خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري



التنافس الأيديولوجي
إستراتيجية الهجوم
انتخابات مصيرية

تبدو الانتخابات المحلية التركية التي ستجري نهاية شهر مارس/آذار الجاري بمثابة تصويت للثقة في حكومة حزب العدالة والتنمية، ولعل مرد ذلك هو معرفة مدى تأثير فضيحة الفساد على الحزب ومصداقيته، وكذلك تداعيات الصدام الجاري مع الحليف السابق الداعية فتح الله غولن، فضلا عن أداء حكومة العدالة في ظل المتغيرات الداخلية والخارجية.

وعليه يمكن القول إن نتائج هذه الانتخابات ستشكل مؤشرا قويا فيما إذا كان حزب العدالة والتنمية سيحتفظ بالسلطة أم أنها ستمهد لتغير قواعد الحكم في البلاد بعد أكثر من عقد على حكمه، كما أنها ستكون مهمة جدا لزعيم الحزب رجب طيب أردوغان الذي يبدو أنه ينتظر نتائج هذه الانتخابات لتحديد كيفية التحرك نحو مستقبله السياسي.

التنافس الأيديولوجي
مع أن الانتخابات هي انتخابات محلية تتعلق بالبلديات ولاسيما في المدن الكبرى، وفي مثل هذه الانتخابات عادة ما يكون التصويت للكفاءات والبرامج والإنجازات التي تحققت في المجالات الخدمية والعمرانية، فإن المتابع للوضع التركي سيرى أن البعد الأيديولوجي والصراع الحزبي باتا حاضرين بقوة في الحملات الانتخابية.

مع أن الانتخابات محلية وعادة ما يكون التصويت فيها للكفاءات والبرامج والإنجازات المتحققة بالمجالات الخدمية والعمرانية، فإن البعد الأيديولوجي والصراع الحزبي حاضران بقوة
ولعل مرد ذلك هو أن هذه الانتخابات مصيرية للأحزاب المتنافسة أولا. وثانيا لاشتداد حدة الصراع بين هذه الأحزاب على كيفية تحديد سياسة الحكومة في الداخل وتجاه الخارج.

وثالثا: لأن الصراع بين "الإسلام" و"العلمانية" مستمر في تركيا رغم كل الحديث عن التوفيق بين الجانبين خلال عهد حزب العدالة التنمية.

والأهم أن هذه الانتخابات تأتي في ظل تطورات داخلية دراماتيكية من شأنها أن تجعل من عامل التحالفات الحزبية عاملا مهما في المعركة الانتخابية، ولعل من أهم التطورات الدراماتيكية:

1- تداعيات فضيحة الفساد سياسيا، وطريقة معالجة هذه القضية، وسط توقعات بأن تكشف جماعة غولن في الأيام المقبلة عن فصول جديدة من القضايا المتعلقة بالفساد بغية توجيه ضربة قوية لحزب العدالة والتنمية قبيل الانتخابات.

2- تحول التحالف بين حزب العدالة والتنمية وحركة غولن إلى معركة مفتوحة، يستخدم فيها كل طرف جميع أوراقه، وهو ما يفتح الباب أمام تحالفات حزبية حتى لو لم يكن هناك توافق في البرامج أو السياسات، وهنا يجري الحديث عن تحالف بين حركة غولن وحزب الشعب الجمهوري المعارض في إسطنبول بغية إخراجها من نفوذ حزب العدالة والتنمية.

3- التداعيات المستمرة لما جرى في تقسيم وجيزي بارك بإسطنبول، ومحاولة تحويل ما جرى إلى جبهة مناهضة لحكومة العدالة والتنمية.

4- جملة القوانين (الإنترنت - القضاء - إغلاق المدارس والمعاهد الخاصة - الاستخبارات) التي أصدرها البرلمان بدفع من حزب العدالة والتنمية على خلفية تفجر المعركة مع غولن واشتداد الصراع مع حزب الشعب الجمهوري.

5- المخاوف من عودة حزب العمال الكردستاني إلى الخيار العسكري في ظل تعثر عملية السلام بعد مرور عام على إطلاقها من قبل زعيم الحزب عبد الله أوجلان المعتقل في سجن إيمرالي.
 
هذه الظروف الحساسة تجعل من معركة الانتخابات المحلية التركية معركة ساخنة لاسيما في المدن الكبرى، وتحديدا إسطنبول وأنقرة وأزمير وديار بكر.

وإذا كان معروفا أن إسطنبول تتبع لنفوذ حزب العدالة وأزمير لحزب الشعب الجمهوري وديار بكر لحزب السلام والديمقراطي الكردي، فإن المعركة الحقيقية ستكون في العاصمة أنقرة بين رئيس بلديتها التابع لحزب العدالة والتنمية مليح كوكتشك ومرشح حزب الشعب الجمهوري منصور ياواش الذي يركز في حملته على الأداء السيئ لمنافسه خلال مظاهرات جامعة الشرق الأوسط التقنية وتلك التي اندلعت خلال مظاهرات تقسيم وجيزي بارك بإسطنبول.

إستراتيجية الهجوم
تقول بعض التقارير التركية إن أردوغان يكتفي بأربع ساعات من النوم هذه الأيام، ويخصص باقي وقته لكيفية قيادة حزبه في الانتخابات المحلية التي من المقرر أن تليها الانتخابات الرئاسية في أغسطس/آب المقبل ومن ثم البرلمانية في منتصف العام المقبل.
برأي أردوغان ستكون لهذه الانتخابات كلمة الفصل في إعطاء المشروعية لحكم العدالة والتنمية حتى العام 2025 كما خطط له طويلا، ولذا اختار الهجوم أسلوبا لمواجهة خصومه
وبنظر أردوغان سيكون لاستحقاق هذه الانتخابات كلمة الفصل في إعطاء المشروعية لحكم حزب العدالة والتنمية حتى العام 2025 كما خطط له طويلا، ولهذا اختار الهجوم أسلوبا لمواجهة هجوم خصومه بدلا من الدفاع، وهو في هجومه يركز على:

1- الهجوم الشديد على فتح الله غولن بوصفه نقض التحالفات ويريد زرع الفتنة ويرفض العمل السياسي الواضح وفقا لقواعد اللعبة الديمقراطية، وعليه دعاه إلى مبارزته في الانتخابات كخصم وليس اعتماد أسلوب بث الأكاذيب والافتراءات، وذلك في معرض رده على تسريب تسجيلات صوتية نسبت لأردوغان التورط في قضايا فساد.

2- الانتقاد الشديد لحزب الشعب الجمهوري المعارض ولاسيما زعيمه كمال كليجدار أوغلو من بوابة أن الأخير يتبع سياسات طائفية ويركز على القضايا الصغيرة ولا ينتهج سياسات ترقى إلى مستوى الدولة، وهي نفس الاتهامات التي يوجهها أوغلو لأردوغان.

3- القيام بجولات تشمل مختلف المدن التركية الكبرى (ثمانين مدينة) وتنظيم حشود جماهيرية ضخمة في هذه المدن بغية خلق حالة من التواصل المباشر مع الجماهير وتعبئتها وتحصينها من تداعيات فضيحة الفساد.

4- التركيز على قيادة الحزب ودفعه إلى اتخاذ قرارات سواء في البرلمان أو الحكومة، وإعطاء الأولوية لوحدة الحزب خاصة بعد استقالة أعضاء منه وانتقادات البعض لطريقة إدارة أردوغان للحزب.

5 - إصدار سلسلة من القوانين (الإنترنت - الاستخبارات - القضاء) في البرلمان من شأنها تقوية موقف الحزب في مواجهة اشتداد حملات الخصوم والمعارضين.
 
6- الحرص على إبقاء الجسور مفتوحة مع الحالة الكردية لحسابات تتعلق بالسلام الكردي التركي من جهة، وأخرى لها علاقة بتحالفات مستقبلية محتملة خاصة إذا أظهرت الانتخابات تراجعا في نفوذ حزب العدالة والتنمية.

في الواقع، من الواضح أن أردوغان اختار إستراتيجية الهجوم والحشد لقناعته بأن المرحلة صعبة ولا تحتمل أي تراجع، وإلا فإن إستراتيجية حزب العدالة والتنمية للحكم خلال العقد المقبل ستتعرض لانتكاسة قد تقضي على مستقبله السياسي.

انتخابات مصيرية
لعل مقياس النجاح أو الفوز لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية، هو الحصول على نفس النسبة التي جرت في الانتخابات السابقة عام 2009 رغم أنه حقق في الانتخابات البرلمانية السابقة عام 2011 أكثر بقليل من خمسين بالمائة من الأصوات، فمثل هذه النسبة ستبدد لدى أردوغان والحزب المخاوف من أن تكون تداعيات قضية الفساد قد أثرت سلبا على الحزب ومصداقيته.

وبناء على هذه النتائج سيضع أردوغان خطته لكيفية خوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

أما بالنسبة للخصوم "غولن" وكذلك المعارضة "حزب الشعب الجمهوري" وبدرجة أقل "حزب الحركة القومية" فهي معركة مصداقية الانتقاد الشديد لسلوك أردوغان وطريقة تعاطي الحزب مع القضايا الداخلية التركية وسياسة تركيا الخارجية، ولاسيما تجاه الأزمة السورية وإيران وإسرائيل.

أردوغان ينتظر بفارغ الصبر معرفة نتائج الانتخابات، ليجد نفسه أمام سيناريوهات الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والاستحقاقات الدستورية والقانونية لخوض هذه الانتخابات. وثمة من يرى أن أردوغان أمام ثلاثة سيناريوهات:

ستكشف الانتخابات سيناريو الحكم في المرحلة المقبلة، وهو سيناريو يتراوح بين فوز العدالة والتنمية وبالتالي استمرار التجربة السابقة، أو الخسارة والاضطرار إلى صيغة الحكومات الائتلافية التي عرفتها تركيا سابقا
1- سيناريو الفوز، فإذا فاز حزبه وبنسبة كبيرة على غرار الانتخابات السابقة، فستسير الأمور كما هي مرسومة من قبل، أي أنه سيستعد لخوض الانتخابات الرئاسية المقررة في أغسطس/آب المقبل، وهي المرة الأولى التي ستجري فيها هذه الانتخابات بطريقة الاقتراع المباشر.

2- إذا خسر حزبه -ولاسيما بنسبة كبيرة- فقد يلجأ أردوغان إلى سيناريو الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة، كي يضمن نسبة معقولة في البرلمان، وفي هذه الحالة قد تتم إعادة العمل بقانون انتخاب الرئيس من داخل البرلمان، نظرا لأن مثل هذه الطريقة تبقى الوحيدة أمامه للوصول إلى قصر الرئاسة في تشانقاي.

3- إلى جانب هذين الخيارين، لا يستبعد متابعون للشأن التركي أن يضع أردوغان نهاية لحياته السياسية بالانسحاب منها في لحظة ما، خاصة إذا تعرض حزبه لخسارة كبيرة، وغير ذلك فإن أردوغان سيجد نفسه مضطرا لتعديل قوانين حزب العدالة والتنمية التي وضعها بنفسه ولاسيما القانون الذي لا يسمح لأعضاء الحزب بشغل مناصبهم لأكثر من ثلاث ولايات، إذ أنه قد يجد نفسه أمام هذا السيناريو للبقاء في منصبه في رئاسة الحكومة.

مقابل إستراتيجية أردوغان هذه، فإن القوى الأخرى تعمل بكل ما لديها من قوة وأوراق لإزاحة أردوغان وحزبه عن السلطة، فهاجس الجميع في هذه الانتخابات هو الانتصار على الخصم، ونتائج هذه الانتخابات ستكشف القوة الحقيقية للجميع في الشارع.

كما ستكشف أيضا سيناريو الحكم في المرحلة المقبلة، وهو سيناريو يتراوح بين فوز حزب العدالة والتنمية كما في الانتخابات السابقة وبالتالي الاستمرار في تجربة الحزب في حكم تركيا وإدارتها في المرحلة المقبلة، أو الخسارة والاضطرار إلى صيغة الحكومات الائتلافية التي عرفتها تركيا في عهد بولنت أجاويد ومسعود يلماظ وتانسو تشيلر، وهي تجربة اتسمت بعدم الاستقرار والانقلاب على التحالفات السياسية والأزمات الاقتصادية والاضطراب السياسي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك