توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية



كل الشعارات تقول "حل سلمي عادل ودائم للقضية".. لهذا ليس المهم ما تقبله أو ما لا تقبله إسرائيل, بل المهم ما يحقق حدا من العدالة يجعل السلام قابلا للديمومة. وحتما ليس المهم أن يتم الحل الآن, فالقضية التي عمرها ستة وستون عاما يمكن أن تنتظر بضع سنوات أخر.


وضروري جدا ألا تتم التسوية الآن في ظل حالة إقليمية مضطربة تغيب عنها أهم قوى المنطقة, وفي مقدمتها سوريا ومصر, وبعد تغييب العراق بما لا يقل عن احتلاله.

والأهم أن الشعوب العربية شبه غائبة لكونها منشغلة بالذات بثورات ربيعها الساعية لفرض أنظمة تمثلها، والأخطر من كل هذا أن الشعب الفلسطيني هو الأقل تمثيلا الآن, إن لم نقل المغيب تماما.

فالغياب التام لأية شرعية انتخابية لمحمود عباس وسلطته وحكومته بأي معيار، لا يحتاج لإعادة شرح قانوني, ولكن سرد المسار السياسي الذي جرى فرض عباس عبره يفرضه موضوع المقالة. ومثله آخرون رجال أُبقيَ عليهم لكونهم هرولوا للتفريط دون أي توكيل من أصحاب الحق.

أعجب ما يجري أن نسمع أسماء رجال أعمال أثروا تحت الاحتلال، أو عبر "المنظمة", ظهروا فجأة باعتبارهم زعامات فلسطينية تفاوض باسم الفلسطينيين، أو تُنصب عليهم لتنفذ "برامجها"

ولكن أعجب ما يجري أن نسمع أسماء رجال أعمال أثروا تحت الاحتلال، أو عبر "المنظمة", ظهروا فجأة باعتبارهم زعامات فلسطينية تفاوض باسم الفلسطينيين، أو تُنصب على الشعب الفلسطيني لتنفذ "برامجها", كسلام فياض الذي بالكاد أدخل المجلس التشريعي الفلسطيني فقفز لتشكيل الحكومة، وباسل عقل موفد عباس لقناة التفاوض السرية مع نتنياهو، في حين أن موفد نتنياهو هو المحامي يتسحاق مولخو, ما يظهر أن من يزعمون تمثيل الفلسطينيين يجرون صفقة "بزنس" في حين يعمل الصهاينة على اتفاقات محبوكة قانونيا لمصلحتهم.

ومع حكومة فياض يظهر بوضوح الدفع لاستنساخ حكومة على طريقة وبأهداف "حكومة فيشي" في فرنسا، ولكن التمهيد لهذا جرى في حياة عرفات, وبإبقاء عباس في الصف الثاني يقود كافة المفاوضات التي أدت لحرف مبرمج لبوصلة النضال الفلسطيني بما قارب المائة وثمانين درجة.

وأثناء هذه الفترة أمكن -وبمشاركة أنظمة عربية وصلت حد اختلاق حرب أهلية في لبنان- إقناع عرفات بتنازلات ومجازفات من أخطرها بما لا يقل عن اتفاقية "أوسلو" ذاتها, قبوله العودة للعمل من الداخل وتحت سلطة الاحتلال في اتفاقية "غزة- أريحا أولا" التي وقعت في القاهرة عام 1994.

هذه الاتفاقية لم تزد على أن أحالت مهام إدارية محدودة, بعد انسحاب إسرائيلي جزئي من المنطقتين, للسلطة الفلسطينية المخترعة في لعب على انزلاق عرفات نحو طلب السلطة على طريقة الحكام العرب.

ولهذا تحديدا سمح لعرفات بإنشاء مطار في غزة وبإحضار "طائرة رئاسية". وقد كتبت حينها, بل وواجهت مندوب المنظمة لدى الأمم المتحدة في محاضرة نظمتها لنا جمعية أهالي بيرزيت في أميركا (نشرت وقائعها صحف عربية أميركية) أن الطائرة الرئاسية لن تحلق دون إذن إسرائيل والمطار سيحرثه قريبا القصف الإسرائيلي الجوي, وأن لا شيء بالمقابل تحقق في شأن "الوطن الفلسطيني".. وهو ما جرى حرفيا.

ولأجل تنفيذ ذلك الدور الإداري منعدم السيادة, شكلت ما تسمى "حكومة فلسطينية" في ذاك الجزء اليسير من الأرض الفلسطينية المحتلة بكاملها.

وبهذا تم أول استنساخ مشوّه لنموذج "حكومة فيشي" التي قامت في فرنسا باتفاقية يونيو/حزيران عام 1940 بين الفرنسيين والاحتلال النازي.

فتلك الاتفاقية قسمت فرنسا المحتلة بكاملها لجزأين, أحدهما يخضع للاحتلال النازي المباشر والثاني لإدارة حكومة فيشي بزعم استقلال داخلي.

كذلك قسمت فلسطين (المحتلة أيضا بكاملها) في اتفاقية "غزة- أريحا أولا" لجزأين, أحدهما يحكم مباشرة من إسرائيل (أراضي الـ 48 وغالبية الضفة المحتلة عام 67), وجزء ثان ضئيل ومشتت الأوصال (أسوأ من قسمة فرنسا لنصفين متساويين أجزاء كل منهما متصلة ببعضها) يدار بصورة منقوصة من قبل سلطة عرفات!

وأول ما قامت به حكومة فيشي في فرنسا هو تغيير شعار الدولة الفرنسية القائم منذ الثورة الفرنسية, وهو "حرية, مساواة, أخوة" لشعار "العمل, الأسرة, الوطن", محدّدة هدفها في شكل تنمية اقتصادية مزعومة.

وهذا تماما ما جرى نصا في اتفاقية "غزة- أريحا أولا" التي لم تأت على ذكر أي من الملفات الرئيسة, بل أبقت حتى المياه والمعابر الإقليمية في يد إسرائيل، ولكن جرى تحديدا النص على "تنظيم العمالة الفلسطينية" لدى إسرائيل, والعلاقات المالية الاقتصادية التي أعطت إسرائيل الحق في جباية موارد السلطة, ما أتاح لها مصادرتها المتكررة بكل الذرائع وحتى بدون ذريعة!

وعودة لتغيير شعارات الدول والشعوب بما يمهد لتغيير مصيري يطبخ لها, نكمل بما جرى بعد دخول مصيدة الحكم تحت إمرة المحتل من تغيير لميثاق منظمة التحرير الفلسطينية عام 1996, لعيون أميركا والضيف بيل كلينتون (كتبتُ حينها "زارنا النبي!") بحذف اثنتي عشرة مادة فيه وتعديل ست عشرة مادة.

وغني عن القول أن تلك هي المواد المتعلقة بالتحرير والعودة والهوية وما إلى ذلك مما لن يبقى بدونه شعب ولن تقوم دولة!

وبالتضحية بالميثاق الوطني الفلسطيني انتهت الحاجة لعرفات, فبُدئ بتفعيل مهمة "الحكومة" المستحدثة, المصيدة الثانية التي أعدت، لتقوم إسرائيل و"الرباعية" بفرض عباس رئيسا لها بصلاحيات تفوق صلاحيات رئيس السلطة.

ورفض الشعب الفلسطيني كليا لعباس جعله معزولا ومغلول اليد بدرجة ألزمته بالاستقالة بعد أقل من أربعة شهور, فجرى التحول للخطوة التالية والتي هي اغتيال عرفات لتؤول رئاسة السلطة لعباس.

حكومة فيشي انتهت بانتصار الحلفاء وهزيمة ألمانيا النازية, فكيف ظنت الصهيونية أن بإمكانها وراثة وتطبيق وسائل النازية كافة على الفلسطينيين, وهي التي أقامت كيانها في فلسطين بزعم التظلم من الممارسات النازية؟!

ولافت هنا أن عباس عاد ليقلص من صلاحيات رئيس الحكومة والقفز على حكومة حماس المنتخبة, بمعونة إسرائيل التي اعتقلت رئيس السلطة التشريعية الحمساوي وعدد من نواب حماس, ليحضر سلام فياض لترؤس حكومة تعلن عن تغيير أكثر جذرية بتحديد هدفها بكونه "السلام الاقتصادي".

ويعني ذلك اختصار الشعب الفلسطيني بمن بقي منه في الضفة المحتلة, وتحويل هؤلاء من شعب ذي قضية وهوية لجماعة تأكل لتعيش, وأقصاه تحلم ببعض البحبوحة إن أرضت حكامها كائنا من كانوا!

هذا مع ثبوت عدم جدوى أي زعم لتنمية اقتصادية تحت الاحتلال بدليل الاجتياح الإسرائيلي للضفة عام 2002 والذي هدف, إضافة للمجازر التصفوية التي ارتكبت بحق الفلسطينيين, لتدمير كامل البينة التحتية للضفة المحتلة!

حكومة فيشي انتهت بانتصار الحلفاء وهزيمة ألمانيا النازية, فكيف ظنت الصهيونية أن بإمكانها وراثة وتطبيق وسائل النازية كافة على الشعب الفلسطيني, وهي التي أقامت كيانها في فلسطين بزعم التظلم من الممارسات النازية؟!

السبب أن الحلفاء, بخاصة قياداتهم, كانوا "مستعمِرين" في بنيتهم الفكرية السياسية والنفسية, أكثر منهم محاربين لأجل الحرية، فالثانية هي النسخة التي أعطيت للجنود وصغار الضباط ليستميتوا في القتال, فيما جنرالاتهم وقياداتهم السياسية كانت منهمكة في محاصصة لمغانم الحرب أبرزها والأطول شرا وعد بلفور واتفاقية سايكس-بيكو.

والأمر الآخر أن التمييز العنصري الذي اتهمت به النازية وزُعم حصره باليهود, كان وبقي يمارس ضد السود من قِبَل حلفاء إسرائيل الأوروبيين والأميركيين في أجزاء عديدة من أفريقيا (بما فيها كينيا موطن والد باراك أوباما) ضد الأفارقة, معززا بقوانين وصلت حد النص على "الأبارتايد" في دستور جنوب أفريقيا, وفي "قانون العزل" في الولايات المتحدة الأميركية ضد من اختطفهم الرجل الأبيض من بلادهم ليستعبدهم.

ولم يصدر قانون الحقوق المدنية في أميركا حتى العام 1964, ومع أن حق التصويت أعطي للأميركيين السود عام 1965, إلا أن مخاطر ممارسته بقيت قائمة.

ورغم قرارات الأمم المتحدة بمقاطعة جنوب أفريقيا لممارستها الأبارتايد, أمكن أن يحاكم المطالبون بإلغائه, ومنهم نيلسون مانديلا, على مدى خمس سنوات بتهم "الخيانة", وبعد تبرئة مانديلا منها جرى اعتقاله بتهمة "التخريب والتآمر لقلب نظام الحكم" ليحكم عليه بالسجن مدى الحياة العام 1962.

وأثناء ذلك وبعده كانت تلك هي التهمة الموجهة لمختلف أطياف المعارضة في العالم العربي, ولافت أنه في ذات العام 1962 وُجّهت ذات التهمة لقائد الجيش الأردني (أبعد ولم يحاكم خشية أن يكرّس بطلا شعبيا) فيما حوكم وسجن وعذب ضباط آخرون.

أما تهمة "التخريب" فكانت توجه من إسرائيل للفدائيين الفلسطينيين. وفي بيئة دولية وعربية كهذه أمكن لمن يعتقدون أنهم "شعب الله المختار" وأن فلسطين آلت لهم تنفيذا لوعد إلهي, مضافا له دعم الحلفاء المنتصرين المطلق لهم, أن يمارسوا القتل والتهجير القسري وذات "الأبارتايد" (سرا وعلنا) ضد من تبقى ولم يمكن تهجيره من أصحاب الأرض التي احتلوها, أو بالأحرى "احتُلت لهم"!

ولكن هذا الذي كان "ممكنا" تغير في العقد الأخير من القرن الماضي, وعنوان التغيير كان نيلسون مانديلا، فصمود الرجل الأسطوري في سجنه لسبعة وعشرين عاما أنتج حملة دولية لإطلاق سراحه, الذي لم يقبل به مانديلا إلا بتحقيق شرط إنهاء الأبارتايد، فتم إطلاق سراحه عام 1990 وفوزه برئاسة البلاد عام 1994في أول انتخابات غير عنصرية, مرورا بتحقيقات "لجنة غولدستون" في تهم العنف الشرطي التي مورست قبل عقد تلك الانتخابات, ثم الاعترافات بممارسات نظام الأبارتايد البشعة السابقة لدى "لجنة التحقيق والمصالحة" التي شكلها مانديلا عام 1995.

كل هذا شكل بؤرة اهتمام العالم الذي أتيح له مواكبة ومعايشة الأحداث عبر وسائل الاتصال التي باتت تنقلها حية, فكانت تلك نقطة تحول جذرية في التاريخ الحديث, ما بعدها غير ما قبلها.

ومن أهم ما جرى بعدها انتخاب وإعادة انتخاب أول رئيس للولايات المتحدة ذي أب كيني, عند مولده مواطنا أميركيا لم يكن السود في أميركا يملكون حق التصويت, بل وكان "قانون العزل" مطبقا عليهم! ورحيل مانديلا العام الماضي أعاد للواجهة قضية "الأبارتايد" التي ناضل ضدها.

إدانة إسرائيل بدأت تأتي وبتعاظم من داخل إسرائيل ذاتها, على لسان وبشهادة إسرائيليين, وبعضهم يرفض ويكشف عدم شرعية ذات المزاعم التي قامت عليها دولتهم ويدعو للتعايش مع الفلسطينيين

ولافت أن إسرائيل وحلفاءها جهدوا في عقد التغيير ذاك لاستخلاص سلسلة تنازلات عربية بدءا بـ "مؤتمر مدريد" ونصب المصائد سابقة الذكر للفلسطينيين, وللأردن في "وادي عربة" وغيرها مما ليس هنا مجال شرحه.

ولكن كل هذا لم يمنع ظهور حقيقة إسرائيل باعتبارها نظام الأبارتايد الوحيد المتبقي, ناهيك عن التهجير القسري الذي تنوي استكماله تحت شعار "يهودية الدولة" الذي يستعيد الفكر العرقي النازي ولكن دون توفر مواصفات العرق أو القومية لها, بما يجعل دعواها "اليهودية" تشريعا وتكريسا, بل واستنباتا لأصوليات دينية مضادة عابرة للقوميات والحدود باتت تقلق عالما أصبح قرية صغيرة.

يضاف لهذا كون إسرائيل آخر حالة احتلال كولونيالي قام في لحظة انسحاب ذلك الاحتلال من العالم، والأخير لا تريد أوروبا الاعتراف به كاملا, ولكن ضغوط شعوبها أطلقت مقاطعة عالمية متنامية لإسرائيل لاستمرار احتلالها واستيطانها في الضفة الغربية على الأقل, ولممارستها "الأبارتايد" في كامل فلسطين, والذي شواهد مآسيه باتت تنقل حية أيضا نتيجة ثورة الاتصالات!

والأهم أن هذه الإدانة بدأت تأتي وبتعاظم من داخل إسرائيل ذاتها, على لسان وبشهادة إسرائيليين, وبعضهم يرفض ويكشف عدم شرعية ذات المزاعم التي قامت عليها إسرائيل ويدعو للتعايش مع الفلسطينيين في دولة واحدة وبحقوق مواطنة متساوية, بل ويدافع عن حق الفلسطينيين المهجرين بالعودة لأرضهم.. وهو ما بيّنت بعضه في مقالتي السابقة.

لسنا مضطرين لقبول ما لم يعد مقبولا دوليا لأن متطرفين صهاينة لهم الصوت الأعلى في إسرائيل يرفضون الصحو على حقيقة تغير العالم, أو لأن كيري يريد تسجيل إنجاز باسمه, أو لأن سماسرة بيع القضية يريدون قبض العمولة قبل أن تؤول مواقعهم لغيرهم!

ولا نريد بالمقابل إلقاء اليهود في البحر كما فعل الصهاينة بالفلسطينيين (فعلوها "حرفيا" بأهل حيفا), ولكن الدفع بتسويات "صهيونية" كالمعروضة الآن, سيجعل تلك الدعوة وحدها المتاحة بل والمحقة عينا بعين, وهي ممكنة بدليل ما جرى للنازية!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك