلت الأضداد يلتقون والمختلفين يجتمعون والخصوم يتوحدون! لعلها واقعية مغشوشة ومتهافتة تريد عيش اللحظة ولو على حساب الإستراتيجيا والمبادئ! كل ذلك يجوز ولكن المحسوم أمره أن الفرز الأيديولوجي قد خرج من التاريخ هذه المرة.

إن نهاية الاستقطاب والفرز الأيديولوجي تعتبر إحدى النتائج المعتبرة والمهمة للثورات العربية، ولعل دخول الفرز الثوري والوطني يمثل البداية الحقيقية للثورات العربية.

لقد غاب البعد الأخلاقي في الربيع العربي، ولعل ثورة لا تحمل الجوهر الأخلاقي قائما ومحددا في مسارها وفي أهدافها هي ثورة مبتورة أو مغشوشة أو لم تقع!

واستجلاب الفرز الثوري في المشهد الجديد هو استجلاب لهذا الدور المنسي والمغيب للأخلاق في الحسم والفرز والبناء، فهل هي نهاية الأيديولوجيا وبداية عصر الإنسان، ولكن أي إنسان؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك