عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.

الأسطورة المؤسسة
تحولات مسار الثورة

تعقيدات كثيرة اعترت الأزمة السورية، مع إكمال الثورة السورية عامها الثالث، ودخولها العام الرابع، حيث بات من الصعب استشراف المسار الذي ستتخذه الثورة، خاصة مع سيادة حالة من الاستعصاء على المستوى العسكري، بالتزامن مع حالة من الانسداد على المستوى السياسي.

الأسطورة المؤسسة
مع وصول الأزمة، التي سببها تعامل النظام مع غالبية السوريين، إلى درجة الكارثة الإنسانية غير المسبوقة، فإن قوى ما يسمى "المجتمع الدولي"، لم تقدم للسوريين سوى وعود فارغة، بعد أن حصرت مراهنتها على وهم حل سياسي، يمكن أن يقدمه مؤتمر جنيف2 الذي فشل قبل انطلاق عجلة مفاوضاته.

واتضح للعالم أجمع أنه ليس هناك من جماعة النظام، من هو صاحب إدارة سياسية، أو من يهمه إيقاف سيلان نهر دماء السوريين، بل إنهم مجموعة من المتعطشين للدماء، وثلة من المتغطرسين والمدجنين في بوتقة نظام فاشي، يستند إلى أسطورة، تنهض على سردية ثأرية غابرة، ويستقوي على العزل بعصبية طائفية بربرية، شعارها الأساس هو الموت أو الخضوع.

يصعب على كثيرين استيعاب هذا الكمّ من العوامل الدولية التي لعبت ضد الشعب السوري وقضيته، حيث تشير كل المؤشرات الحالية إلى أن القوى الدولية لا تأبه بالكارثة السورية، ولا يعنيها طول أمد الصراع

وبعد ثلاثة أعوام، مازال نظام الأسد الفاشي يوغل في القتل، وعلى مرأى من العالم، لذلك يصعب على كثيرين استيعاب هذا الكمّ من العوامل الدولية التي لعبت ضد الشعب السوري وقضيته، حيث تشير كل المؤشرات الحالية إلى أن القوى الدولية لا تأبه بالكارثة السورية، ولا يعنيها طول أمد الصراع.

وبالتالي لا جدوى من المراهنة على الإرادة الدولية، كونها تقوم على معايير غير إنسانية، تأخذ في الحسبان اعتبارات المصالح وحسابات الربح والخسارة، ولا تعير أي اهتمام للأخلاق أو القضايا الإنسانية، بالرغم من أن الثورة السورية بدأت سلمية، وبقيت كذلك أشهرا عديدة، بالرغم من التعامل الفاشي معها، وباتت غالبية السوريين تشعر بأنها يتيمة ووحيدة، ولم تجد سوى أن تضع دمها على كفها، ماضية في طريق الخلاص، الذي لا رجعة فيه.

وفي الوقت الذي تنأى به إدارة الرئيس الأميركي عن فعل شيء، إزاء الكارثة الإنسانية التي سببتها الحرب الشاملة للنظام ضد الثورة وحاضنتها الاجتماعية، فإن كل شيء بات مباحا دوليا، أو -على الأقل- مسكوتا عنه، ووصل الأمر إلى درجة استخدام السلاح الكيميائي ضد المدنيين من الأطفال والنساء والرجال، في أكثر من موقع وواقعة، ولم يكتف النظام بذلك كله، بل راح يسوق لأيديولوجية متغطرسة تبرر إجرامه وإرهابه، وتضعهما في مصاف الأمور الطبيعية، وفق معيارية فاشية، تمتد جذورها داخل نسق طائفي مقيت، وأبعاد أخلاقية مولدة له.

ووسط ردود الفعل الدولية البائسة ضده، راح حاكم دمشق، يتشدق بكلمات عن الشرعية والأحقية في الحكم، معتبرا حفظ أمنه وأمن عصابته، من أمن الدولة والاستقرار والوحدة، بوصفه يجسد الدولة في شخصه، في مواجهة المؤامرات والمكائد الداخلية والخارجية، حتى تحول الأمر لأسطورة مؤسسة لنظام الأسد الفاشي.

ويدرك غالبية ساسة العالم وصناع القرار فيه، حجم وهول ما صنعه الفاشي من فظائع خطيرة، وليس ذلك وحسب، بل إنه حوّل سوريا إلى مرتع للمجموعات الإرهابية، التي تتخذ من الإسلام يافطة، بغية الوصول إلى دويلاتها وإماراتها.

وأضحى السوريون تحت وطأة وحشية مزدوجة، وحشية هذه المجموعات الإرهابية، ووحشية النظام، الذي يفاخر بأيديولوجيته المقيتة، وعصبيته الذميمة، وسياسته الطائفية الغادرة، وخطاباته المنفلتة من أية عقال، ومواقفه المتهورة، التي انصبت على محاولات إثارة الحرائق في دول المنطقة، خلال السنوات الثلاث الماضية، وما يزال ماضيا في أفعاله دون أي رادع، بل إنه وجد في ملالي إيران وساسة موسكو وصفاء له، ومدافعين عنه، وداعمين له بكافة الوسائل المادية والعسكرية والسياسية.

إن كل سوري عانى، منذ أكثر من أربعة عقود، من مظاهر الفاشية الأسدية، بنسختيها، الأب والابن، حيث كان يُفرض -وما يزال- على الصغير والكبير إثبات خنوعه وولائه وتبجيله للقائد الأوحد، وظل الله على الأرض، والمعلم الأول، الملهم الأول، والفارس الأول، والفريق الأول، والأب القائد، الذي يختصر كلا من الدولة والوطن في شخصه الأوحد، والويل الويل لمن يجرؤ على المسّ به، من قريب أو حتى من بعيد.

إنه الفاشي الأول والأوحد، الذي ربط مصير سوريا كلها بمصير بقائه حاكما أوحد، وليس لديه أي شك في أنه سيدمر سوريا إن أحس بأن كرسي حكمه سيفلت من بين يديه.

ولا شك في أن العالم ليس بحاجة إلى أدلة وإثباتات وقرائن على فاشية النظام الأسدي، ولن يكون آخر القرائن صور جثث أحد عشر ألف معتقل، عذبوا حتى الموت في زنازين وأقبية استخبارات هذا النظام، بوصفها فظاعات باتت تضاهي فظاعات النظام الفاشي النازي، ملهم النظام الأسدي وقدوته ومثاله الأول.

وإذا كان السوريون تركوا وحدهم في مواجهة فظاعات هذا النظام، فإن المراهنة على إرادة دولية لإيقاف جرائمه تبدو مراهنة فارغة، بعد ثلاث سنوات من عمر الأزمة السورية، فيما الثابت هو أن كل دول العالم متفقة على تقنين الدعم للثورة السورية، وعدم مدّها بالسلاح النوعي، الذي يمكنه أن يحدث توازنا في القوى.

أضحى السوريون تحت وطأة وحشية مزدوجة، وحشية المجموعات الإرهابية، ووحشية النظام، الذي يفاخر بأيديولوجيته المقيتة، وعصبيته الذميمة، وسياسته الطائفية الغادرة، ومواقفه المتهورة

هذا في وقت تُرك فيه النظام، ينفذ ما يحلو له من خطط، واستخدام لأسلحة مدمرة، بواسطة الطائرات والدبابات والمدافع، حيث تنهمر براميل الموت والصواريخ والقنابل يوميا على كافة المدن والبلدات السورية، ولا مانع لدى النظام من أن يعيد سيطرته على مدن وبلدات وقرى فارغة من سكانها، فهم ليسوا بشرا في معياريته الفاشية.

تحولات مسار الثورة
لعل التحول الأول على مسار الثورة، طرأ نتيجة اضطرار قسم من شبابها، الذين شاركوا بشكل أو بآخر في حركة الاحتجاج السلمي العام، الذي شمل معظم المناطق السورية، إلى حمل السلاح، ليدخلوا في حرب غير متكافئة مع النظام الأسدي، بعد إعلانه الحرب على المتظاهرين السلميين وعلى حاضنتهم الاجتماعية، وخوضه حربا شاملة مدمرة ضد غالبية السوريين ومناطق سكناهم.

وهو الأمر الذي أفضى إلى تراجع المظاهر المدنية السلمية التي أسست للثورة السورية، حين كان المتظاهرون يوزعون التمّر على الجنود، ويحملون الورود وأغصان الزيتون في مواجهة رصاص قوى الأمن والشبيحة.

وكانت صور اللافتات، في مرحلة التأسيس للثورة، تجمع بين الهلال والصليب، وتساوي ما بين السني والعلوي والدرزي والإسماعيلي، وبين العربي والتركماني والكردي.

وهي صور مازالت ماثلة أمام الأذهان، وتختزنها ذاكرة الثورة، وكلنا يذكر شعار "واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد"، الذي صدحت به حناجر المحتجين في معظم المناطق الثائرة.

غير أن التحول في مسار الثورة استحال إلى حرب حقيقية، أزاحت المظاهر السلمية لتظهر مشاعر الكراهية والانقسام، وصعدت مظاهر العسكرة من خلال تسلح مجموعات عسكرية وأهلية، وخاصة في الريف السوري، حيث إن أفراد عائلات بلدات وقرى كثيرة جنّدت شبانها ورجالها من أجل الدفاع عن حياتهم وأماكن سكناهم، لكنها أدخلت أيضا نفسا من الكراهية وروحية الانتقام من الآخر.

وراحت المجموعات العسكرية غير المنظمة تبحث عن موارد تسليحها وعيشها بشتى الطرق، المشروعة وغير المشروعة، خاصة مع انعزال معظم الضباط الذين انشقوا عن الجيش النظامي وآثروا اللجوء إلى تركيا والأردن وسواهما من البلدان.

ولعب الدعم الخارجي، المنحاز وغير المنتظم، الذي تلقته المجموعات والفصائل المسلحة، دورا في تعدد ولاءاتها وتناثرها، وقد ارتاب سوريون كثر من الأجندات التي تهدف إليها الدول الداعمة، بوصفها كانت عاملا رئيسا في إشاعة فوضى السلاح والتسلح، وإطلاق اللحى والذقون.

وإذا كان لا بد من العسكرة والتسلح غير المنتظم، بوصفهما من مظاهر رد الفعل الأولية والطبيعية على جرائم وهمجية النظام الفاشي الأسدي، لكنها -مع الأسف- لم تتحول إلى فعل مقاومة منظم ضد استباحة النظام للمدن والمناطق والقرى السورية، بالرغم من أن خصوصية الثورة السورية وفرادتها، تستلزم مقاومة منظمة، متعددة المظاهر والفعاليات.

ويتأكد ذلك أكثر إذا تذكرنا أن سوريا اليوم، تخضع لآثار احتلال مركب: احتلال داخلي، ممثلا بالنظام الفاشي الذي احتل البلد منذ أربعة عقود، واحتلال خارجي، تجسده فصائل إسلامية متشددة وخبراء إيرانيون ومليشيات حزب الله ومليشيات عراقية وغير ذلك.

وبالتالي، باتت الثورة السورية توجه نظاما، يعتبر نفسه قوة احتلال، واستدعى قوات احتلال أجنبية، كي تساعده وتخوض المعارك معه ضد الشعب.

وعشية دخول الثورة السورية عامها الرابع، ما يزال المدنيون السوريون مستمرين في فعل مقاومتهم، فيما تبدو بعض الفصائل المسلحة بعيدة كل البعد عن فعل المقاومة، بمختلف مظاهرها.

ولعل العسكرة المنفلتة من رباطها وعقالها، أنتجت مظاهر و"هيئات شرعية" و"إمارات"، بعيدة كل البعد عن أهداف الثورة السورية ومطالب ناسها، فالناس في الثورة أحسوا بأنهم أحياء، حين قرروا الخروج من بيوتهم والنزول إلى الساحات والشوارع للاحتجاج على الاستبداد المقيم منذ أكثر من أربعة عقود.

العسكرة المنفلتة من رباطها وعقالها، أنتجت مظاهر و"هيئات شرعية" و"إمارات"، بعيدة كل البعد عن أهداف الثورة السورية ومطالب ناسها

لقد خرج غالبية السوريين طلبا للحرية واسترجاع الكرامة، ولوضع حدّ لليأس والذل والخنوع، وتحملوا لأجل ذلك كل أنواع القذائف والقنابل والرصاص التي مازالت تنهمر عليهم، وتخطف أرواحهم.

لذلك، من الطبيعي أن يشعر الثائرون السوريون بأن حياتهم أضحت ذات معنى في الثورة، وأن كل فرد فيهم يمتلك ذاتا، شعر لأول مرة في حياته بقيمتها في ميدان التظاهر والاحتجاج، فقرروا جميعا عدم التراجع أمام إمعان النظام في القتل والمجازر، بل وأظهروا قدرة لا توصف على التحمل بالرغم من كل أنواع القصف والدمار الذي لحق بهم وبأماكن سكناهم.

أما بالنسبة للمعارضة السياسية، فإنها لم تثبت خلال السنوات الثلاث الماضية سوى قدرتها على الانقسام والتشرذم والاستعراض، فيما نجح النظام الفاشي في إحداث اختراقات كثيرة.

لكن، ورغم ذلك، فإن قوى الثورة ستظل تصارع من أجل تحقيق آمال الشعب السوري في نيل الحرية والتحرر، والوصول إلى دولة مدنية تعددية، تنهض على مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان.

وإن كان ثمة فعل ضروري ومطلوب من الجماعات المسلحة، فهو الانخراط في صف الثورة، والمشاركة في المقاومة بشكل موحد ومنظم، بغية الوصول إلى سوريا الجديدة، والعمل على الحفاظ على صورة سوريا التاريخية، باختلافاتها وتنوعاتها ومدنيتها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك