مصطفى زهران

مصطفى زهران

مصطفى زهران



ماهية "أنصار بيت المقدس"
الأطوار التكوينية

يتزايد الجدل وتتباين الآراء في الآونة الأخيرة حول تنامي ظاهرة "الإسلام الجهادي" في المشهدين السياسي والديني في مصر بعد انقطاعها عقودا، والتي اعتبرت بمثابة انعكاس مباشر لأحداث الثالث من يوليو/تموز الماضي، وتبعات الإطاحة بالرئيس المصري المعزول محمد مرسي، وتزداد حدته بصعود أحد التشكيلات الجهادية المسماة "أنصار بيت المقدس".

ورغم حداثة عملياتها "الجهادية" في الداخل المصري فإنها وُصفت بالنوعية، لاقترابها من نقاط شائكة وحساسة في العمق الأمني، كان أبرزها حادث طابا الأخير الذي أودى بحياة عدد من السائحين الأجانب، فضلا عن استهداف مقر المخابرات العسكرية بالإسماعيلية، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية المصري اللواء محمد إبراهيم في وقت سابق.

ماهية "أنصار بيت المقدس"
تتضارب الاتجاهات وتتعدد التوصيفات لـ"أنصار بيت المقدس"، وتتأرجح بين التهويل والمبالغة من جهة، وإلصاقها بتيارات إسلامية تقليدية أخرى من جهة ثانية.

رغم حداثة عملياتها "الجهادية" في الداخل المصري، فإنها وُصفت بالنوعية، لاقترابها من نقاط شائكة وحساسة في العمق الأمني، وكان أبرزها حادث طابا الأخير

فبين الطرح القائل إنها صنيعة السلطة وأجهزتها الأمنية، أو كونها أداة طيّعة لجماعة الإخوان المسلمين تنفذ إملاءاتها، تنحصر التعريفات والتأويلات، بينما تسير الوقائع المستجدة والمغايرة على الأرض في اتجاه تطور متقدم لبذور سابقة للحركة الجهادية في مصر عامة وفي سيناء خاصة، وهي الفرضية التي نحاول إثباتها في هذا المقال.

ما يدحض الاتجاه الأول هو تعارضها -أي "أنصار بيت المقدس"- مع مساعي السلطة القائمة وتثبيت دعائم حكمها على الأرض، لتحقيق نوع من الاستقرار في ظل واقع مضطرب وأزمة اقتصادية طاحنة، تتفاقم يوما بعد يوم، فكيف يتسنى لها خلق أو دعم فصيل يزيد من تلك الحالة؟ وأكبر دليل على ذلك هو التأثير السلبي على قطاع السياحة جراء حادث طابا الأخير، وهو الأمل المتبقي في ظل المشهدين السياسي والاقتصادي المنهارين.

بالقياس ذاته، لا يمكن القول إنها أداة أو ذراع لجماعة الإخوان التي صنفت مؤخرا بكونها جماعة إرهابية، وهي ما تلبث صباح مساء أن تجهد في إنكار هذا التوصيف، للأسباب التالية:

أولها: رؤية "أنصار بيت المقدس" لجماعة الإخوان ومرسي، بأنهم لم يسعوا يوما لإقامة "شرع الله" منذ اعتلائهم سدة السلطة والحكم.

ثانيها: استخدام مرسي القوة العسكرية ضد الجهاديين في سيناء، عقب اغتيال عدد من جنود الجيش المصري عام 2012.

ثالثها: عدم لجوء قادة الإخوان إلى سيناء للاختباء أو الاحتماء من الملاحقات الأمنية، فضلاً عن عدم العثور على قيادي واحد فرّ إلى هناك، خلال حملات المداهمة والاعتقال.

الأطوار التكوينية
يمكن القول إن جماعة "أنصار بيت المقدس" مرّت -أو ستمر- بالأطوار التكوينية التالية في إطار ما تعتبره معركة جهادية تخوضها حاليا:

أ‌- المخاض وجهاد الخارج
تظل "السلفية الجهادية" هي الحاضنة الأم لكل التشكيلات التي نشأت وطفت على سطح المشهد الجهادي في العقد الأخير، وما "أنصار بيت المقدس" سوى واحدة من مخاضاتها وأبرزها، وأحد إفرازات "الحالة الجهادية" في سيناء التي تشكلت عقب الاحتلال الأميركي للعراق وسقوط بغداد عام 2003.

وهي الفترة التي يؤرخ بها لميلاد "السلفيات الجهادية" في المنطقة، بالتوازي مع التلاقي الفكري بينها وبين سلفيي غزة الذين هربوا من القطاع بعد ملاحقات حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، عقب وصول الأخيرة إلى السلطة عام 2007، لما لهم من أفكار تكفيرية وجهادية لا تتواءم مع آليات وأدبيات حماس، وهو ما يؤكد انتفاء الصلة بين "أنصار بيت المقدس" وحماس.

ويمكننا القول إن جماعة "التوحيد والجهاد" التي ظهرت فجأة، ثم ما لبثت أن توارت عن الأنظار بعد مقتل مؤسسها خالد مساعد، بالتوازي مع ضربات الأمن الموجعة لها إبان فترة الرئيس المخلوع حسني مبارك، هي الرافد الأول لـ"أنصار بيت المقدس"، والمغذي المباشر لها في سيناء قبل تشكيلها الحالي.

لا يمكن القول إن تنظيم "أنصار بيت المقدس" أداة للإخوان لأسباب أبرزها أن التنظيم يعتبرهم متقاعسين عن تطبيق الشريعة، إضافة إلى استخدام الرئيس المعزول القوة ضد التنظيمات الجهادية بسيناء
ولا يعني ذلك أنها كانت ولا زالت بمفردها في المشهد الجهادي السيناوي، بل كانت هناك مساع جهادية أخرى تحاول التعبير -على استحياء- عن ذاتها، كـ"أكناف بيت المقدس" و"جند الإسلام"، التي استهدفت مقر المخابرات الحربية في رفح 2013، وغيرها من التشكيلات الهشة، إلا أن طبيعة التنوع الفكري داخلها واجتماعها على فكرة "جهاد الخارج" ضد الاحتلال الإسرائيلي، هو ما قوّى عود "أنصار بيت المقدس"، لذلك لم تقف على أبناء سيناء وحسب، بل توسعت في ضم جنسيات أخرى وعناصر جهادية خارجية.

جاءت ثورة 25 يناير لتطلق العنان للتنظيمات الجهادية السيناوية للتحرك بحرية ودون مواربة، مما دفعها لتكون حاضرة في مشهد الثورة المصرية آنذاك بعد فرار الكثير منهم من المعتقلات، خاصة سجن "وادي النطرون"، الذي كان يعج بالكثيرين منهم، ومن ثَمّ المشاركة في وقائع الثورة حتى سقوط مبارك.

وحينئذ برزت "أنصار بيت المقدس" على الأرض في سيناء، وتحديدا عبر تفجير خط أنابيب الغاز الواصل إلى إسرائيل وبثت فيديو يظهر عملية التفجير هو الأول لها، وسط مباركة زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري عبر مقاطع صوتية حملها التسجيل، بالإضافة إلى بعض الهجمات على قوات الاحتلال خلال شهر سبتمبر/أيلول 2012.

وقد حاول الجيش على فترات متقطعة عقب ثورة 25 من يناير، قصّ أجنحة السلفية الجهادية، بما فيها "أنصار بيت المقدس" عبر عمليات نوعية، منها "نسر(1) 2011"، و"نسر(2) 2012".

ب‌- جهاد الداخل
لا شك أن أحداث الثالث من يوليو/تموز الماضي والإطاحة بمرسي كانت إيذانا بالتنامي السريع للحالة الجهادية في مصر خاصة في سيناء، وهو ما وظفته "أنصار بيت المقدس" لصالحها خلال مشهد مضطرب، حيث رأت أن الجهاد المسلح وحده قادر على إقامة دعائم الدولة الإسلامية المفقودة، أي "الخلافة" بمفهومهم، وخصوصا بعد فشل الآليات الديمقراطية والصندوق.

لذلك، كان التحول من جهاد الخارج إلى جهاد الداخل، فلجأت إلى تجنيد وجوه جديدة من أصحاب الثارات، ممن لقي أقاربهم وذووهم مصرعهم على أيدي الجيش والشرطة، وخاصة من قبائل سيناء، ناهيك عن انعكاسات فضّ ميداني رابعة والنهضة الذي كان لها أثر في ترسيخ تلك القناعات في الداخل السيناوي.

وشهد هذا الطور تناميا في العمليات النوعية التي انتهجتها، استهدافا للقوى الأمنية، مثل محاولة اغتيال وزير الداخلية، واغتيال ضابط الأمن الوطني محمد مبروك، وتفجير مديرية أمن الدقهلية، والهجوم على مدينة إيلات الإسرائيلية "أم الرشراش"، وتفجير مديرية أمن القاهرة، وإسقاط مروحية عسكرية بسيناء، وأخيرا حادث طابا، فضلا عن الهجوم على كمائن عدة للشرطة والجيش، مع قدرة إعلامية وتواصلية عالية من خلال مقاطع فيديو وبيانات على الشبكة العنكبوتية، تتناول هذه الضربات والاستهدافات، بالتوازي مع محاولة استدرار عطف المتدينين من الشعب المصري، للوقوف معها في مواجهتها مع القوى الأمنية.

ج- التبعية للقاعدة
يعتبر هذا الطور لـ"أنصار بيت القدس" -الذي لم يتشكل بعد- أشد الأطوار التكوينية خطورة وشراسة في آن واحد، والذي من المتوقع أن يحمل تحولات فكرية حادة، عبر الانتقال من الولاء الفكري إلى الولاء التنظيمي للقاعدة، والذي لم يتحقق في الطور الثاني، على الرغم من مباركة الظواهري لعمليات تفجير خط الغاز الممتد من مصر إلى إسرائيل.

ويرجع التكهن بهذا التحول إلى ظهور "أنصار بيت المقدس"، كأداة جذب لجهاديي الداخل والخارج والدفع بهم نحو مصر، لما لها من أهمية جيوسياسية في العقل الجهادي العالمي.
التطورات الأخيرة تشير إلى أننا على مشارف مشاهد مستنسخة من تجربة المواجهة الأمنية والعسكرية التي حدثت خلال العقد التاسع من القرن المنصرم بين الجماعة الإسلامية ونظام مبارك

بيد أنه من المتوقع أن تشكل الجيوب السلفية الجهادية الأخرى والأقل تأثيرا في هذا الطور جبهة موحدة، لتتجنب الانشقاقات التي حدثت بين الأذرع الجهادية في سوريا، وهو ما يجعل إمكانية الدخول في تحالفات مع الأذرع الجهادية -مثل "الجبهة الإسلامية"، و"تنظيم الدولة في العراق والشام" و"جبهة النصرة"، وغيرها- ممكنا في المستقبل القريب، إن لم يكن مؤكدا.

ولعل ما يدفع بقوة نحو هذا الاتجاه، المعطيات الواقعة على الأرض من إخفاقات الأجهزة الأمنية المصرية في توقيف أعضاء هذا التنظيم الوليد أو معرفة إمداداته، والتي لم يُفصَح عنها حتى الآن.

ولعل ذلك أيضا ما يؤكد تماسك هذا التشكيل وقدرته على البقاء، فضلا عن أن استشعار "المظلومية" لدى قطاعات كبيرة من الإسلاميين التقليديين الذين لم يتم تأطيرهم في جماعة أو حزب، يجعلنا نتكهن أكثر بإمكانية أن تتجه عمليات "أنصار بيت المقدس" في هذا الطور إلى العمق الإستراتيجي، وتحديدا "افتراش" العاصمة، من خلال البعد عن أماكن ومواقع باتت معروفة لدى القوى الأمنية، مع إمكانية تجنيد عناصر نسائية ممن قُتِل أزواجهن وإخوانهن وآباؤهن.

ويعني ذلك أننا على مشارف مشاهد مستنسخة من تجربة المواجهة الأمنية والعسكرية التي حدثت خلال العقد التاسع من القرن المنصرم بين الجماعة الإسلامية ونظام مبارك، وظهرت أشد تجلياتها في حادثة طابا، ومحاولة تأثير "أنصار بيت المقدس" على القطاع السياحي، والتجربة المستوحاة من حادثة الأقصر في 1997 التي نفّذتها الجماعة الإسلامية، والتي كان لها أثر كبير في تحولات الجماعات الجهادية في مصر حينذاك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك