كارل تيودور تسو غوتنبرغ وبوغدان كليتش

لم تكد دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي تنتهي حتى ودعت روسيا الروح الأولمبية بغزو واحتلال بلد أجنبي.

وبعدوانه على أوكرانيا، انتهك الكرملين ميثاق الأمم المتحدة ووثيقة هلسنكي الختامية وغير ذلك من الاتفاقيات الدولية، بما في ذلك مذكرة بودابست بشأن الضمانات الأمنية واتفاقية البحر الأسود التي حددت بالتفصيل علاقات روسيا مع أوكرانيا.

لقد تحولت شبه جزيرة القرم إلى منطقة عسكرية، وربما يجد سكانها أنفسهم قريبا محاصرين في خط النار إذا استمرت الأزمة في التصاعد.

ويواجه الروس الآن العزلة الدبلوماسية والاقتصادية الدولية، وهو ما يؤدي بالتالي إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها بلادهم.

يواجه الروس الآن عزلة دولية، وهو ما يؤدي بالتالي إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها بلادهم، وتهدد مقامرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المتهورة بجر العالم إلى صراع أوسع نطاقا

وتهدد مقامرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المتهورة بجر العالم إلى صراع أوسع نطاقا.

ويتعين على الغرب في ضوء سلوكيات بوتين الخطيرة أن يعيد النظر في موقفه تجاهه. فنحن إزاء زعيم يفسر وثيقة فنية صادرة عن الاتحاد الأوروبي بشأن إعانات دعم الصادرات وتدابير مكافحة الغش باعتبارها أجندة مستترة خطيرة.

وفي عموم الأمر، نحن إزاء رجل مصاب بجنون الشك والاضطهاد يرى عند كل منعطف تحالفا غير محتمل، بين الليبراليين الروس والفاشيين الأوكرانيين ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والإرهابيين الإسلاميين، يسعى إلى إحباط أولوياته ورغباته، إن لم يكن الإطاحة به.

والواقع أن ما نشهده الآن ليس مجرد رد فعل مفرط مؤسف في مواجهة أحداث أخيرة، ولكنه نتيجة لإعداد دقيق. فالجيوش لا تعبئ قوات قوامها 150 ألف جندي في غضون أيام، ولا تجهز المركبات والآلاف من الأردية الرسمية التي لا تحمل شارات مميزة، ولا تجري مناورات عسكرية في مناطق سلمية من العالم دون إنذار.

ومن الخطأ أن يستجيب حلف شمال الأطلسي للاستفزازات الروسية بالتحضير للمعركة على نحو مماثل.

ففي كل الأحوال، لا يزال لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجموعة من الأدوات الكفيلة بتعديل حسابات بوتين، أو حسابات أولئك الذين يمولون نظامه.

ومن الأهمية بمكان أن يكون التعاون بين الولايات المتحدة وأوروبا أوثق كثيرا مما كان عليه الأمر بينهما حتى الآن، فانطباع الانقسام بشأن العقوبات يصب في مصلحة بوتين ويحقق أغراضه.

ويتعين على بعض بلدان الاتحاد الأوروبي، مثل ألمانيا، أن ترقى إلى مستوى التوقعات التي رفعت مستواها في الآونة الأخيرة.

فإذا كان القادة الألمان جادين بشأن إرساء "ثقافة المسؤولية"، فإنهم ملزمون بالتصرف وفقا لذلك، حتى وإن كان ذلك ينطوي على تكاليف اقتصادية.

وينبغي للغرب أيضا أن ينصت بعناية إلى بولندا، جارة أوكرانيا، التي ربما تتمتع برؤية أكثر عمقا للتعقيدات التي تنطوي عليها الأزمة.

وإنها لضرورة أساسية في هذا السياق أن يكون هناك التزام ببعض المبادئ الرئيسية:
استخدام الدبلوماسية. عَلَّقَت أوروبا والولايات المتحدة واليابان بالفعل كل تعاون بينها وبين روسيا في مجموعة الثماني. وعلى نحو مماثل، يتعين على منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تعلق عملية انضمام روسيا إليها.

في أعقاب الإجراءات العقابية التي فرضتها الولايات المتحدة، قرر الاتحاد الأوروبي الآن فرض بعض العقوبات "الناعمة". ولكن الخطوات المتواضعة مثل تعليق المحادثات بشأن تحرير التأشيرة لن تؤثر على الكرملين كثيرا.

الوضع يستحق تفكيرا جادا في إرسال إشارات أقوى، مثل إلغاء أو تعليق الاتفاقيات المتعلقة بخط أنابيب الغاز "ساوث ستريم" وفرض حظر تجاري على الأسلحة والمواد ذات الاستخدام المزدوج

فالأمر يستحق التفكير الجاد أيضا في إرسال إشارات أقوى، مثل إلغاء أو تعليق الاتفاقيات المتعلقة بخط أنابيب الغاز "ساوث ستريم" وفرض حظر تجاري على الأسلحة والمواد ذات الاستخدام المزدوج.

فرض عقوبات موجهة ضد أولئك المسؤولين عن التوغل الروسي في شبه جزيرة القرم. وتتمثل الأداة الواضحة هنا في توسيع نطاق قانون ماجنتسكي الأميركي، الذي يحظر دخول الثمانية عشر شخصا الذين اعتُبِروا مسؤولين مسؤولية مباشرة عن احتجاز وسوء معاملة ووفاة المحامي الروسي سيرجي ماجنتسكي إلى الولايات المتحدة أو استخدام نظامها المالي.

ولا بد من تعديل قانون ماجنتسكي بحيث يشمل أسماء القادة السياسيين والعسكريين المسؤولين عن غزو أوكرانيا.

وعلاوة على ذلك، لا بد من اعتماد مشروع القانون المعدل من قِبَل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في وقت واحد، وبالتالي إرسال إشارة تهديد قوية بتجميد الأصول الأجنبية للحكومة الروسية، والشركات المملوكة للدولة والمسؤولين الأفراد وأنصار حكم القِلة المتورطين.

إشراك الروس: يتعين على الغرب أن يتواصل مع المواطنين الروس العاديين بشأن زيف وخطورة سرد بوتين ذي المحصلة الصفرية، "نحن في مواجهتهم".

والواقع أن توثيق العلاقات بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي لا يشكل تهديدا لروسيا، بل على العكس، فأوكرانيا المتكاملة بشكل وثيق مع جيرانها الغربيين من الممكن أن تعزز اقتصاد روسيا أيضا.

وقد يكون هذا بلا أهمية بالنسبة لزعيم يسترشد برؤى المجد الإمبراطوري المستعاد، ولكنه يصب في صالح الشعب الذي يحكمه، ولن يكون فتح ثغرات في جدار آلة الكرملين الدعائية أمرا يسيرا، ولكنه ليس مستحيلا في عالمنا المترابط بإفراط.

دعم أوكرانيا بالمساعدات المالية -كما فعل الاتحاد الأوروبي الآن- ومن خلال تأمين انتخاباتها المقبلة. ولا بد أن تتضمن المساعدات العسكرية كحد أدنى تبادل الاستخبارات والتعاون مع الغرب عبر لجنة حلف شمال الأطلسي وأوكرانيا.

وإذا تدهور الوضع إلى مستويات أشد خطورة فيتعين على الغرب أيضا أن يقدم المساعدات الطبية وسبل المراقبة والرصد.

وإذا كان لنا أن نسترشد بالحرب بين روسيا وجورجيا في عام 2008، فمن الواجب على مركز الدفاع السيبراني التابع لحلف شمال الأطلسي أن يساعد أوكرانيا في الاستعداد لهجوم رقمي واسع النطاق.

الدفاع عن حلفاء حلف شمال الأطلسي: يتعين على حلف شمال الأطلسي أن يناقش خطوات ملموسة لحماية أعضائه. تشترك أوكرانيا في حدودها مع أربعة من بلدان حلف شمال الأطلسي (بولندا وسلوفاكيا والمجر ورومانيا)، في حين يطل بلد خامس (تركيا) على البحر الأسود مع رومانيا.

وعلاوة على ذلك، تستشعر إستونيا ولاتفيا الخطر إزاء طموحات روسيا الجيوسياسية، وخاصة في ظل ذريعة حماية ذوي القربى من نفس الأصل العرقي.

فكل من البلدين ينتمي 25% من سكانه إلى أصول روسية، وهي التركة المتخلفة عن الماضي السوفياتي.

وأخيرا، تشترك بولندا وتركيا في الحدود مع كالينينغراد، الإقليم الروسي المنعزل في وسط أوروبا (والمسرح الذي شهد أحدث تدريبات الاستعداد القتالي).

عندما وقف الأوكرانيون ضد نخبهم الفاسدة، أصبحوا أول شعب يضع حياته على المحك لتحقيق هدف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وكانت النتيجة هذا الانتقام غير المبرر من قِبَل روسيا

هذا هو وقت الدبلوماسية، وينبغي لمنظمة حلف شمال الأطلسي أن تتجنب المواجهة المباشرة، ولكن ليس بأي ثمن. بل يتعين على المنظمة أن تدرك أن تصرفات روسيا قد تتعارض عمدا مع التسوية السلمية.

ولا يملك الحلف أن يبدأ مناقشة مطولة ومحتدمة حول نشر قواته وقدراته فقط في اللحظة التي تثبت فيها الجهود الدبلوماسية فشلها.

عندما وقف الأوكرانيون ضد نخبهم الفاسدة، أصبحوا أول شعب يضع حياته على المحك لتحقيق هدف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وكانت النتيجة هذا الانتقام غير المبرر من قِبَل روسيا.

هذه إذن ليست حرب أوكرانيا. صحيح أنها الضحية المباشرة، ولكنها ليست هدف بوتين النهائي بأي حال.

إنه هجوم سافر على مبادئ سيادة الدول، وحرمة الحدود المرسومة بعد مفاوضات، والالتزام بالاتفاقيات المتعددة الأطراف التي أسست للنظام الدولي القائم على القواعد اليوم. وبالتالي فإن المسؤولية عن صد العدوان الروسي تقع على عاتق كل من يتمسكون بهذا النظام.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك