ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني



مع دخولها العام الرابع تبدو الثورة السورية الأبهظ ثمنا والأكثر تعقيدا، بين ثورات "الربيع العربي"، وهي أيضا، الأكثر تأثرا من التدخلات الخارجية، والأكثر تأثيرا في جوارها، وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي.

واضح أن ما يجري في سوريا لم يعد يقتصر على كونه ثورة شعب ضد نظام استبدادي، حوّل البلد إلى "عزبة" عائلية، يتوارثها الأبناء من الآباء، أو ثورة ضد الظلم والفساد وسلب الحريات وامتهان الكرامات، إذ صارت ثمة مستويات أخرى من الصراع في سوريا، وعلى سوريا.

هناك الصراع الإقليمي والدولي في سوريا وعليها، والذي تنخرط فيه العديد من القوى، على اختلاف مواقفها وأجندتها ومصالحها وتوظيفاتها، وهذا لم يعد خافيا على أحد، انطلاقا من حقيقة سياسية مفادها أن سوريا تمثل بلدا "مفتاحيا" في العالم العربي وفي الشرق الأوسط.

في هذا الإطار تبدو روسيا وإيران أكثر دولتين، على الصعيدين الدولي والإقليمي، تدعمان النظام. إذ ترى روسيا في وقوفها إلى جانب نظام الأسد جزءا من معركتها لتعزيز نفوذها كقطب دولي في مواجهة الولايات المتحدة والدول الغربية، ومحاولة لاستعادة مكانتها كدولة كبرى مقررة.

تبدو روسيا وإيران أكثر دولتين، تدعمان النظام، فروسيا ترى في وقوفها إلى جانب نظام الأسد جزءا من معركتها لتعزيز نفوذها كقطب دولي في مواجهة الغرب، ومحاولة لاستعادة مكانتها كدولة كبرى مقررة

وبالنسبة لإيران فإن سوريا بالنسبة لها بمثابة حجر الأساس في سعيها للحفاظ على مكانتها ونفوذها الإقليميين، من العراق إلى لبنان، ما يعني أن الدفاع عن النظام السوري هو دفاع عن ما تعتبره أمنها الإقليمي ومجالها الحيوي.

طبعا، ثمة دور للقوى الأصغر، التي باتت تضطلع بدور رئيسي في حماية النظام من السقوط، مثل حزب الله في لبنان، وكتائب أبو الفضل العباس وعصائب الحق العراقيتين، وكلها بمثابة مليشيات سلطوية وطائفية ("شيعية")، تشتغل لذاتها، وكأذرع عسكرية لإيران، في سوريا كما في مجالها الجغرافي والمجتمعي في لبنان والعراق.

في مقابل ذلك تقف الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية والدول العربية (لاسيما الخليجية) التي تدعم سقوط النظام السوري، والتي تشتغل على التأثير في الثورة السورية، والوقائع السورية، لكن مشكلة هذه القوى أنها لا تدعم ثورة السوريين بقدر ما تدعم روسيا وإيران النظام السوري.

كما أن مشكلتها تكمن في أن كلا منها يشتغل بحسب مصالحه وأجنداته، بغض النظر عما يريده السوريون حقا، أو بغض النظر عن المقاصد التي اندلعت من أجلها الثورة السورية.

ومن هذه القوى من يدعم التغيير السياسي في سوريا باتجاه قيام دولة ديمقراطية، ومنها من يحاول أن يحد من عمق هذا التغيير، وضمنه منع امتداد تأثيراته، أو عدواه، إلى محيطه، وربما أن معظم هذه الدول يهمه إضعاف سوريا والانتهاء من دورها الإقليمي.

توجد، أيضا، طبقة صراع أخرى في سوريا، تتمثل في قوى لا دولتية، محسوبة على الإسلام السياسي الجهادي، الذي يتبع منظمة "القاعدة" وتفريعاتها، وهي تشتغل على نحو آخر. فهي مثلا لا تعترف بالحدود الوطنية، ولا بالشعب السوري، ولا بكل ما يتعلق بالديمقراطية، فضلا عن أنها لا تعترف إلا بالمسلمين "السنّة" فقط، لكن ذلك لا يشمل المسلمين عموما إن لم يتبنوا أطروحاتها، ويمنحوا البيعة لأبي بكر البغدادي أمير ما يسمى "الدولة الإسلامية في العراق والشام"!

ومعلوم أن هذه الجماعة، ومثيلاتها، تعتبر أن الصراع في سوريا هو جزء من الصراع العالمي لفرض الإسلام، وإعلاء شأنه، واستعادة دولة الخلافة، فهي لا ترى في الديمقراطية وغيرها إلا مجرد هرطقة ينبغي صدها أو التخلص منها.

ولا شك أن هؤلاء أضروا بالثورة السورية، وبمقاصدها الأساسية، كما أثاروا المخاوف في مجتمع السوريين، بتكويناته المختلفة، فضلا عن أنهم شوّهوا صورة الثورة لدى الرأي العام العربي والدولي.

والأنكى أن هؤلاء لا يعتبرون أنفسهم ضمن هيكلية الثورة السورية من الأصل، ويصرحون علنا بأنهم غير معنيين بأهدافها.

المشكلة أن صعود هذه القوى أثار الشبهات بشأن طبيعة تكوينها، وحقيقة توظيفاتها، وصدقية ادعاءاتها، إذ بدت معادية للثورة أكثر مما هي معادية للنظام.

واللافت أن هذه القوى قدمت خدمة للنظام بإسهامها بترويج ادعاءاتها بشأن أن ما يجري في سوريا ليس ثورة شعبية من أجل الديمقراطية وإنما مجرد هجمة لقوى إرهابية ومجرد مؤامرة خارجية.

وما يلفت الانتباه هو أن ظهور هذه القوى في المناطق "المحررة" حصرا، مع مواقفها المتشددة والغريبة عن نمط عيش السوريين، وممارساتها الشاذة والقاسية ضدهم، في المناطق التي تخضع لسيطرتها، اسهمت في عزلها، وإظهارها بمظهر المساند للنظام، وإن بشكل غير مباشر.

وقد شهدنا أن هذه القوى، المتمثلة بـ "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، دخلت مؤخرا في حرب مكشوفة وشرسة مع جماعات "الجيش الحر"، وحتى مع الجماعات الإسلامية العسكرية الأخرى، في حين أن النظام لم يستهدف البتة هذه الجماعة.

أيضا، فقد شهدت الثورة السورية نوعا من الانقسام والانشقاق فيها، تمثل بظهور قوى دينية، ترى أن الثورة قامت من أجل إقامة نظام إسلامي في سوريا، وما يعزز من نفوذ هذه القوى أنها تتشكل في أجسام عسكرية، توحدت مؤخرا في "الجبهة الإسلامية".

تتجلى كلفة الثورة في تشرد أكثر من ثلث السوريين، مع فقدان الكثيرين لبيوتهم وأملاكهم ومصادر عملهم، وهذا شيء غير مسبوق في تاريخ الثورات، إذا استثنينا زمن الحروب والكوارث

طبعا ليست المشكلة مع هذه القوى في ما تطرحه، فهذا حقها، لكن المشكلة تكمن في أن هذه القوى تحاول مصادرة مستقبل سوريا وفرض رؤيتها الأحادية على السوريين بقوة الواقع، أو بقوة السلاح.

ومن المفيد أن نذكر هنا أن هذه القوى المحسوبة على الجماعات السلفية تجد نفسها في تعارض مع القوى الإسلامية الأخرى من اليمين واليسار، إن صحّ التعبير.

فهذه القوى، مثلا، تقف في تعارض مع أطروحات "الدولة الإسلامية في العراق والشام" و"جبهة النصرة"، اللتين تنتميان للجهاد الإسلامي العالمي، وتدعوان للخلافة، ولا تعترفان بحدود سوريا ولا بالمواطنة، وهذا من اليمين.

أما من اليسار، فإن هذه القوى تجد نفسها في تعارض حتى مع حركة "الإخوان المسلمين"، التي تعترف بحدود سوريا وبواقع التنوع والتعددية في الشعب السوري، والتي تتوخى قيام دولة مدنية ديمقراطية، يتم فيها تداول السلطة، وتضمن الحرية والمساواة بين المواطنين من دون أي تمييز، على نحو ما جاء في "وثيقة العهد والميثاق" التي أصدرتها في (مارس/آذار 2013)، هذا فضلا عن أن ثمة طيفا واسعا من الجماعات الإسلامية السورية لا يتوافق مع ما تطرحه الجبهة.

المشكلة أيضا أن هذه الأوضاع أدت إلى إضفاء بُعد طائفي وديني على الثورة السورية، ما زاد من تعقيداتها ومن مشكلاتها.

أما من ناحية كونها الثورة الأكثر كلفة، فهذا يتجلى أكثر من أي شيء آخر في تشرد أكثر من ثلث السوريين، داخل سوريا وخارجها، كنازحين أو كلاجئين، مع فقدان الكثيرين لبيوتهم وأملاكهم ومصادر عملهم، وهذا شيء غير مسبوق في تاريخ الثورات، إذا استثنينا زمن الحروب والكوارث.

فمن حيث الكلفة البشرية فبحسب "المرصد السوري لحقوق الإنسان" ثمة حوالي 140 ألفا من السوريين لقوا مصرعهم حتى 15/2/2014، علما أن هذه الإحصائيات تمثل الحد الأدنى، بالنظر لصعوبة التوثيق في هذه الظروف، وبالنظر إلى أن كثيرين يفقدون حياتهم من دون أن يدري أحد بهم.

في كل الأحوال، فقد بلغ معدل عدد الضحايا الذين لقوا مصرعهم في سوريا حوالي أربعة آلاف شخص في الشهر الواحد، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ومعظم هؤلاء قتلوا بالقصف الأعمى للمناطق السكنية من الجو والبر، بواسطة الطائرات والدبابات والمدفعية بمختلف أنواعها، ما يفسّر هذا العدد الكبير، وهذا الحجم المهول من الدمار، وتشريد ملايين السوريين داخل سوريا وخارجها.

وقد استطاع "مركز توثيق الانتهاكات في سوريا" تنظيم جداول بأسماء نحو تسعين ألفا من ضحايا النظام، مع طريقة قتلهم، ومكان وتاريخ ذلك، كما استطاع، وبالمعايير ذاتها، توثيق أسماء أكثر من 12 ألف شخص من النظام لقوا مصرعهم في المواجهات مع الجماعات المسلحة ولاسيما "الجيش الحر"، وذلك خلال الثلاثين شهرا الماضية.

أما صفحة "إحصائيات الثورة السورية" على فيسبوك فقد بلغ -بحسب إحصاءاتها- عدد ضحايا النظام السوري، من منتصف مارس/آذار 2011 وحتى 31 يناير/كانون الثاني 2014، حوالي 106820 شهيدا بينهم 1810 فلسطينيين، و10700 طفل شهيد، و10009 نساء شهيدات، 4654 شهيدا تحت التعذيب، وهذا يخص الشهداء الموثقة أسماؤهم، أما عدد الشهداء التقديري بحسب نفس المصدر فبلغ 210000 شهيد.

من ناحية التفاصيل، فقد بلغ متوسط عدد الضحايا، حتى في أشهر الثورة السلمية، وهي الأشهر الثمانية الأولى للثورة، من مارس/آذار حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2011، برصاص أجهزة الأمن والشبيحة، نحو ستمائة شخص شهريا، وهو عدد كبير جدا.

وقد ارتفع هذا العدد، منذ ديسمبر/كانون الأول 2011 إلى يونيو/حزيران (2012) من ألف إلى أكثر من ألفي ضحية شهريا، بحكم التحول نحو الثورة المسلحة. ومنذ يوليو/تموز (2012) ومع تصعيد النظام لحربه ضد المناطق الحاضنة للثورة، باستخدام الطائرات وقذائف المدفعية والدبابات تضاعف عدد الضحايا، إذ بات يزيد على ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف شهريا، ضمنهم 6300 في أغسطس/آب (2012)، وهو الشهر الأكبر من حيث عدد الضحايا، يليه سبتمبر/أيلول مع 5500 شخص، ثم أكتوبر/تشرين الأول مع مصرع حوالي خمسة آلاف شخص.

وفي عام 2013 كان أغسطس/آب هو الأعلى مع مصرع 4700 شخص، إذ تم فيه استخدام السلاح الكيميائي في غوطة دمشق.

بلغ متوسط عدد القتلى، حتى في الأشهر الثمانية الأولى للثورة السلمية برصاص أجهزة الأمن والشبيحة، نحو ستمائة شخص شهريا، وهو عدد كبير جدا

ويستنتج من معطيات "قاعدة بيانات شهداء الثورة السورية" أن عمليات القصف الجوي والقوى الأمنية وعصابات الشبيحة نجمت عنها مئات المجازر الجماعية، في السنوات الثلاث الماضية، أكبرها المجزرة المروعة في الغوطتين الشرقية والغربية، التي عرفت بمجزرة "الكيميائي"، التي أودت بحياة 1400 من السوريين، في يوم واحد (21/8/2013).

أما المجازر الأخرى، التي شملت مجمل الخريطة السورية، فبحسب خريطتها العددية، ثمة مجزرة ذهب ضحيتها أكثر من أربعمائة من السوريين في جديدة عرطوز جنوبي دمشق (أبريل/نيسان 2013)، ومجزرة راح ضحيتها 399 في زملكا (21/6/2013)، وأخرى ذهب ضحيتها أكثر من 342 شخصا في حمص (4/2/ 2012)، وخمس مجازر قتل في كل واحدة منها أكثر من مائتين إلى ثلاثمائة شخص في تريمسة وداريا (يوليو/تموز، وأغسطس/آب 2012).

وفي البيضا (مايو/أيار/ 2013)، وحمورية (21/8/2013) ووادي بردى (25/10/2013)، 21 مجزرة ذهب ضحية كل واحدة منها ما بين مائة ومائتين، في جسر الشغور (يونيو/حزيران 2011) وكفر عويد (ديسمبر/كانون الأول 2011)، وفي دمشق وحمص وحلب والحولة والديابية وداريا (2012)، وفي دوما وكفر بطنا ورأس النبع والديابية وداريا والحولة والمعضمية وحمص وحلب 2013.

أيضا، ثمة 78 مجزرة لقي في كل واحدة منها ما بين خمسين ومائة شخص مصرعهم، ونحو 750 مجزرة لقي في كل واحدة منها ما بين 25 وخمسين شخصا مصرعهم في كل واحدة منها في مختلف مدن سوريا وأريافها، أغلبها عامي 2012ـ 2013.

الآن، وبالنظر إلى هذه الكلفة الباهظة، من النواحي البشرية والمادية والمعنوية، ربما يصعب على الإنسان، من الناحية الأخلاقية، أن يوازن بين الثورة كضرورة وبين كلفتها، لكن هذه الموازنة لم تعد تفيد بعد أن حصل ما حصل، إذ بات التعويض عن كل ذلك يكمن فقط في خلاص السوريين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك