محمد الجوادي

محمد الجوادي

محمد الجوادي, أديب وكاتب ومؤرخ وأستاذ طب، وله إنتاج فكري خصب في مجالات التربية والآداب والفكر السياسي



أبدأ هذا المقال بطرفة قاسية بعض الشيء، وهي ما يعرفه كثيرون مما هو مشهور في بلاد كثيرة من أن بعض أصحاب المستشفيات الخاصة ينظرون في بعض الأحيان إلى المريض على أنه استثمار متجدد أو قابل للتجدد، أي أنهم لا ينظرون للخدمة الطبية على أنها مجال للاستثمار الآني، بل يتمادون في هذا الخط ويعبرون حدود الإنسانية وينظرون إلى المريض نفسه على أنه يمثل عنصر استثمار قابلا لإعادة الاستثمار.

فإذا كان في حوزتهم مريض بالغيبوبة لا يرجى شفاؤه فإنهم يرحبون بوجوده من حيث هو صاحب الفضل في دخل ثابت يدخل لخزينة المستشفى، سواء كان المريض وأهله هم الممولين لنفقات علاجه، أم كان هذا التمويل يتمّ من خلال برامج التأمين المقننة سلفا.

أستأذن القارئ في إطالة الحديث في هذا المثل القاسي، فأقول إن واحدا من الأطباء المعنيين بالحالات الحرجة تحدث إلى زميل له متخصص فيما يمكن أن يسمى بالحالات المزمنة أو الأمراض طويلة العمر التي تطول حياتها وتمتد مع حياة المريض، قال طبيب الحالات الحرجة لزميله إنك محظوظ لأن مرضاك كالمشروع الذي يدر عليك عائدا ثابتا متى وثقوا فيك واطمأنوا إليك.

رد عليه طبيب الأمراض التي يمكن تسميتها بالأمراض طويلة العمر ردا بليغا وحافلا بمعاني الإنسانية والنبل، فقال: إني أدعو الله سبحانه وتعالى ألا أرى المريض إلا مرة واحدة أصف له فيها ما يداويه، ثم يطلبني بالتليفون ليشكرني وليخبرني بأنه شفي للأبد مما كان يعانيه، ولو كان الأمر بيدي ما سمحت لأحد أن يتكرر قدومه إلى عيادتي، حتى أن أكون عند الجميع من المعالم النادرة التي تزار مرة واحدة في الحياة!

وجدت حكومة الانقلاب نفسها أمام مفاجأة قاسية حينما وفقني الله إلى أن أعلن من منبر أقوي قناة إخبارية عربية بتحد واثق وبقوة أن الأيام مرت دون أن ينال الانقلاب أي اعتراف إلا من الدول الخمسة التي شاركت في صناعته

أنتقل بسرعة من هذه الأمثلة القاسية إلى التفريق بين نوعين من الممارسات المهنية في مجال الدبلوماسية، نوع يسعى الدبلوماسيون الذين يتناولونه للانتهاء منه بأسرع ما يمكن، فيضيفونه إلى رصيدهم في الحياة وفي التاريخ مع الفخر بأنهم هم الذين حلوا تلك المشكلة.

ونوع آخر من المشكلات التي يدخل إليها الدبلوماسي فيجدها قد مرت على عشرات (بلى وربما المئات من الدبلوماسيين) قبل أن تصل إليه أو قبل أن يصل إليها، ويرى نفسه مطالبا بأن يواصل العمل على الملف الذي أمامه بإحدى الطرق الكفيلة بأن يظهر له ولمؤسسته أي دور حتى إن كان دورا وهميا.

ولذا لا يمانع في أن يشارك في اصطناع المناوشات من آن لآخر أو في تبريد الملف بصفة دورية أو في تقديم بيانات أو تصريحات وهمية من آن لآخر تتضمن حديثا مكرورا عن تطور مسار أو عن أمل يلوح في الأفق هنا أو هناك.

ومن الطريف والعجيب أن عصر الانقلاب العسكري في مصر جاء ليغير من دون أن يقصد (و من دون أن يدري) من مساحات الحركة المتاحة أمام الدبلوماسيين التقليديين، وليثبت أن العالم أصبح في حاجة إلى آليات دبلوماسية جديدة غير تلك التي استمرت طويلا على مسارات الصراع التقليدية في الشؤون الخارجية والعلاقات الدولية والإقليمية.

ومن الحق أن نقول إن أحدا لم يكن ليتصور أبدا أن يحدث هذا الزلزال (الذي لم ير الناس بقية توابعه حتى الآن) على هذا النحو المفاجئ، وهو زلزال كفيل بأن يقلب أوضاع الدبلوماسية المستقرة رأسا على عقب وعقبا على رأس.

ولأني أفضل أن أترك مساحات التنظير والتأطير لمن يكتبون بعدي فإني أجد نفسي مطالبا بأن أشير إشارات سريعة إلى بعض الحقائق الجديدة التي فرضت نفسها على الممارسات الدبلوماسية، وقد أكرمني الله أن أكون من حيث لا أدري طرفا في بعضها، وإن لم أكن في عقيدة نفسي طرفا أصيلا أو مهما.

(1) فقد وجدت حكومة الانقلاب نفسها أمام مفاجأة قاسية حينما وفقني الله إلى أن أعلن من منبر أقوى قناة إخبارية عربية بتحد واثق وبقوة أن الأيام مرت دون أن ينال الانقلاب أي اعتراف إلا من الدول الخمس التي شاركت في صناعته.

وقد كان من الممكن لعبارة مثل هذه أن تمر في وقتها، على أن يتفرغ لها الانقلابيون بعد فترة بالتسخيف والتسفيه، لكن الطريقة التي أعلنتها بها في مواجهة أحد الانقلابيين، واضطراره إلى المبالغة في الرد، وحرص المذيع على أن يناقشني فيما أعنيه، كانا كفيلين بنقل الحركة الفكرية (إن صح هذا التعبير) إلى مناقشة لحقيقة جديدة في علاقات الدول ومحاولة توريطها بالباطل وهي ظاهرة لم تحدث بهذه الفجاجة مع أي انقلاب سابق.

وسرعان ما اندلعت (على عدة محاور) سياسات الانقلابيين الممولة في تصديهم لهذه العبارة العابرة التي أصبحت مع الزمن تعبر عن الحقيقة الكبرى في تكوين أو رسم صورة الانقلاب الخارجية وسياسة الانقلاب الخارجية.

وحين طلب قادة الانقلاب من الخارجية وأجهزتها أن تحصل بسرعة على ما يسمى بهذا الاعتراف الذي يتحدث عنه صاحب هذه السطور حدثت المفاجأة القاسية على الانقلاب، وهي أن طلب التأييد قد نبه هذه الدول إلى وجوب الرفض.

حين طلب قادة الانقلاب من الخارجية وأجهزتها أن تحصل بسرعة على ما يسمى  بالاعتراف حدثت المفاجأة القاسية على الانقلاب وهي أن طلب التأييد قد نبه الدول الأخرى إلى وجوب الرفض

وكان الأمر باختصار شديد شبيها بما قد يحدث مع ابنك الصغير حين يأتيك ليطرح عليك سؤالا تقريريا من قبيل أليست هذه اللعبة لعبتي أنا؟ ولأنك تعرف أنها ليست لعبته، وأنه لا يصح لك أن تسلب أخاه الأكبر لعبته لمجرد رغبة الأخ الأصغر في تملكها، لهذا السبب نفسه فإنك تهمس له بأنها ليست لعبته وأنها لعبة شقيقه، وربما تلمح له أو تعده أنك ستحضر له لعبة مناظرة، فإذا وجدته مصمما على ذلك الادعاء الذي تعرف أنت وتوقن أنه نوع الضلال فإنك قد تجد نفسك مضطرا لرفع صوتك بالحقيقة تنبيها له وإبراء للذمة منه.

ويمكن القول بلا مبالغة إن مثل هذا قد حدث على نطاق واسع، وكان السبب في ذلك هو إلحاح وتسرع ومسارعة السلطة الانقلابية أو سلطة وزارة الخارجية الجديدة في إثبات الذات الانقلابية بالسفر والحديث عن شرعية غير موجودة.

ومع أن قطاعا صغيرا من الدبلوماسية أدى هذه المهمة البغيضة بقدر من الاحترام التقليدي لحرفية الوظيفة ومهنية الدبلوماسية فإن الأغلبية العظمى أدت هذه المهمة على أنها ترهات مفاجئة أتاحتها حماقات سياسية صدرت عن سياسيين وهميين يظنون أن نجاحا خارجيا يمكن أن يتحقق بمجرد ذهاب وفد من شباب حديث السن قليل الخبرة يطلقون عليهم ممثلي ثورة 25 يناير لكنهم يطالبون (!!) في الوقت نفسه بالدعوة إلى تمجيد الثورة المضادة لها في30 يونيو.

كان الأمر في هذه الملهاة مأساويا، ولم يخل من إضحاك وإمتاع الذين يراقبون الأمور في الخارج من برج عاجي، وقد قال لي أحدهم هل كنت تتصور أن جملة عابرة من مؤرخ أو مفكر يمكن أن تغير وجه نشاط السياسة الخارجية، فتجعل الدبلوماسية تلهث دون انقطاع وراء أمل لا يمكن أن يتحقق على هذا النحو، ولم يقف الأمر عند هذا الوضع الذي يمكن لنا أن نعطي العذر لأصحابه، لكنه تصاعد وتكثف وطلب بإلحاح الاستعانة بصديق، وأذكر أني قلت في حديث عابر مع دبلوماسي عربي صديق إنني أتوقع أكثر من هذا.

(2) ثم وجدت حكومة الانقلاب نفسها تواجه مظاهرات معادية لها في جميع أرجاء العالم، من استراليا والهند وإندونيسيا إلى السويد والنرويج وما بينهما، كما وجدت حكومة الانقلاب نفسها مطالبة بأن تقدم شروحا وتبريرات لما أقدمت عليه من مذابح ومجازر ومحارق في رابعة والنهضة والحرس الجمهوري ومسجد الفتح، ومن اجتياح عسكري للمدن والقرى في كرداسه وناهية ودلجا.

ومن العجيب أن حكومة الانقلاب تكلمت على مستويين، وحسبت أن هذا التنويع أو التعدد في مستويات الخطاب السياسي ذكاء، بينما كان هذا الذكاء نفسه مدعاة أكثر لانتقاد تصرفاتها بشدة.
وقد وصل الفجر والافتراء ببعض المسؤولين والدبلوماسيين إلى أن يزفوا إلى بعض الغربيين أن الانقلاب تمكن من إنهاء المشروع الإسلامي السياسي للأبد!

وفي الوقت نفسه كانت حكومة الانقلاب وخارجيتها تتحدث عن نفي مسؤوليتها عن المذابح، وعن عداء الإسلام، وتبتدع نظرية المواطنين الشرفاء، وهي تطوير لنظرة الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، ثم تتمادى في الحديث عما وفقني الله حين وصفته ساخرا بتخصيب الإخوان المسلمين لليورانيوم في ميدان رابعة!!

فشل آخر تعانيه الدبلوماسية الانقلابية يتمثل في انتهاء جدوى السياسات الاستباقية التي كانت في الماضي بمثابة نموذج ذكي للدبلوماسية النشطة
ومن دون الإفاضة في الحديث عن تفصيلات هذه الوقائع والتوجيهات، فإني أبلور هنا ما لم أبلوره في الفترة السابقة مؤجلا له إلى حين اكتمال المثل الذي أصبح ساطعا والدرس الذي أصبح واضحا، وهو أنه قد أصبح مستحيلا على الدبلوماسية المحترفة في أي مكان في العالم أن تعتمد في الإثبات على الأكاذيب والتحوير والتلفيق والتصوير المعد سلفا.
 
ويعود ذلك لسبب واحد فقط هو سلطة الإعلام، ولا أقول الإعلام وأتوقف، وإنما أقول الإعلام الجديد، وهو إعلام فائق السرعة عميق الأثر لا يمكن للأساليب الدبلوماسية التقليدية أن تجاريه، ولا أن تلحق به، ولا أن تعدل من مساره، ومن باب إحقاق الحق فقد كان ميدان الثورة المصرية بمثابة الميدان الأوسع الذي أثبت سطوة الإعلام الجديد (خاصة وسائل التواصل الاجتماعي)، وانتصار هذا الإعلام على الدبلوماسية المرنة وغير المرنة.
 
ولعل هذا يذكرني بما اختص به الله سبحانه وتعالى أرض مصر من أن تقع عليها معركة العلمين بما تمثله من ظهور سطوة الدبابة، وأن تقع عليها معركتا 1956 و1967 بما تمثلانه من ظهور أسطورة سلاح الجو، وأن تقع عليها معركة 1973 التي كانت فتحا في مجال استخدام الصواريخ وانتهاء بعصر الدبابة والطائرة معا، ثم ها هي ذي الأرض تحظى بمن الله عليها بأن تكون ميدانا لانتصار سلاح الإعلام الجديد على الإعلام القديم، وعلى الدبلوماسية التقليدية، وقد وصل هذا الانتصار الساحق إلى حد أن رؤساء الدول وزعماء المنطقة ومعهم مسؤولو الدبلوماسية والشؤون الخارجية باتوا يستيقظون (وتأمل المفارقة في هذا التركيب اللغوي) لأول مرة في التاريخ وهم لا يدركون حقيقة السلاح الذي يجابهونه.
 
كما وصل هذا الانتصار إلي الحد الذي أظهر للعالم كل ما يسمى بالحقيقة وقتية الحدوث، (وهو مصطلح لم يستخدم من قبل)، وقد تكرست هذه الحقائق بقوة منذ أصبحت وسائط الاتصال المتعددة تتضافر على إظهار الحقيقة (الذكية) بذكاء صناعي يفوق بكل تأكيد ذكاء الإنسان (الذكي) وبتنا نقترب رويدا رويدا مما صوره الله سبحانه وتعالى من وصول الإعجاز إلى درجة كفاءة الهدهد في حديثه مع النبي سليمان، وإلى درجة كفاءة جليس النبي الذي أوتى علما من الكتاب.

وهنا وجدت الدبلوماسية نفسها عاجزة عن توظيف ما تعارف عليه علماء النفس بأنه الكذب المحترف، وذلك على نحو ما وجدت نفسها من قبل مصدومة بفشل سياسات المظهرية الفائقة والسفريات المكوكية والشخصيات الرمزية.
 
وربما يأتي وقت يتاح لي فيه الحديث بتوسع عما أتيح لأمثالي من نجاح متجدد في كل صباح لم نكن نتوقعه ولا نحلم به.

(3) تمثل الفشل الثالث للدبلوماسية الانقلابية في انتهاء جدوى السياسات الاستباقية التي كانت في الماضي بمثابة نموذج ذكي للدبلوماسية النشطة.

وفي هذا الصدد فإنني أكتفي بمثل واحد وسريع يكاد يكون معبرا بقسوة عن التجربة القاسية التي واجهتها الدبلوماسية الانقلابية، ذلك أنني كنت -في إطار ما هو معروف عني من أحاديث تستدعي التاريخ وتستلهمه- قد دعوت إلى تكوين أو تشكيل حكومة المنفى وطرحت تصوراتي لها، ونفيت بوضوح أن أكون واحدا منها رئيسا أو عضوا، وقلت إن صاحب الدعوة لا يمكن له أن يفيد منها على مثل هذا النحو المباشر.

ودارت مناقشات لم تبخل علي فيها الصحافة المصرية ولا الإعلام المصري في أن تسألني وتعطيني حقي من الظلم على ما نحو ما يفهمه موجهوها من تخوين وتحقير، ووصل الأمر في هذا الحد إلى النص على التجريم بالأثر الرجعي صراحة في مادة خاصة في الدستور الانقلابي.
لم تختزل الدبلوماسية الانقلابية نصف مهمتها للنصف فحسب، وإنما طورت مهمتها من حوار ولقاء إلى تسليم خطابات صادرة فحسب، وكأن المطرب كان يعنيها حين غني وقال "مراسيل مراسيل"

وكان هذا هو بعض الجزء العريض الظاهر من جبل الجليد، لكن ما هو أصعب منه وأكثر كلفة على جميع المستويات كان هو تكليف كبار ممثلي الدبلوماسية المصرية باستباق الأحداث وطلب مقابلة السلطات الأجنبية التي يمثلون مصر أمامها، ورجاءهم أو تنبيههم بعدم الاعتراف بأي حكومة مصرية في الخارج، وتحميلهم المسؤولية عن الإساءة للعلاقات الثنائية إذا ما تورطوا في وقوع مثل هذا الإجراء على أراضي دولهم.

ومع أن الأجانب كانوا يفتحون فمهم ودهشتهم لمثل هذا الطلب، فقد كانوا بالطبع يتفهمون دوافع الانقلاب وحالته النفسية الصعبة، وكانوا ينفون لهم نية إقدامهم على مثل هذا التصرف ويردفون بالقول الذي لا يمكن ترجمته بأفضل من القول العامي البسيط: بس خلصوا نفسكم أنتم!!

لكن آذان الدبلوماسية كانت تستمع لهذه النصيحة فتهملها وتجهد أقلامها في كتابة تقارير تتولى الإلحاح على عكسها تحسبا لما هو متوقع من سورة غضب انقلاب عسكري غاشم، وكأن هؤلاء الدبلوماسيين كانوا يعبرون بطريقة دبلوماسية لسلطات الانقلاب عن نجاحهم المطلوب بدلا من أن يعبروا عن حقيقة الموقف.

وكأنهم كانوا يقولون لأنفسهم إنهم أوصلوا للأجانب الرسالة دون أن يوصلوا للانقلاب الرد.. وهكذا حكمت الدبلوماسية الانقلابية على نفسها أن تسعد الانقلاب فحسب من دون أن تعود برد يتعب أعصاب قادة الانقلاب.

وليس معنى هذا أن الدبلوماسية المصرية الانقلابية اختزلت نصف مهمتها للنصف فحسب، وإنما المعنى أنها طورت مهمتها من حوار ولقاء إلى تسليم خطابات صادرة فحسب، وكأن المطرب كان يعنيها حين غنى وقال "مراسيل مراسيل".

وكما أن المطرب يكسب مما يغنيه في كل حفلة فإن الدبلوماسية المصرية تتكسب هي الأخرى من هذه المراسيل في كل سفرة من السفرات المزمنة، وذلك على نحو ما صورنا في بداية المقال.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك